مصالح الشركات الإحتكارية ضدّ مصالح الشعوب: تحويل صحة البشر إلى تجارة مُرْبِحة، الطاهر المعز

مقدّمة

تضمنت مُداولات منظمة التجارة العالمية نقاشات مُطَوّلة بشأن “حُقُوق الملكية”، أو “الحُقُوق الفِكْرِية”، وأفرزت اتفاقية 1994 لحماية الحقوق الفكرية ( The Intellectual Rights Proctection Agreement –   TRIPS )، ضمانات لحماية “مِلْكِيّة” الشركات (ومنها شركات صناعة وتسويق الأدوية) للإنتاج، عند بَيْعِهِ لبلدان أعضاء في منظمة التجارة العالمية، أو أطراف أُخْرى، ما يخلق عراقيل أمام الدّول الفقيرة التي ترغب تصنيع نُسخة رخيصة من هذه الأدوية أو اللقاحات، لأن هذا “الإنتاج” (أي الأدوية الأساسية) يُعْتَبَرُ “ملكيةً فكْرِيّة” للشركات الإحتكارية العابرة للقارت، التي اشترت براءة الإختراع أو طَوّرت الدواء أو اللقاح، ما يُتيح لهذه الشركات فَرْضَ أسعارٍ مُرْتَفِعَة، مع حَظْرِ أي اجتهاد يقوم به الفُقراء لإنتاج دواء مُماثل بأسعار رخيصة، وتتمثل المُشكلة الأساسية في اعتبار صحة وحياة البشر والأدوية، مادّة، أو مُنتَجًا، أو سلعة يمكن الإتجار بها كأي سلعة أخرى…

انطلقت احتجاجات في عدد من دول العالم، ضد احتكار الشركات الخاصة لحقوق ملكية الأدوية الضّرورية لإنقاذ البشر، وللوقياة من الأوبئة والأمراض المُعْدِيَة، وعلى إثر ذلك، اقترحت منظمة الصّحّة العالمية، خلال دورة “الدّوحة” (قَطَر) لمنظمة التجارة العالمية، سنة 2001، تعديل اتفاق 1994، واعتبار “الصّحّة العامّة”، أهم من الأرباح المُتأتّية من “حقوق الملكية الفكرية”، وبقيت الصيغة غامضة، عن عَمْد، لكي تُوافق الدول الأعضاء على هذا التّعديل، ما أتاح للدول الإمبريالية، ولشركاتها الإحتكارية، تقديم الرّبح والمصالح الخاصة لأصحاب الأسْهُم على حاجة الشعوب الفقيرة لللقاحات والأدوية، بحسب تقرير منظمة “أوكسفام” (2019).

بعد انتشار وباء “كوفيد 19″، حَدّدت بعض الشركات الإحتكارية سِعْر صَمّامات أجهزة التّنفّس التي تُساعد المُصابين على تجاوز صعوبة التّنفّس، بإحدى عَشَر ألف دولارا للصّمّام الواحد، وتمكن بعض مجموعات العمَل التّطَوُّعِي من صناعة صمّامات مُماثلة بسعر دولار واحد، لكن الشركات الإحتكارية هدّدت (بدعم من الحكومات) بمحاكمة من يتجرّأ على كَسْر الإحتكار، الذي يَعْنِي خفض الأرباح الخيالية التي تجنيها الشركات التي استغلّت الجائحة، ليس لمعالجة المُصابين أو وِقاية غير المُصابين، وإنما لتحقيق القَدْر الاقصى من الرّبح، وظهر ذلك جَلِيًّا بعد انتشار وباء “كوفيد 19″، حيث قامت حكومة بريطانيا (على سبيل المثال) بحماية مصالح الشركات الخاصة لإنتاج العقاقير، ومَنْعِ تصدير عشرات الأدوية، التي قَدْ تُستخدم في علاج الفيروس التّاجي والتأثيرات المُصاحبة، بهدف “الحفاظ على التّوازن بين العَرءض والطّلب”، وغَضت الحكومة الأمريكية (على سبيل المثال أيضًا، وليس الحَصْر) الطّرف عن إقدام إحدى الشركات، في بداية سنة 2020، على رَفْع سعر دواء يتم اختبارُهُ في علاج وباء “كوفيد 19″، من أقل من ثمانية دولارا، إلى حوالي عشرين دولار، للحبة الواحدة، واضطرت هذه الشركة ( صاحبة السّوابق العديدة) على التّراجع، بعد احتجاجات جمعيات المُستهلكين والتّأمين الصحي…        

من نتائج الخَصْخصة وبرامج “الإصلاح الهيكلي”

تكثّفتْ، خلال العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، عملية إعادة الهيكلة داخل قطاع المختبرات والعقاقير، وأسفرت عمليات الإستحواذ والإندماج بين الشركات على هيمنة أربع شركات على نحو 80% من سوق صناعة اللقاحات البالغ حجمها حوالي 45 مليار دولار، سنة 2017، وأصبحت هذه الشركات في موقع قوة، خلال انتشار وباء الفيروس التاجي، ونَشر مركز ( Policy Cures ) الأسترالي، في آذار/مارس 2020، دراسة رَصَدَتْ، لفترة خمس سنوات، القيمة الضعيفة لاستثمار شركات القطاع الخاص (العالمية) في الأمراض المُعدية الناشئة، وضُعْفَ حصة التمويل الخاص بأنشطة البحث والتطوير لأمراض التنفّس، ومنها فيروس كورونا، وتعلّلت هذه الشركات بصعوبة إجراء تجارب ميدانية (سَرِيرِيّة)، أما الوقائع فتُظْهِرُ أن الشركات الكبرى لصناعة وتسويق الأدوية لا تُرَكِّزُ سوى على الأرباح، ويُعتَبر طب الأورام سوقاً مربحة للغاية، تستحوذ على نحو 50% من مشاريع أكبر عشرين شركة عالمية للمختبرات والعقاقير، ولذلك يتم التسويق للأمراض “اليتيمة”، أي النّادِرة، حيث يمكن للشركات تحديد أسعار مرتفعة للعقاقير التي تعالج هذه الأمراض، ولذلك أيضًا تستثمر هذه الشركات مبالغ ضخمة في أبحاث علم “الجينات”، وأمراض السرطان والأمراض النادرة، مثل ضمور العضلات الشوكي، مقابل خَفْض الاستثمارات في الأمراض المُعدية، بِخلاف بعض الفيروسات التي أصبحت مُرْبِحَة، مثل نقص المناعة البشرية والملاريا والسل…

تستفيد شركات الأدوية الكبرى من الإنفاق الحكومي على البحث العلمي، رغم انخفاض قيمته، مقارنة بزيادة الإنفاق العسكري، على سبيل المثال، ولكن عند حدوث أزمة صحية، مثل انتشار الفيروس التاجي، لا تهتم هذه الشركات سوى بما يعود عليها بالفائدة، وبأكبر قدْرٍ مُمْكن من الأرباح، كأي شركة أخرى، في أي قطاع اقتصادي، ولذلك اتّسمت قرارات هذه الشركات بصبغة تجارية بَحْتَة، وعملت على تخصيص الموارد المالية للمجالات الأكثر ربحاً مثل علاج الأوْرام، والأمراض السرطانية، وإهمال الأمراض الوبائية المُعدية، والناشئة، كما اتضح منذ بداية سنة 2020، مع تفشي الفيروس التاجي “كورونا”…

قُدِّرَت قيمة إنفاق المَرْضى على شراء أدوية علاج السرطان بنحو 107 مليار دولارا، سنة 2015، ويقدّر ارتفاع إنفاق المَرْضى، ومؤسسات التأمين الصحي، على علاج أمراض السّرطان بحوالي 10% سنويا، تقريبًا، حتى سنة 2030، وتتوقع شركة “ميرك” الأمريكية، التي أنتجت عقار “كيترودا” لعلاج مرضى السرطان، أن تصل إيراداتها من مبيعاته وحده، سنة 2020، حوالي مائة مليار دولار، بحسب وكالة “بلومبرغ”.

بعد الدراسة والتمحيص والمداولات والمُساومات التي علبت عليها الصّبغة التّجارية (بَدَلَ الصبغة العِلْمية أو الطّبِّيّة أو الصّحّية)، قررت حكومات الدّول الغَنيّة تمويل هذه الشركات الكبرى، عبر طلب كميات كبيرة من اللقاحات، قبل التوصّل إلى نتائج مُؤَكّدة، وقبل تصنيعها، وبذلك استفادت أكبر المختبرات وشركات الأدوية (Sanofi ، GSK Pfizer ، إلخ) من انتشار الفيروس التّاجي “كورونا”، وأصبحت هي الرابح الأكبر من الوباء، إذ سَعَتْ حكومات الدول الغنية إلى توقيع عقود لضمان الحصول على لقاح محتمل ضد الفيروس، وتم الإعلان عن اتفاق يوم الجمعة 31 تموز/يوليو 2020 بين الولايات المتحدة وتحالف سانوفي/ جي إس كي لعقد قيمته 2,1 مليار دولار مقابل مائة مليون جرعة من اللقاح الذي قد يكون جاهزًا في بداية سنة 2021. كما وَقّعَ الاتحاد الأوروبي، يوم الجمعة 31 تموز/يوليو 2020، مع نفس الشركات “سانوفي” الفرنسية و “غلاكسو سميث كلاين” البريطانية (Sanofi و GSK) عقدًا للحصول على 300 مليون جرعة من اللقاحات، دون إعلان أي مبلغ، وتوصلت اليابان إلى اتفاق مع تحالف شركة “فيزر” الأمريكية، و “بيونتيك” الالمانية ( Biontech/Pfizer ) لشراء 120 مليون جرعة من اللقاح ضد “كوفيد 19″، ما يضمن لهذه الشركات سيولة وأرباحًا ضخمة، قبل انتهاء الإختبارات والتجارب “السّرِيرِيّة” للّقاح.

أما البلدان “النامية”، أي الواقعة تحت الهيمنة الإمبريالية، فليس لديها القُدْرَة المالية لتمويل مثل هذه العقود الهامة، ولضمان توفير اللقاح، ولذلك لن تتمكن من الوصول إلى اللقاح إلا بعد الآخرين…

تعتبر صناعة الأدوية استثماراً مضمون النتائج، مقارنة بالصناعات الأخرى، رغم عدم اكتشاف أي دواء جديد، والإقتصار على “تطوير” العقاقير القديمة، بين سنتَيْ 1990 و 2008، وهي من أهم الصناعات التي تُحقّق ربحية صافية عالية، بمعدّل 30% (في المتوسّط)، على المستوى العالمي، خاصة في البلدان مرتفعة الكثافة السكانية، إلى جانب شركات الإتصالات والتكنولوجية الدقيقة، لأن “المُستهلك” (المريض) مُجْبَرٌ على شراء إنتاجها، وبفضل تمويل مؤسسات التّأمين الصحي (من مشاركات المنتسبين) لعمليات الرعاية الصحية، ولعلاج الأمراض المزمنة، التي تدر على الشركات أرباحًا ضخمة، لأن هذه الشركات تُنْتِجُ أدوية تُحسّن حالة المُصاب وتُطيل عمرة، ولكنها لا تُشْفِيه نهائيا، ليبقى مستهلكًا للدواء طيلة حياته، واستفادت هذه الشركات من تواطؤ الحكومات لممارسة الإحتيال والتّضْلِيل، فرَوّجت في الأسواق العالمية لقاحات فاسدة، كما حَجَبَتْ معلومات عن الأضرار أو التّأثيرات الجانبية لبعض العقاقير، وبلغت قيمة إيرادات صناعات الأدوية العالمية، سنة 2018، نحو 1,2 تريليون دولارا، منها أكثر من 115 مليار دولارا، من مبيعات أدوية علاج السرطان، ويتوقع أن يبلغ حجم مجمل الإيرادات 1,5 تريليون دولارا، بنهاية سنة 2020 (قبل اكتشاف لقاح لوباء “كوفيد 19”)، وتمتلك الشركات الأمريكية أكبر حصة من العائدات، بفضل الإستهلاك المحلّي الضخم للأدوية (حوالي نصف الإستهلاك العالمي)، وبلغت عائدات شركة “فيزر” الأمريكية، سنة 2018، نحو 53 مليار دولارا، فيما بلغت أرباحها الصافية نحو 15 مليار دولارا، وبلغت أرباح شركة “جونسون أند جونسون” الأمريكية أيضًا 12 مليار دولارا، والأرباح الصافية لشركة “نوفارتيس” السويسرية 6,76 مليار دولارا، أما في مجال صادرات الأدوية، فبلغت إيرادات ألمانيا، سنة 2018، نحو 84,7 مليار دولارا، تليها سويسرا، بنحو 71,7 مليار دولارا، وتحتل الولايات المتحدة المرتبة الثالثة في إيرادات صادرات الدواء، بنحو 49,7 مليار دولارا.

اليد العُلْيا لشركات الأدوية

لا تمثل الجوائح والأوبئة “مصائب عَشْوائية”، بل هي نتيجة منطقية لتدمير البيئة، ولخفض الإنفاق الحكومي في مجالات البحث العلمي والطب الوقائي، حيث تُؤدّي عِدّة عوامل، من بينها قطع الأشجار وتدمير الغابات والقضاء على بيئة عيش بعض الكائنات الحَيّة، عبر خفض مساحات الغابات، وتخصيص مساحات واسعة من الأراضي للزراعات المُكَثّفة و”الأحادية” ( monoculture )، والإستخدام المُكَثّف للمُبيدات، وللحيوانات (كالدّواجن والأسماك) التي تتم تربيتها في مصانع مُكتَظّة، مع حَقْنِها بالمُضادّات الحَيَوِيّة، ومع تغذيتها بإنتاج مشبُوه، بالإضافة لانتشار فنادق ومطاعم السياحة الرخيصة، في سواحل البلدان الفقيرة، ما يقضي على البيئة وما يُيَسِّرُ انتقال الأمراض أيضًا، ونتيجة للتوسّع العمراني والإستحواذ على أجزاء من السّواحل البحرية، ومن الأراضي الزراعية، (تؤدي هذه العوامل) إلى انخرام التّوازن البيئي، وإلى وَضْع أُسُسِ الكوارث البيئية والصّحّية والجوائح والأوْبئة مثل “سارس” و “ميرس” و”زيكا” و”كوفيد 19″ (من مجموعة الفيروسات التّاجية)، وأدّى النظام الرّأسمالي السّائد إلى هيمنة منطق السّوق المَوْصُوفة ب”الحُرّة”، وهيمنة منطق الرّبح على صِحّة البَشَر التي أضَرَّ بها تدمير البيئة والزّحف العمراني، وتَلَوُّثُ المياه والهواء، وتَلَوُّثُ الغذاء بالمُبيدات، وأصبحت الشركات الإحتكارية تتحكم بإنتاج الغذاء وبإنتاج العقاقير الضرورية لصحة الإنسان، لتَخْتار المجالات الأكثر رِبْحِيّة وتُهمل جوانب “الصّحّة العَمّة” والأبحاث غير “الآمنة”، أي غير مضمونة الرّبْح الكبير، وعلى سبيل المثال بدأت إحْدَى الكُلِّيّات الأمريكية، في بداية القرن الواحد والعشرين، أبحاثًا لاكتشاف لقاحات بشأن مجموعة فيروسات “كورونا”، وتوقفت عن البحث سنة 2004، بسبب قلة الموارد، ورَفْض القطاع الخاص (شركات المُخْتَبرات وتصنيع الأدوية) الإستثمار في بُحوث طويلة، وغير مضمونة الأرباح، لتتحول العديد من الفيروسات إلى سلالات جديدة، تستعصي على العلاج، ولتحتكرَ شركات قليلة براءات الإختراع (عبر شرائها) وبالمواد الخام لتصنيع اللقاحات والأدوية، ولتتحكّم بالأسعار ليفُوق سعر بيع بعض الأدوية 400% من سعر التّكلفة، ولِتُشَكِّلَ بذلك هذه الشركات الإحتكارية عائقًا أمام البحث العلمي وصحة البشر، وتتحكّم بتوجيه البحوث وإنتاج الأدوية نحو المجالات الأكثرَ ربحية، وإهمال البقية…    

تُنْفِقُ هذه الشركات مبالغ صغيرة لشراء براءات الإختراع التي طورتها شركات صغيرة، أو مُختبرات الجامعات، بفضل المال العام، بدل إنفاق الشركات على البحوث العلمية وتطوير علاج بعض الأمراض المُستعصية، ثم تبيع اللقاحات والعقاقير بأسعار خيالية، ما جعل منها القطاع الصّناعي الأسرع نُمُوّا، وكنموذج للجشع ولاستغلال التشريعات الأمريكية التي تدعم رأس المال الإحتكاري، نورد مثل شركة “تُورِنْغ فرماسوتيكال” الأمريكية، التي أنتجت دواء ( Daraprim ) لعلاج بعض حالات مرض نقص المناعة (إيدز)، وقرّرت، سنة 2015، زيادة سعر الحَبّة الواحدة، من 13,5 دولارا، إلى 750 دولارا، ما أثار ضجّة واحتجاجًا، فخفضت الشركة سعره قليلاً، لكنها رفضت بَيْعَهُ بالسعر القديم، متعللة بإعادة استثمار الأرباح في تطوير الأدوية، وهو ادعاء كاذب، لأن الشركات الإحتكارية تستعيد استثماراتها بعد ثلاثة إلى خمس سنوات، من ترويج الأدوية في الأسواق، من خلال رفع أسعار الأدْوية التي يُسدّدُها المرضى ومؤسسات التّأمين الصّحّي، وتُوزّع الأرباح على مالكي الأسهم، بهدف اجتذاب رؤوس أموال جديدة، وبهدف رَفْع سعر الأسهم في أسواق المال والمُضارَبَة، وهي مُضارَبَة بصحة البَشَر.

أشارت مجلة “فوربس” التي تهتم بأخبار الأثرياء، إلى الإرتفاع الكبير لأرباح شركات الأدوية، طيلة عقدَيْن، رغم انخفاض عدد اللقاحات والأدوية الجديدة، وتُشير أيضًا إلى تَغَوُّل “مُجَمّع صناعات الأدوية”، وإلى خُضُوع الحكومات لشروطه المُجْحِفَة، مثل إقرار قوانين أو إدراج بُنود “إخلاء الذّمة” (عدم تحمل أي مسؤولية) عند حُصُول “أضْرار جانبية” للقاحات والأدوية التي تشتريها الحكومات والمستشفيات والمُؤسسات العمومية، وتمكنت هذه الشركات من إرشاء النّوّاب والخُبَراء، وتأجير خدمات الخُبراء لإعداد مشاريع القوانين التي تُراعي مصالحها، ولإعداد التقارير العلمية التي تُشكّك بِصحة بُحوث ودراسات الباحثين الذين يكشفون حِيَلَها والأضرار الجانبية للقاحاتها وأدويتها، أو عدم جدواها، في العديد من الحالاتم، كما تمكّنت شركات الأدوية العالمية الإحتكارية (مثل “فايزر” و “جونسون أند جونسون” و “سانوفي” و “تاكيدا”…) من إخضاع المنظمات الدّوْلية، مثل منظمة الصحة العالمية التي دعمت، بمساندة دول من أمريكا الشمالية (مثل كندا) ومن أوروبا (منها ألمانيا) ومن آسيا (منها اليابان)، “الإئتلاف من أجل ابتكارات التّأهّب للأوبئة” (Coalition for Epidemic Prepradness Innovations- أو  CEPI )، ووقع خصصت هذه الدّول، وكذلك منظمة الصحة العالمية، مبلغ 750 مليار دولارا، لهذا الإئتلاف، من أجل تسريع تطوير اللقاحات لعلاج الأوبئة التي انتشرت حديثًا، منها “كوفيد 19″، ولكي “تحصل جميع الدّول على اللقاحات بأسعار معقولة”، وتمكّن مُمثّلو شركات الدّواء، داخل إحدى لجان الإئتلاف، من إجبار المُنظّمة والدّوَل على التراجع عن هذا المبدأ أو “الحَقّ”، لأنه يتعارض مع “حرية الأسواق” ومع “حق المُستثمرين” في الحصول على القدر الأعْلَى من الأرباح، بالمقابل، تحاول بعض الحكومة، وفي مقدّمتها الولايات المتحدة، احتكار “حق” استخدام أي مُضادات لفيروس “كوفيد 19″، أو أي لقاح قد تكتشفه الشركات، وضغَطَت شركات الأدوية على منظمة الصحة العالمية، للتخلي عن برنامج “التّأهُّب للأنفلونزا الجائحة” ( Prepare for Pandemic Influenza –  PIP )، لأن تبادل البُحُوث بين العلماء وبين البُلْدان يتعارض مع مصالح الإحتكارات، وخضعت منظمة الصحة العالمية، ومراكز البحث العلمي، لكي يقتصر التبادل على الأنفلونزا فقط، ولا يتعداها إلى أي مرض مُعدِي آخر. أما الولايات المتحدة التي تُمثّل مصالح الشركات الإحتكارية بأنواعها، فإنها خفضت حصتها من تمويل المنظمة، بنسبة 50%، وخفضت بعض الدول، وكذلك البنك العالمي، تمويل بعض المنظمات مثل “مراكز السيطرة على الأمراض، والوقاية منها” (   Centers for Desease Control and Prevention- CDC )، ما جعل هذه المراكز مُهدّدة في وُجُودها، وما حَرَمَ الفُقَراء، داخل الدّول الرأسمالية المتقدّمة، أو في البلدان الفقيرة، من الخدمات الصّحّية، فعلى الصعيد العالمي، لا تَحْظى الأمراض التي تُصيب السكان الأكثر فَقْرًا، سوى بأقل من 10% من الإنفاق العالمي على الأبحاث الطبية، بسبب “غياب الحوافز المالية في أسواق البلدان الفقيرة”، وتُقدّر قيمة إنفاق 90% من سكان البلاد الفقيرة، بأقل من قيمة إنفاق نحو 350 مليون شخص من سكّان البلدان الغنية، إذ لا يتجاوز إنفاق المواطن الواحد على الرعاية الصحية (سنة 2018) في بلدان إفريقيا، جنوب الصّحراء الكبرى، عشرة دولارات، سنويا، ما جعل العديد من شركات احتكارات العقاقير تتخلّى عن إنتاج لقاح شلل الأطفال، وأدوية علاج أمراض مثل الليشمانيا، وغيرها، وهَدّدت شركة “نوفارتيس” بالتّخلّي عن بيع دواء ( كوارتم ) لعلاج “الملاريا”، رغم تحقيقها أرباحًا بقيمة تفوق 320 مليون دولارا، من بيعه في إفريقيا، لكن نفس الشركات العالمية تستخدم فُقراء العالم لاختبار أدْويتها، بتكاليف لا تكاد تُذْكَر، قبل حصولها على الترخيص النهائي، وقبل طَرْحها في الأسواق، بحسب منظمة “أوكسفام”.

خاتمة

تعمل شركات الأدوية، مثل أيٍّ من الشركات الإحتكارية الأخرى، على تنمية أصولها المالية، وإنشاء شركات وهمية، في الملاذات الضّريبية، لتفوق قيمتها الأُصول الثابتة، أو رأس المال الثابت (المصانع والآلات والتجهيزات)ن واستثمار هذه الأصول المالية في الأسواق المالية، وفي عمليات الاندماج والاستحواذ التي تعزّز مكانتها في قطاع المختبرات وصناعة الأدوية، وأشار تقرير “المركز الهولندي للأبحاث حول الشركات متعدّدة الجنسيات” ( SOMO ) إلى زيادة الإحتياطات النقدية المُجَمّعَة بين سَنَتَيْ 2000 و 2018، لسبع وعشرين شركة من قطاع صناعة الأدوية، من 83 مليار دولار، سنة 2000 إلى 219 مليار دولارا، سنة 2018، وبَرعَت الشركات الأمريكية للأدوية في التّهرب من الضرائب، وإخفاء مبالغ مالية ضخمة في الملاذات الضريبية، وعبر إنشاء الشركات الوَهْمِيّة، ورفعت هذه الشركات من دُيُونها، بشكل مُصْطَنَع، من 61 مليار دولار سنة 2000 إلى 518 مليار دولار، سنة 2018، ولم تتجه هذه المبالغ المُقْتَرَضَة نحو الإستثمار في الإنتاج، أو البحث العلمي، وإنما نحو عمليات التّوسّع المُستمر، ولشراء الأسهم، والإستحواذ على شركات أخرى، وأصبحت هذه الشركات تجني الأرباح (لتوزيعها على مالكي الأسهم) من حقوق “المِلْكِيّة الفِكْرِيّة”، ومن الزيادات الكبيرة في سعر اللقاحات والأدوية، ومن المال العام، وتعتبر هذه الشركات أنها غير مَعْنِيّة بموضوع الصّحّة العامّة، وغير معنية بشفاء المُصابين، بل معنية بتحقيق أكبر قدر من الأرباح، وتوزيعها على أصحاب الأسهم، لترتفع قيمة هذه الشركات في السوق، ولتجتذب الإستثمارات، وأصبحت هذه الشركات تُمثّل عقبة في طريق البحث عن اللقاحات التي تُجنّب العالم انتشار الأوبئة، مثل وباء “كوفيد 19″، وذلك رغم استفادة هذه الشركات (من خلال الحكومات ) من المال العام، كما رفضت شركات كبرى للأدوية المُشاركة، سنة 2017، مع منظمة الصحة العالمية في برنامج تطوير لقاحات للقضاء على بعض الأمراض المُنتشرة في إفريقيا وآسيا، وشكل انخفاضُ العائداتِ المالية (الأرباح ) السّبَبَ الرئيسيَّ للرّفض، بحسب صحيفة “نيويورك تايمز” (03 آذار/مارس 2020)…    

تعتبر منظمة الصحة العالمية، أن صحة البشر حق أساسي من حقوق الإنسان، ولا تُقاس بغياب المرض فقط، بل هي “حالة من الرفاه البدني والعقلي والاجتماعي الكامل”، لكن خصخصة قطاع الرعاية الصحية وخفض الإستثمارات الحكومية، وغير ذلك من القرارات السياسية، تسببت بتدمير قطاع الصحة العامة والمُستشفيات العمومية، والوقاية، فأصبح القطاع العام عاجزًا عن مواجهة الطوارئ والأوبئة، فيما يعتبر القطاع الخاص أنه مَعْنِيٌّ فقط بتحقيق الأرباح وتوزيعها على مالكي الأسْهُم، في ظل النظام الرأسمالي الذي ضَخّت حُكوماته ( التي تُمثّل مصالح الإحتكارات) المال العام في خزائن المصارف والشركات الكبرى، ومنها شركات المُختبرات وتصنيع العقاقير، وخفضت ميزانية البحث العلمي (باستثناء البحوث ذات الصبغة الأمنية والعسكرية) واكتشاف أو تطوير لقاحات الوقاية وأدوية علاج  العديد من الأمراض، ما يُعرّض الإنسانية لمزيد من المَخاطر، وفي المقابل استفادت الشركات الخاصة من المال العام، لِتُساهم الحكومات في تأميم خسائر ومخاطر الشركات الخاصة، وخصخصة الأرباح…

في المقابل، تمكنت “كوبا”، رغم الحِصار المُستمر منذ ستو عُقُود، ورغم قِلّة المَوارد، من دعم شركات القطاع العام (بالتعاون مع الصين) التي تمكنت بدورها من تطوير بعض الأدوية، ومنها “إنترفيون 2 ب” الذي تُنتجه وتوزعه شركة “بيو كوبا فارما”، منذ 1986، وفي الصين ظهرت النتائج الإيجابية لهذا الدّواء الكوبي، الذي ساعد، منذ أواخر 2019، في إيقاف بعض أعراض الإصابة ب”كوفيد 19″، كما عاينت إيطاليا هذه النتائج الإيجابية، واشترت “كميات كبيرة” (لم تكشف عنها حكومة ووسائل إعلام إيطاليا) دواء إنترفيرون بكميات كبيرة، واستقبلت عشرات الأطباء الكُوبِيِّين لمساعدة المُستشفيات الإيطالية في علاج المُصابين، وأرسلت كوبا أدوية، وفِرقًا من الأطباء، إلى العديد من البلدان المتضررة للمساعدة في مكافحة تفشي وباء “كوفيد 19″، كما تمكنت كوبا من تحقيق تطورات هامة في علاج مرض الزهايمر (الخَرَف) وعلاج المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية (إيدز)، لكن الإمبريالية الأمريكية تقف حجر عثرة في وجه وصول هذه الأدوية إلى الفُقراء في العديد من البُلْدان، بسبب الحصار والحَظْر التجاري، الذي تفرضه على كوبا، وبسبب العقوبات التي تفرضها على أي شركة أمريكية تتجرأ على التعامل مع كوبا…  

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.