تفجرت البوسطة !!ثريا عاصي

لندع جانباً الروايات المتضاربة حول تفجير المرفأ في بلاد يحكمها كما ألمحنا تكتل مافيات، أضاعت الإنسانية فتحول عرابوها إلى وحوش كاسرة . ولنترك لمناسبة أخرى مقاربة الصيرورة التي أوصلت هؤلاء المتوحشين إلى درجة متقدمة من الشراسة والكراهية تجاه الناس في بلادهم، ولنسلط الضوء على الكارثة التي أسفر عنها تفجير «البوسطة» الذي وقع في يوم الثلاثاء 4 آب .

لا شك في أن هذا التاريخ مفصليٌ، فيه إنفقأت دمامل الطوائف والعصبية الجاهلية والفهم الخاطئ للدين، وأوهام التعلق بأذيال الدول الغربية «الحنونة». إن الكلام عما جرى وكيف ولماذا وتنقية الوقائع من الصدف، يطول كثيراً. لذا أكتفي بالتوقف عند بعض المعطيات الملموسة لأتناولها بأقصى ما أستطيع من العقلانية والموضوعية :

ـ إنطلق الإنفجار أو التفجير من مستودع يحتوي منذ 7 سنوات على مواد ذات نسبة تركيز عالية، الأمر الذي يجعلها صالحة للاستخدام في صنع عبوات ناسفة. أي أنها معدة لأعمال قتل وتدمير في لبنان وفي سورية . إذاً نحن إزاء عملية تخزين مواد خطيرة، منذ عدة سنوات، في مرفأ خاضع لإدارة رسمية وإلى مراقبة جمركية وإلى حراسة عسكرية. ينبني عليه انه من المفروض أن تكون السلطات الرسمية وغير الرسمية على علم بوجود هذه المواد!

ـ من البديهي أن المنطق يتطلب من المراقب أن يقارب هذه المسألة آخذاً بعين الاعتبار أن التفجير يقع في بلاد تفرض عليها الولايات المتحدة حصاراً مالياً صارماً أضف إلى أنها ترزح تحت سلطة سيئة للغاية، بددت أموال الخزينة وسطت على ودائع الناس في المصارف وأفسدت الإدارة الرسمية وأنشأت الميليشيات لحماية نفسها وهي متشبثة بالحكم لا تتزحزح . والغريب أن هذا كله لا يمنعها من الدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة، ممثلة إسرائيل، من أجل ترسيم الحدود البحرية والبرية ( وليس الجوية )، ومع صندوق النقد الدولي لعلها تحصل على قروض فوق ما اقترضتها خلال السنوات الثلاثين الماضية.يحسن التذكير في هذا الصدد بأن التفجير يقع أيضاً، في بلاد يكاد أهلها أن يكونوا منقسمين بين المطالبين بـ«الحياد» تجاه إسرائيل، بحسب مفهوم متضمن التصالح، وبين رافضين له، كون إسرائيل دولة استعمارية توسعية، وبالتالي هي في جوهرها ليست حيادية، أضف إلى تيارات صادرت الدين والتراث الديني وجعلت منه نهوجاً سياسية.

تجدر الملاحظة في السياق أيضاً إلى مقترحات أخرجت في الفترة الأخيرة تلازماً مع الدعوة إلى الحياد، أعادت إلى الأذهان موضوع النظام الكونفدرالي، المطبق واقعاً على الأرض في إطار نظام المحاصصة على أساس طائفي ومذهبي.

وأخيراً لا مفر من الإشارة إلى أن التفجير وقع في 4 آب في حين أن قرار المحكمة الدولية في قضية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري كان منتظراً في 6 أو في 7 منه. ولكن تم تأجيل الإعلان عنه بسبب التفجير. من طلب هذا التأجيل؟ ولماذا ؟

ـ اللافت للنظر من زاوية ثانية ، هما أمران :

1 ـ الأول تجسد في تحميل أهل السلطة الحقيقيون، منذ 1990، المسؤولية عن التفجير للحكومة التي تشكلت في كانون الثاني الماضي 2020، فسحبوا الثقة منها (كونها صنيعتهم)، كأنهم أرادوا التبرؤ منها أو الإعلان عن الاستغناء عنها (نكثوا الاتفاق) أو التضحية بها للتعمية ! اللهم إلا إذا كانوا قد تلقوا رسائل من الخارج (من الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأقربين).

2 ـ الأمر الثاني هو تدويل الكارثة. فلقد سارعت الدول الأجنبية، الغربية والشرقية إلى «إغاثة» اللبنانيين. ولكن من المعروف أن الدولة لا تمتلك وسائل «نظيفة» لتوزيع المساعدات على المحتاجينوالمنكوبين، ناهيك من إعادة بناء ما تهدم نتيجة للتفجير. بمعنى آخر أن الدولة مضطرة إلى التخلي عن كثير من صلاحياتها «السيادية». وأغلب الظن، بالمناسبة، إن «تسييب البلاد»، لا يزعج أهل السلطة.

مجمل القول إن دولاً كثيره تستعد لإرسال فرق إغاثة وإعمار مصحوبة بفرق عسكرية تتوكل بحمايتها (لم يعد حصار لبنان ضرورياً ؟ أم أن الدول الغربية ستتولى مراقبة الحدود الشرقية بنفسها؟). وبما أن الدمار طال دائرة قطرها 8 كلم، فمن الطبيعي أن يغطي انتشار العسكر مساحة ورشة الإعمار والإغاثة، مدة طويلة، سيتم خلالها على الأرجح إعادة «إعمار الدولة» بحيث تكون بحسب نظام يعكس ميزان القوى الإقليمي من الناحيتين العسكرية والاقتصادية على جانب درجة وعي الشعوب لمصالحها.

من قلبي سلام لبيروت .

:::::

“الديار”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.