“كنعان” تتابع نشر كتاب “فلسفة المواجهة وراء القضبان”، تأليف: محمود فنون، الحلقة 19

أقسام العار 

لقد أحدث انشقاق التيار الديني هزة مؤثرة في صفوف المعتقلين لما سبّبه من مشاكل بينهم غير أن آثار وجوده قد تقلصت إلى حدٍّ ما وانحرف وطنيا لأسباب عدة منها توجيه متديّني سجن الرملة رسالة تؤيد زيارة السادات للقدس وانهياره الوطني وتأييده مؤامرة كامب ديفيد. 

ومن جانب آخر، بدأت تظهر صورة انشقاقية أخرى أحدثت فرزاً عاما في الانتماء الوطني وغير الوطني حينما تجمّع الهاربون من غرف الحركة الوطنية في غرف وأقسام خاصة بهم. 

في البداية كانت الحالة فردية، فحينما يجري التحقيق مع أحد العملاء في السجن ويعترف بقذارته وانحطاطه الوطني ويشعر بالتهديد، يسلّم نفسه لإدارة السجن حيثما يوضع في الزنازين لحمايته ويستمر وجوده في الزنازين لمدة طويلة تزيد على أشهر بل على سنوات أحياناً. ثم سلكت إدارة السجن سلوكاً آخر بحيث أخذت تجمع هؤلاء الهاربين المتساقطين في أكسات سجن الرملة، وبعد أن زاد عددهم فتحت لهم غرفة خاصة في قسم معزول في سجن نابلس ونقلت بعضهم إلى قسم في سجن عسقلان. وهكذا ولدت أقسام العار في السجون والزنازين وأخذت تمارس دورا تخريبيا وعدوانيا على بقية المعتقلين. 

ورغم أن المعتقلين الوطنيين سيطروا على الموقف، إلا أن هؤلاء الأنذال ظلوا يمارسون أدوارا قذرة وخاصة مع المعتقلين الجدد وفي أقبية التحقيق وظلوا ملجأ للمتساقطين الجدد والساقطين أخلاقياً. 

وبواسطة أقسام العار هذه مارست سلطات الاحتلال شتى المضايقات والإرباكات ضد الوطنيين. ومع أنها لم تفرج عن أحد منهم ومنهم من قضى في السجن عشر سنوات وإحدى عشر سنة حتى الآن، إلا أنهم أداة طيّعة في يد السلطات، ويعيشون حياة السجن والقيد كغيرهم من السجناء. وهم قد أيدوا أيضاً زيارة السادات وكامب ديفيد وشاركوا في عمليات التحقيق مع المعتقلين الجدد ويتلقون تدريبات ودورات على التجسس وخدمة الاحتلال ولا يستبعد أن تفرج سلطات الاحتلال عن بعضهم ليمارسوا قذاراتهم على المكشوف خارج السجون. ومن أخطر العناصر العميلة على الإطلاق عبد المجيد الرجوب الذي أوقع بالعديد من المعتقلين الجدد متقمصاً شخصية القائد المسؤول عن أمن السجون الذي من شأنه اصطياد الأغرار من المعتقلين المستحدثين. 

وهكذا فإن الصراع بين الحركة الوطنية وسلطات الاحتلال يستمر في جميع الأحوال ويأخذ أشكالا متعددة، وتظل أهداف الاحتلال ضد الحركة الوطنية واحدة ومحاولة إسقاطهم وتفريقهم وطنيا عبر أشكال متعددة من العذاب والمعاناة.  

هذه المعاناة هي التي تربى خلالها الوطنيون في السجون وارتقت أوضاعهم، ونضجت أفكارهم وتعمق انتماؤهم الوطني والأيديولوجي وتراكمت خبراتهم النضالية، وهي التي تضاعف تحدّيهم لسلطات القمع والجلادين إلى حد يفوق ما توقعه الاحتلال مرات عديدة. وقد حاصروا التيار الديني وضيّقوا الخناق على أقسام العار وحافظوا على أربعة أخماس المعتقلات بدون تلوث. 

لقد ناضل المعتقلون ولم يتوقفوا عن النضال طوال سني حياتهم القاسية هذه وفي ظل المؤامرات الفاشية التي تحاك ضدهم، وهم طوال الوقت ظهورهم إلى الجدار الأخير وليس أمامهم إلا الصبر الذي يغذيه إيمان عميق وحب لا ينضب لبلدهم وحريتهم. وهم إذ يصمدون في ظروف العسف القاسية هذه إنما يسطّرون ملحمة بطولية من أكثر ملاحم البطولة والصمود والتحدي بسالةً، مخلِّدين بذلك نضالاتهم في نفوس الجماهير التي تحتضنهم ويحتضنونها. 

السجناء الوطنيون يواجهون عسف الاحتلال بالصبر المؤمن الذي لا ينتهي وبالإضراب عن الطعام والزيارة والفورة، والامتناع عن استلام مخصصاتهم كتعبير عن احتجاجاتهم أو دعما لمطالبهم الحياتية البسيطة المشروعة في كل سجون العالم والممنوعة في سجون الاحتلال الإسرائيلي. 

وهم إذ دفعوا من وقتهم وجهدهم في النضال قبل الاعتقال ودفعوا من أجسادهم وأعصابهم ولحمهم ودمهم في أقبية التحقيق، فإنهم لا يزالون يقدمون التضحية تلو التضحية بوصفها واجباً مقدساً في كفاحهم العنيد المستمر ضد سلطات السجون. وفي أجواء التضحية هذه يغمرهم الفرح، فرح المناضلين الأشداء، بقدرتهم على الاستمرار في النضال، وهم في ظل أجواء التضحية هذه يمارسون فرحهم وحياتهم، تغمرهم وتنهال عليهم النكات والضحكات عندما تنهال عليهم عصي الجلادين. فهم مناضلون ويحبون الحياة. 

عندما يساقون إلى الساحة للتفتيش، والجلادون يحيطون بهم من كل جانب والراس حملة البنادق على أسطح الغرف، والمناوبون يعسفون ويبطشون، يتمازج المناضلون ويتندرون بمواقف من عليهم دور التفتيش ويضحكون بمرح. ما أروعهم هؤلاء الذين يتسلل الفرح إلى نفوسهم في أحلك اللحظات. وعندما يفوّتون على المفتشين بعض حاجاتهم الثمينة (أقلامهم، كراريسهم،) فإنهم يتدافعون إلى الغرف فرحين كمن حقق نصرا. أما عذاب التفتيش فقد غسلوه عن أجسادهم لدى دخولهم أبواب غرفهم فينصرفون إلى حياتهم وجلساتهم التثقيفية ونشاطهم الداخلي رغما عن عيون الحراس التي تقذفهم بشررها. وهكذا تسير الحياة. فالصبر بالنسبة للمناضل ونسيان الألم سريعا هو غذاء هذه الحياة القاسية، ولكنه غذاء يكفي ليس للشبع فحسب بل وللنمو أيضا. تنمو الثورية وتنمو معها الحقد على أعداء الحياة والإنسان والوطن والشعب.  

ليس هذا غريباً على المعتقلين الفلسطينيين، فروتين حياتهم هكذا. زجرٌ وقهرٌ وحرمان، تغسله النوادر والفكاهات اللطيفة فتنقضي السنون يوماً يوما دون توقف والأمل ينمو رويداً رويدا بحياة حرة طليقة وانتصار محتوم. 

لقد نزل السجن في سنوات مكافحة الاحتلال ما يزيد على مئة ألف معتقل فلسطيني حسب إحصائيات الصليب الأحمر، ولا يزال يُمضي فيها أربعة آلاف مناضل أمضى معظمهم ما يزيد على عشرة أعوام. وقد تخرّج من مدرسة السجون مئات القادة والكادرات الصلبة التي تحتل موقعاً طليعيّاً وريادياً في الثورة. وهناك المزيد منهم ينتظرون لحظة تحررهم للانخراط في صفوف الثورة من جديد بخبرات واسعة وإرادة فولاذية صقلتها سنوات المعاناة، صقلتها عذابات 10-15 عاماً من النضال والتثقيف والمراس، إنه بحق قد أصبحت سجون العدو الصهيوني مدرسة كبرى للثورة الفلسطينية. 

مفاهيم عامة 

سنتعرض هنا إلى بعض المفاهيم التي تشكل خلفية معقولة اجتماعيا كتبريرات (!) للاعتراف والانهيار، أو تشكل أحكاما عامة على نتائج المواقف في التحقيق. 

  1. العيب والشرف 

    من العار والعيب أن يرى المرء قريبته وقد جُلبت بنفسها، بلحمها ودمها وجمالها وعرضها معها إلى غرف التحقيق. ومن العار أن يسكت المرء على ذلك. فما العمل؟ 

    أثناء عرضنا لأساليب التحقيق لاحظنا أن الجلادين، واستنادا لفهمهم للخلفية الاجتماعية للسجين المعين والنقاط الحساسة التي تثيره، فإنهم وكوسيلة ضغط يجلبون أحد أقربائه أو إحدى قريباته إلى غرف التحقيق ويضربونها فعلا ويعرّون جسدها ويأخذون في تهديدها وربما طلبوا منها أثناء ذلك أن تنصح قريبها بالاعتراف وإعطاء المحققين ما يريدون. وخشية المعتقل (الزائفة) على عرضه وشرفه ودفعا للعار (!)، ينهار ويتجاوب مع المحققين ويعترف عن عشرة أشخاص مثلا، ويشي بهم وهو مدرك لما سيلاقيهم من خلال تجربته المباشرة، وبين العشرة فتاة أو اثنتان. فأين العيب والشرف في المسألة على هذا الأساس. 

    قبل كل شيء هناك سؤال يطرح نفسه: هل من العيب والعار وطعنا للشرف أن يشي المرء بفتاة أو اثنتين ويقدمهما لقمة دسمة للسلطات؟ أيعتبر عيبا وعارا أن يقبل بوجود قريبته في غرف التحقيق كوسيلة ضغط عليه، وليس عيباً أن يكون هو نفسه سبباً مباشراً في إحضار فتيات أخرى للسجن والتعذيب والتعرية والتهديد بطعن (الشرف)؟   

    سندخل في المسألة من زاوية أخرى: كثيرا ما يلجأ المحققون لاستخدام الشتائم، بل الشتائم القذرة، ضد المعتقلين أثناء التحقيق وتهديدهم بممارسة اللواط معهم، وشتم أخواتهم وأعراضهن. يا للعيب وللعار! 

    وبعض المعتقلين لا يستطيع تحمل مثل هذه الإهانات وهذا المساس الخطير “بالشرف” (!). ولأن شخصاً من هذه النوعية لا يملك حولا ولا طولاً للدفاع عن شرفه المهان، ولأنه من “العيب والعار” أن يتحمل، فليس من شيء (يُسكت) المحقق سوى الاعترافات والوشاية بالآخرين. يا للسخف! 

    وهنا نطرح نفس الأسئلة: هل يُمس الشرف بشتيمة ولا يُمس بالخيانة الوطنية والوشاية بالزملاء وإفشاء أسرارهم؟ أيهما أكثر عيباً: أن يودي المرء بمنظمته وبأسرارها في أيدي المخابرات، أم كلمة ٌ عابرة تقال؟ وهل يتوقع المرء أن تقدم له باقات الورد في أقبية التحقيق أم الضرب والإهانات والشتائم التي تعبّر عن غيظ المحقق وحنقه. يقول رئيس مجموعة (الكنيسة) التي اعتُقلت سنة 1975 في سجن الخليل والذي وشى بثلاثة وعشرين شخصاً آخرين بـأنه اعترف بعد أن صفعه رجل المخابرات صفعة قوية وشتم عرضه أبشع الشتائم ووصفه بالمخنث مما أفقده القدرة على التحمل (!) فتساقط وقدم 23 شخصاً بنشاطهم الوطني. يا للعار! 

    كيف نحلل الحالات المذكورة أعلاه؟ 

    لا يعقل أن يكون تهديدا، أو حتى ما هو أكثر من التهديد، ولا يعقل أن تكون مجموعة شتائم يسمعها الناس كل يوم بطريقة أو بأخرى من بعضهم البعض، لا يمكن أن تكون هي سبب الانهيار. إن الانهيار يكمن في الشخص ذاته. فلديه هو استعداد مسبق للاعتراف والصمود بنسب متفاوتة، ولأنه يهتم بنفسه فقط ولا يشعر بأهمية أية ارتباطات ولا حتى بخطر أية نتائج، فإن صفعة واحدة أو جولة تعذيب تنمّي لديه الاستعداد للانهيار والاعتراف نتيجة للحسابات خاطئة يُقصد منها حماية الذات، تلك الحماية التي تحولت في مناخ التحقيق إلى أهم غاية، بل الغاية الوحيدة. 

    ليس العيب والعار والشرف ما شكل دوافع الانهيار، سواء كان المعتقل من النوع الذي يعي وجوده النضالي أو لا.  فلو كان العيب هو السبب، أي لو كان العيب هو المحرك والدافع لهذا النوع من الناس لمنعه من زج الآخرين في السجن والوشاية بهم، لأن ذلك أيضا من أقبح العيوب بل أقبحها على الإطلاق من وجهة نظر نضالية. ليس الشرف أن يعترف المناضل صونا لنفسه من الشتائم القبيحة بل الشرف أن يصمد. فالصمود هو وسام الشرف وهو الذي يمنع وقوع العيب والخزي من الزملاء وأهلهم، ومن الحزب او المنظمة والحركة الوطنية. 

    هذا بالنسبة للشخص العادي، أما بالنسبة للمناضل الثوري، إذا ما حاول تبرير اعترافه بسخافات كهذه فإنه إنما يدلل على حجم السقوط والتردي الذي لحق به حيث تحول في التحقيق من مناضل يضحي ويبذل لصالح الثورة، إلى ملقط طيّع في أيدي المحققين يقبضون بواسطته عليه نفسه، وعلى أعضاء وأسرار المنظمة النضالية التي ينتمي إليها.  

    وهؤلاء جميعا عند سقوطهم يكونون قد فقدوا كل إحساس بالعيب والشرف والكرامة وبدلا من أن يحضوا أنفسهم على الصمود، تدحرجوا إلى الهاوية.  
  2. التعذيب والصبر 

    من العادي جدا أن يتعرض مناضلو الحركة الوطنية الفلسطينية إلى أقسى أنواع التعذيب لدى وقوعهم في أيدي الجلادين. ويتناسب حجم التعذيب طردياً مع صمودهم، فكلما أبدى مزيدا من روح الصمود والتحدي ازدادت محاولات المحققين لكسر صمود المناضل وإنفاذ صبره وإسقاطه. وفي حقيقة الحال فقد تعرض مناضلون عديدون لجولات قاسية من التعذيب أياما متواصلة، بل أسابيع، دون أن ينبسوا ببنت شفة وهذا هو الأمر الطبيعي، وهذا هو الموقف الثوري البطولي. 

    ومن بعض هذه الحالات من يكسر صموده بعد عدة جولات قاسية فيعترف بما لديه أو بعضه، ولدى تفسيره لسبب هذا الاعتراف يطرح الضرب والتعذيب. عذّبوني، كسروني، حطّموني، لم يكن أمامي خيار. على ماذا تدل هذه الإجابة؟ 

    بعد صموده المتواصل كانت حزمة أخرى من العصي كفيلة بسحقه. هذا هو واقع الحال، فبدلا من أن يصمد في الجولة الأخيرة التي غالبا ما تتصف بقسوة شديدة، ليتوج نفسه بشرف الصمود والبطولة، كانت الجولة الأخيرة موعد سقوطه بل عنوان سقوطه وتبريرا له، وكأن للسقوط تبريرات! 

    من المناسب الإشارة أولا إلى أنه من الشرف العظيم أن يقول المناضل عذبوني وحطموني، ولكني صمدت ولم أبح بشيء وهذا هو الموقف النضالي الثوري. أما أن يقول عذبوني فاعترفت فهذا تبرير سخيف لأن كل المناضلين في العالم يتعرضون للتعذيب لدى اعتقالهم من السلطات التي ولى زمانها، السلطات الرجعية. 

    والآن، هل اعترف هذا النوع من المعتقلين لأن صبره قد نفذ؟ إن الصبر قوة معنوية موجودة لدى كل إنسان، وهو يغذي نفسه بها في أي حال من الأحوال وبأي نسبة كانت استنادا إلى إيمانه العميق بمبادئه وقيمه ووضعه الشخصي والاجتماعي واستنادا إلى إيمانه بالمستقبل وتطلعاته السياسية والثورية وأي تطلعات أخرى. فالصبر ليس شيئا ما محدودا وموضوعا في كيس يمكن إفراغه. إنه قوة روحية جسدية، غذاء داخلي. وليس للصبر حدود إلا في الحالات الجسمية والفيزيولوجية. مثلا يستطيع الانسان أن يقف لمدة طويلة ثم يشعر بالتعب في ساقيه وجسمه ويتحامل على نفسه ويظل واقفا إلى حد لا تستطيع أرجله أن تحمله فينهار على الأرض. وهنا تتفاوت قدرة الإنسان على الاحتمال، أما الصبر بقوة معنوية فهو مربوط بالإرادة وفي هذا المجال هو مربوط بالإرادة في الصمود والتحدي، الإرادة الثورية القوية التي لا تلين. والمقصود إيضاحه هنا أن الصبر مسألة إرادية إلى حد غير متناه بخلاف التحمل الجسمي غير الإرادي المذكور في المثال السابق. 

    إذن، عندما ينفذ الصبر من هذا النوع فإنه ينفذ إراديا وهو ينفذ نفاذا واعيا دون شك، أي بسبب تنامي رغبة داخلية بوضع حد له إذا توجه المرء توجها كهذا، وينمو ويزداد ويتعمق إذا اعتبره الانسان سلاحا حادا وضروريا لاستمرار مواقفه الشجاعة وصموده الحديدي. 

    وهل انتصرت ثورة في التاريخ دون أن يتحمل أبطالها قدرا هائلا من المعاناة بصبر وثبات وبطولة؟ إن الثورات تولد من المعاناة وغالبا ما تبدأ الهزيمة من نفوس المقاتلين أنفسهم. 

    إن صبر المناضل واحتماله لكل الآثار الناجمة عن التحقيق، كهدف يضعه نصب عينيه منذ البداية، يشكل الصخرة الصلبة التي تتحطم عليها كل أساليب التعذيب ووحشيته. وفي هذه الحالة لن يكون التعذيب الجسدي سببا في نفاذ الصبر والسقوط، بل شاحذا جديدا يقوي الهمة ويصلب العزيمة مما يؤدي مرة أخرى إلى تعزيز الصبر والصمود، وهنا لن تكون قولة (نفذ صبري، لم أستطع الصبر، التعذيب فوق طاقتي،)، لن تكون هذه الأقوال إلا تبريراً سطحيا عن حالة السقوط والانهيار ولن تكون إلا شهادة ووصمة على تهاوي شخص كهذا لمجرد أنه تعذب. 

    إن المحقق يملك أن يضرب ولكنه لا يملك أبدا ما يحرك اللسان وكل حالات الاعتراف التي وقعت لا يبررها أية أقوال على الإطلاق. غير أنه، ونتيجة لما يروى عن قسوة التعذيب، ولشيوع فكرة تبرير الاعتراف بقسوة التعذيب، فإن العشرات ممن أفرغوا ما في جعبتهم منذ البدايات الأولى لعملية التحقيق، ينزلون إلى السجون مدّعين بأنهم قاسوا الويلات فاعترفوا. ولأن عدداً آخر قد سبقهم إلى السجن بهذا التبرير فإنه يلقى أحيانا آذانا صاغية ويروج له من جديد. وفي الحقيقة ما نفع التبريرات بعد انكسار الزجاجة وتفريغ ما بداخلها، فالأحزاب الثورية لا ترحم من يفشي أسرارها ويشي برفاقه ولا تقبل التبريرات. 
     

مسكوا عندي. أي ضبطوا في حوزتي 

-لماذا اعترفت؟  — لم يكن لديّ أي مهرب فقد ضبطوا في حوزتي منشورا  

-بماذا اعترفت؟ –لم أستطع إخفاء شيء فالحقائق دامغة. 

– وهل يوجد في المنشور ما يدل على أنك ألقيت قنبلة على دوريات الاحتلال؟   

–لا! ولكن، لم أجد سبيلا إلى إخفاء شيء. 

هذه النغمة النشاز، ما أحقرها! فإن تمّ ضبط منشور سياسي في حوزة المناضل، فقد يكون في حوزة أي إنسان، تعتبر ركيزة لانهياره في التحقيق والبوح بكل شيء، بل التبرع بكل شيء لصندوق جمع المعلومات لصالح أجهزة أمن الاحتلال، وضد الرفاق والمناضلين وأسرارهم الهامة.. هذا هو مدلول هذه النغمة! 

فبدلا من أن ينكر حتى وجود المنشور، أو يدّعي أنه وجده في الشارع ولا يعرف عنه شيئا، يعتبر نفسه سقط ولا يستطيع القيام؛ فكيف لو ضبطوا معه رسالة سرية، فإنه سيشي بمن لا يزالون لم ينتظموا معه، بل بمن يفكر بينه وبين نفسه في تجنيدهم.  

ليس صحيحا أن المستمسكات المادية مبرر للانهيار والتساقط، فهذه مسائل يمكن تبريرها بل من الأفضل إنكارها حتى لو ضبطت في البيت أو في الجيب، لأن خير وسيلة لإقفال الملف هي عدم فتحه نهائيا، وإنكار ما هو بائن منه حفاظا على ما هو مخفي. وفي تجارب المناضلين الوطنيين في الحركة الفلسطينية هناك من أنكر كليا أي علاقة له بما ضبطوه عنده في البيت، بل حتى ادعى أن المخابرات نفسها هي التي وضعته دون علمه. وهناك من ادعى أنه وجدها في مكان ما فحسب ولا يعرف أي شيء عن مصدرها وغايتها، وبعضهم أنكر كليا معرفته بما هو موجود داخل الرزمة التي ضُبطت معه أو التي نقلها ووضعها في المكان المعين، وأنه لا صلة له مطلقا بأي شيء من قريب أو بعيد يدينه بمسائل كهذه. وفي هذه الحالات لا تستطيع قوى الجلادين أن تستمر في التحقيق إلى الأبد، بل إنها ستسلم في النهاية بحقيقة أن هذا المناضل لن يقول شيئا على أقل تقدير وهذا جل ما يبغيه المناضل من موقفه البطولي. 

إن فكرة (عندي هذا الشيء أو ذاك) لم تعد مبررا لكشف أي أسرار. ولكن، لنسلّم جدلاً أن المناضل لم يستطع التملص من الممسك الذي وجدوه لديه، فإن علاقاته ونشاطاته الأخرى لم يقبضوا عليها هي أيضاً، ولن يجدوا في زجاجة مولوتوف أو قنبلة أو منشور سياسي أو نشرة داخلية أو جماهيرية؛ لن يجدوا فيها ما يفيدهم بأنه ينتمي إلى الحزب الفلاني وأنه عضو في الخلية الفلانية وقام بهذا النشاط أو ذاك، ولولا استعداده الذاتي لقول هذه المعلومات لما كُشفت على الإطلاق. 

إن العديد من المناضلين برروا للمحققين علاقتهم بهذه المستمسكات بطرق لم تمس علاقاتهم مطلقا ولم تؤد إلى كشف أي سر حقيقي مهما كانت أهميته. وفي هذا رد مُفحم وفاصل على الادعاء بالتهاوي نتيجة وجود مستمسك مادي ما ضُبط في حيازة المناضل. 

الإنسان الصعب في الموقف الصعب، فما أن يضبطوا مع مناضل شيئا ما حتى يكون في موقف صعب، ولكنه غامض على المحققين إنه أيضا صعب عليهم، واجتراح بطولة الصمود في هذه الحالة مسألة واقعية وليست معجزة. فليس من عادة المحققين التركيز على الأسئلة التي أنكرها المعتقل، وبإمكانه الصمود وصفع المحققين وأدلتهم والخروج من التحقيق بشرف.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.