ذبحتم العراق فذبحتكم إمارة بريطانية: الكيانات العربية الصغيرة … إسرائيلات، عادل سمارة

ملاحظة:

لكثرة من يبنون سياساتهم ووطنيتهم وعروبتهم وماركسيتهم وتديُنهم وطوائفيتهم وارتباطاتهم بالصهيونية والغرب على هجومهم ضد صدام حسين، لم أشأ أن أكتب بعد ثلاثين سنة على تحرير الكويت  2 آب 1990. هذا رغم أن أكذوبة إفراج الدول عن ارشيفها السري يتم في هكذا مدة. لكن التهاون الذي وصلنا إليه وحلقته الجارية عدوان حاكم إمارة الاستتباع على الوطن الفلسطيني دفعني لأن أكتب وذلك فقط من باب التذكير بأن كل هؤلا ء اسسوا لما يحصل اليوم، وليس الذي اسس له العراق وحده. وكل من يتوكأ على أخطاء صدام ويعبد آخرين حزبا أو نظاما أو حاكماً لن يُثمر. وبأن تحرير الكيانات الصغيرة أمر عاجل لأنها نماذج بالضرورة عن الكيان الصهيوني، نفس الدور بأسماء أخرى. فالكيانات الصغيرة تابعة بالحتم والقطع حتى لو عنية لأنها تحتاج الحماية فتتبع وتفعل ما تُؤمر به. وهنا تتفرد كيانات الخليج بأنها ليست عربية ديمغرافيا، فمعظم سكانها ليسوا عربا، ولذا، هي جاهزة للنجاح في خيانة الأمة بأُناس ليسوا منها. وهذا يردنا إلى تخوفات كثيرين من أن هذه الكيانات قد تفقدها الأمة العربية، وها هو يحصل بل تتحول إلى مخلب صهيوني.

 وعليه، كل من غنى لذبح العراق كان قد اسس لاقتلاع المضمون القومي العربي. ولا يهم هنا إن حصل ذلك بالسهو او الغفو أو الارتباط.

“… ينقل”بريستد”  في كتابه “فجر الضمير”  عن كاتب مصري من القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد. وصفه لوضعية انسان ذلك الزمان ، فيقول ان الانسان ليسمع  صراخ جاره في البيت المجاور  فلا يجرؤ على نجدته  ولا يملك اضعف وسيلة لمده بالعون ، اقصى حالات  العزلة واقسى  حالات الاحساس بالعجز ، واشد حالات الاحساس بلا جدوى اي شيء بدءا من  الكلمة ووصولا الى الفعل” من كتاب عودة الاستعمار ، الطبعة الاولى   تشرين الثاني نوفمبر 1991 ص 251 “.

لم يبق الحال كما ورد في هذا النص، فهناك محطات كثيرة قاتل هذا مع ذاك، وربما كانت تجربة مصر الناصرية خير مثال. ولكن جاء زمن، ها هو امامكم/ن جميعا هو أقبح مما ورد في النص.

تكرر ما ورد في النص  كثيراً في تاريخ الاستتباع الرسمي العربي وخاصة بعد أن نجحت الإمبريالية في تقوية السلطة القُطْرية بحيث تلجم الشعب في كل قطر ضمن حرب أمنية ضد الشعب أي حربا أهلية. لا بل أفظع. فحينما اعتدت ثلاث وثلاثون دولة على العراق إثر تحرير الكويت لم يجبُن كلٌ عن نجدة جاره بل شارك في المذبحة بذرائع الدمقرطة والحرية وغيرها.

ومن حينها على الأقل تلقت القومية العربية ماديا وفكريا وثقافيا ونضاليا وانتظاما ضربة بل ضربات  أحبطت الشارع وتم استتباعه لأنظمة هي مستتبعة. بل واستمرئت هذه الأنظمة الاستحدام لصالح الغربي والصهيوني ضد أقطار عربية أخرى لنجد انفسنا في دوامة احترابات عربية لصالح كافة الأعداء. وكل ذلك لأن كل نظام كان يحلُم بأن قتل العراق أو السير في جنازته سوف يعصمه من سيوف الإمبريالية والصهيونية ولكن: هيهات هيهات.

وبقدر ما عضَّ مؤيدو  ومن احتفلوا بتدمير الجيش العراقي على شيء ما بين أسنانهم بعد المذبحة وبعد أن خرجت العمامات عمياء تماما وأفتت للمحتل في موقف ومشهد عارٍ لم يعرفه التاريخ، وبقدر ما برروا ذلك ب ديكتاتورية صدام، وبقدر ما كان التوقيت غير مناسب بينما الضم ضروري،  فإن واقع الحال اليوم يقول الأبلغ كما نرى في اللحظة: كيان نفطي خليجي يحاول اقتلاع سوريا دون نقطة دم من أمريكي وكيان نفطي خليجي يقتلع فلسطين ويتطاول بأنه يحميها! فهل اذل من هكذا موقف! فهل نصمت حتى بعد هذا!

أقتطف من أقوال عشاق “الديمقراطية” والاستعمار من الأكاديميين الصديق القدييييييييم عزيز العظمة حينها:

عزيز” … هذا هو الوضع الذي برز للعيان  في عالمنا  العربي عشية احتلال العراق للكويت، وتدفق القوات الأجنبية  والعربية الى  المملكة العربية السعودية . يتبدى هذا الوضع في القومية الانشائية في عمان وتونس وغيرهما، والذي جمع على ارضية الراي الواحد الموهوم فئات يسارية واسلامية  في بوتقة واحدة، مجتمعة على اعطاء العون  لديماغوجية قومية  تصفح استبدادا وقطرية. ويتم هذا الاجماع على اساس من اعتقاد  السطو المسلح  توزيعا عادلا للثروة، ومن توهم عنجهية  قبضايات  الاحياء فخارا قوميا ، واعتبار  التفاخر بالذات  تحقيقا  لهذه الذات ودليلا على عظمتها”.  ( عودة الاستعمار الطبعة الاولى ، منشورات رياض نجيب الريس، لندن   تشرين الثاني نوفمبر 1991، ص 226).

هل كل هذا عشق للديمقراطية! لا بأس لم يعجبك الفخار والعنجهية، ولكن، أين وقفت من تدمير بلدك سوريا، هذا على اعتبار أن اليمن وليبيا ليستا بلدك!

أما خطاب الاحتقار والاستشراق فهو التالي:

ميشيل روكار رئيس وزراء فرنسا في السعودية: “… هذه الحرب هي من أجل كرامة العالم العربي ومن أجل إعطائه حظوظاً لتحقيق  تنميته بطريقة غير طريقة تصليب الأجهزة العسكرية” (لوموند 16 شباط 1991).

بينما يقول خطاب العنجهية الأخرى- وهذه إشارة للسيد العظمة-  والإذلال العنصري:

“… قال طيار امريكي إنه لم ير في حياته شيئا مثل منظر الجيش العراقي  وهم يقصفونه  من الجو بآلاف القنابل  وهو اعزل دون حماية  جوية،  وعبر عن ذلك بهذه الصورة التي تكشف وحشية  التلذذ بالقتل:” لقد كان ما قمنا به أعظم مشهد لاصطياد  الدِيَكة الرومية في التاريخ” كما عبر آخر عن مشهد ليل بغداد حين بدأ القصف الجوي  الأعظم في التاريخ لها بقوله إنه لم يشهد مثيلا لذلك في حياته سوى مرة واحدة ليلة مهرجان الاحتفال بالرابع من تموز في مدينة اميركية ” ( ص 137 كمال ابو ديب في عودة الاستعمار).

أما أنا نفسي وكنت قد وصلت لندن يوم 14 كانون الثاني 1991 لأمر يتعلق برسالتي وبدأ العدوان عند الواحدة من  صباح 17 منه فلن أنسى شاشات تلفاز بريطانيا حين كان يقول المذيع ما ترجمته:

“إنهم يفرشون بغداد بسجادة من القنابل”.

كما أن ما لن أنساه ايضا، حيث  توقف الطيران حينها إلى الكيان سوى شركة “إل عال” الصهيونية، وخشيت  بعد أسبوعين أن تطول الحرب وابقى في بريطانيا، فقررت أن أعود بطائرة العدو. كانت الطائرة مليئة تماماً 450 يهودي من مختلف الجنسيات آتون لمناصرة الكيان كانوا يغنون ويهتفون، وشعرت أني إن نهضت من مقعدي سوف أُقتل فبقيت اربع ساعات ونصف متسمِّراً على مقعدي لم أتحرك. وطوال الطريق لم يبرح ذهني هذا المشهد ومشهد عرب العدوان على العراق ودُعاة بوش لاحتلاله. من العبث العقلي ان لا تُقارن.

ماذا كان سيحصل لو تمكن العراق من تحرير كامل ما يسمى مجلس التعاون الخليجي؟

أحد أمرين:

·      إما تلغيم كافة آبار النفط مما يحول دون العدوان عليه لأن النفط للشركات وعالم راس المال الغربي تحديداً تحكمه الشركات. لا بد أن بعضكم قرأ بأن مراسلي شركات صنع الأسلحة كانوا في أول الدبابات المتقدمة في العدوان لتصوير مدى نجاعة اسلحة تلك الشركات.  أما حينما اسقطت الصين طائرة تجسس امريكية واحتفظت بها فدار جدل بين وزارة الحرب الأمريكية ووزارة التجارة. فالحربية كانت ستنتقم والتجارة قالت: “نعتمد على الصين في الكثير، ويكفي أن قيمة وارداتنا من الصين من بند واحد هو الملابس الداخلية بمقدار 18 ملياردولار”.

·      وإما حريق ما كان يجب أن يُحرق بمن حوله لتكون نسخة من جهنم وحبذا. فلو حصل ذلك، لما كانت هناك إمارة بريطانية تحولت إلى كيان صهيوني يعتدي على فلسطين، ويتقاتل مع إمارة قطر/أنقرة في لبييا وكلتاهما كما تفرض امريكا. وبالطبع، لما كان جنود العراق قد استشهدوا بلا إيذاء كاف للعدو.

خفتم من الحريق دون تدفيع العدو الثمن، إلى أن جاءت الفوضى الخلاقة والربيع العربي فحُرقتم مجانا وذهبتم عبثا من العراق إلى ليبيا إلى سوريا إلى اليمن إلى بيروت إلى عدوان حاكم الإمارات على فلسطين ومن يدري بعد؟

لماذا وقف العالم كله ضد العراق؟ هل يُعقل أن العالم كان فردوسا لولا العراق! ثلاث وثلاثون دولة معتدية، وأخريات لم يُعلنَّ اعتدائهن. بل وصل زخم العدوان أن قيل للكيان: “نم يا حبيبي فالعالم باسره يقاتل من أجلك وسندمر منصات صواريخ العراق بل سنعيده للعصر الحجري”! على اية حال، كان العراق عراقا بين العصر الحجري والعصر الراسمالي، حين  لم يكن هؤلاء على البسيطة. ولكن للتاريخ حقائقه، فماض عظيم لا يعني امتداده في وضع وضيع.

فوجئت بتوقيت الرئيس الإيراني! فقبل خيانة حاكم الإمارات بيوم واحد  تحدث الرئيس الإيراني إلى أنظمة الاستتباع في الخليج ليؤكد لهن أن إيران منعت صدام حسين من استكمال الزحف إلى كل الجزيرة والخليج! فجاء الرد عليه بعد يوم واحد على لسان ترامب ليقل له هذا هو الرد “الإمارات لا تنسى سيدها وها هي تضرب في فلسطين!

ولكن، يا حضرة الرئيس، “يعطيك العافية”، لم يكن من حقكم أن تفعلوا ذلك فقد ساهمتم في حماية أعداء الأمة. أما اليوم،  ليتك لم تقل هذا. وبغض النظر عن أهدافك حينها، فأنت حين تخاطب هذه الأنظمة بحبك لها، تحتقر الأمة العربية بهذه المخاطبة لصالح من هو  اساساً واصلا وقطعا وبتاتا لن يحاورك ولن يسمعك. يا شيخ :العبيد لا يسمعون سوى بأذن واحدة مرتبطة بحذاء سيدهم.

ومع ذلك، فإن وزير خارجيتك السيد ظريف يكرر اليوم نفس الحديث مع نفس الأشخاص متجاهلاً خيانة حاكم الإمارات، ومتغاضيا عن الأمة العربية، إن لم نقل أسوأ.

أعلم أنه بمجرد ذكر عراق صدام تشرئب الأعناق وتُشرع الأقلام حتى أقلام المثقف المنشبك بثرثرات متخلفين عقليا من طراز: كان ديكتاتورا. ولكن مَنْ يحكمك انت أمس واليوم وكل يوم؟ أو قائل : صدام أعطى أمريكا مبرراً؟ جميل، وهل أعطى الرئيس القذافي والرئيس الأسد، والحوثيون امريكا وعملاءها مبرراً ؟ هل حقاً كل هذا الدمار حصل بسبب تحرير  العراق للكويت؟  مع أن ذلك انتهى وتم تدمير واحتلال العراق فلماذا أكمل الأعداء العدوان؟

يجادل البعض بأن تحرير الكويت هو الذي أتى بالجيوش الأمريكية إلى السعودية! عجبا! ومتى كانت السعودية بدون احتلال أمريكي بل كافة كيانات الخليج. هل نسيتم قوات التدخل السريع التي أقامها كارتر عام 1980؟ هل كانت ستأخذ إذنا من حكام السعودية لتدوس الكعبة؟ استذكر مشهد امرأة صهيونية وهي تمشي عارية تماما في باحات الأقصى، ثم يحتج فلسطيني على خيانة الإمارات بأنها خيانة للأقصى! يا للسماء، وهل بقيت للأقصى عُذرية بعد؟  وهذا برسم خبثاء الإسلام قبل خبثاء العرب. لا يعجبكم النقد الحامض، فلتأخذوه مُرَّاً.

لكن المرء عليه أن يسأل نفسه: لمن تقول؟  ولمن تكتب؟ هذه الكتابة لجيل قادم، لا يُقدِّس أحد، ولا يدوس على إنجاز أحد. جيل يجب أن يعرف ما جرى كي لا يتكرر ما يجري. لضميرك أم لارتباطاتهم؟ فعلها الديكتاتور فقُتل. ولكن اين هو النظام المختلف؟

لا بد من النقد، ليس من أجل كثير من الأحياء  بل من أجل من سيأتوا.

رفض عبد الناصر تحرير قاسم للكويت فانتهى الأمر إلى قتل العراق وخضوعه للكويت والرياض.

 ماذا فعلت سوريا ليتم العدوان المعولم عليها من كل مكان، من العثماني وحتى السويد، بل وتعتدي عليها يوميا طوائف لبنان! يا للهول!

ماذا فعلت اليمن حتى توضع في المقلى؟

ماذا فعلت ليبيا حتى يأكلها العدو التركي؟

ماذا فعلت بيروت حتى تُنسف؟

وماذا فعلت فلسطين حتى تقوم دويلة الإمارات بالاعتداء على وجودها؟

كانت خطيئة العراق أنه انتهج حلا بسماركيا في زمن مختلف ودون توفر القوة للدفاع عن القرار. في فترة بسمارك لم يكن النظام الراسمالي مبلوراً بشكل معولم ليحول دون وحدة ألمانيا بالقوة على يد بروسيا، خاصة أن كل اوروبا الغربية كانت تعيش موجة القومية  لبلورة الدولة القومية، ولم تكن أمريكا في قيادة العالم. بل والأهم، أن دول اوروبا الغربية الاستعمارية حينها لم تكن  قد بلغت مرحلة النضج الإمبريالي لتتنافس وتقتتل على صعيد معولم. وتحديداً لم يكن النظام الرأسمالي العالمي قد دخل طور الإمبريالية بعد. وربما هذا ايضا ما أعطى اليابان فرصة اقتناص التنمية بدرجة من فك الارتباط وبغياب مركز راسمالي عالمي يقطع تطورها.

أما التشابه بين تجربة بسمارك وتجربة العراق ففي مكان آخر، كان في تماهي الحكم الطائفي العميل الذي فرضه الاحتلال هناك مع المحتل كما فعل نابليون الثالث في فرنسا بعد هزيمته. بل في تماهي معظم الأنظمة العربية مع اغتصاب فلسطين وغير فلسطين.

في وصف يُطابق هذا الاستخذاء يقول ماركس:

” ليس بكاف ما يقول الفرنسيون بان امتهم أُخذت على حين غّرَّة، . لا تُغفر للأمة ولا للمراة تلك الساعة من عدم صَوْن شرفها حيث يتمكن أول مغامر من الدخول اليهن واختراقهن، إن اللعز  لا يُحل بمثل هذا الكلام  بل يجب ان  يُصاغ بشكل مختلف. سيبقى غير واضح او مفهوم  كيف أن أمة من ستة وثلاثين مليونا يمكن ان تفاجىء وتستسلم دون أن تقاوم  الأسر  على يد ثلاثة  محتالين. ” Marx and Engels: Basic Writings on Poltics and Philosophy ed by Lewis S. Feuer, Anchor Books, 1989 p. 325”

 أليس الشبه كبيراً! بلى. لا بل إن الإنحدار العربي وصل التعاون مع المحتل والقيام بالعدوان الذاتي لصالح المحتل ونيابة عنه وخدمة له. فهل من عيب أن لا نسجل هذا ليوم قادم وجيل قادم.

لو أردتم الحقيقة، كل هذه البلدان لم تفعل شيئا، ولذا، تستحق ما يحصل ضدها، ذلك لأن عالم اليوم يقوم على خطاب:

“أقتل كي تكون،  أو أقتل أو تموت”

​ 

أنظر :مكالمة فهد وبوش تحضيرا للعدوان  ضد العراق

حديث روحاني

ماذا كتبت الجريدة الصهيونية:جروزالم بوست في ذكرى العدوان

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.