من الوطنية إلى الأممية، الطاهر المعز

في الوطن العربي، كما في بُلدان “المُحيط” أو “الأطراف”، خضعت بُلداننا للإمبريالية العالمية، ولا تزال، ما يجعل ثرواتنا (ومعها القيمة الزائدة أو فائض القيمة) تنتقل إلى “المركز”، أو الدّول الإمبريالية، عبر النّهب، أو قانون التبادل غير المُتكافئ، وعبر تركيز أنظمة سياسية تابعة، أو وكيلة لمصالح الإمبريالية وشركاتها العابرة للقارات، وتُعَدُّ عملية السيطرة على ثرواتنا، وحَظْر نُزوح فائض القيمة نحو الدول الإمبريالية، أو الملاذات الضرِيبِيّة، خُطْوَةً أساسية للتّحَرّر الإقتصادي، إذ لا تَحَرُّر سياسي، بدون الإستقلال الإقتصادي الذي يقتضي تغيير العلاقة بين رأس المال والعمل، وإيلاء المسألة الإجتماعية الأهمية التي تستحقها، والمُشاركة النشطة للعاملين والمُنْتِجين في تصميم المخططات الإقتصادية وإنجازها، وتصويب أخطائها، وتقويمها، فيما تتحمل الدولة مسؤولية وَقْفِ نُزُوح الثروة، ومسؤولية التحكم أو السيطرة على السوق الداخلية…

يتطلب مثل هذا البرنامج (وهو ليس بالإشتراكي، وإنما يمكن وسْمُهُ ب”الرأسمالي الوطني”) إنشاء جبهة وطنية، داخل كل بلد، وجبهة قَوْمية على صعيد الوطن العربي، وجبهة دَولية (أو أُمَمِيّة)، وخلق ميزان قُوى لصالح الدّول التي تُريد التّحَرُّرَ من هيمنة الإمبريالية وشركاتها العابرة للقارات، وهي ليست “أُمَمِيّة اشتراكية”، وإنما لا تتعدّى التحالف بين دول لها مصلحة مُشتركة في السيطرة على ثرواتها، وفي تدعيم عملية التبادل والتعاون فيما بينها…

يعمل بعضُنا على تَجاوز نمط الإنتاج الرأسمالي، لأنه رمز استغلال عرق العُمال والفلاحين والكادحين والحرفيين، وبناء نظام يطلب من كل منا بذل الجُهد الذي يستطيعه، مقابل حصوله على ما يحتاجه، من المتطلبات المادّية والمعنوية (الثقافة والترفيه وغيرها)، لكن الإشتراكيين وطنيُّون بالضّرورة، فيما يبيع وُكلاء الإستعمار أنفسهم لأول “شيطان” يجعل منهم وُكَلاء على مصالحه، في مواجهة كادحي الشعوب التي أنفقت على تربيتهم وتعليمهم ورعايتهم…

كان الإخوان المسلمون يَدّعُون أنهم “يخافون الله”، ولا يسرقون أموال وممتلكات الشعب، لكنهم عندما حَكَموا في مصر والمغرب وتونس والسودان وشاركوا في حُكْم اليمن، تَبَيَّن نَهَمُهُم وجشَعُهُم وولاؤهم للإمبريالية، وتبعيتهم لكافة المُحتَلِّين، من الدولة العُثمانية إلى الإمبريالية الأوروبية والأمريكية، واعتبر جميع قادَتهم أن لا علاقة لهم بفلسطين، لأن الأرضَ يَهِبُها الله لمن يَشاء من عباده الصالحين، ويبدو أن الصهاينة من عباده الصالحين، بحسب رواية راشد الغنوشي وتوكّل كرمان والراحِلَيْن حسن الترابي ومحمد مرسي…  

إن فَصْل المسألة الوطنية والنضال ضد الإمبريالية، عن القضايا الإقتصادية والإجتماعية، يُؤَدِّي إلى ضبابية الأُفُق والمُستقبل، على مدى متوسّط وبعيد، ولذلك لا بُدّ من المُحافظة على اتجاه البَوْصَلَة التي تُشِيرُ إلى ضرورة بناء مجتمع عادل، حيث ينْتَفِي تكديس الإنتاج والتّهافُت على الإستهلاك، لأنه مجتمع يُنْتِجُ من أجل توفير حاجات جميع المواطنين.

قد تبدو هذه الأفكار طوباوية (مثالية) في أوقات الرّدّة، ولكنها أفكار صائبة، لأنها تهدف بناء مجتمع عادل، وهي غير عسيرة التحقيق…  

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.