أدونيس والتطبيع:

(1) أدونــيـــس .. مــــدافــع الــــتــــطــــبــــيــــع، أحــمــد الــخــمــيــســي
(2) التطبيع: فلسطين، الخليج  ولبنان أيضاً – رسالة إلى أحمد الخميسي، عادل سمارة

● ● ●

(1)

أدونــيـــس .. مــــدافــع الــــتــــطــــبــــيــــع

أحــمــد الــخــمــيــســي

لم يخطر لي أن يرد الشاعر أدونيس علي مقال لي في كتابه” المحيط الأسود”، لكني وجدته يكتب فيقول:” آخر ما قرأته في هذا الصدد مقالة كتبها الكاتب المصري أحمد الخميسي يحملني فيها وحدي مسئولية عدم انعقاد المؤتمر الخاص بالهولوكوست الذي قيل إنه كان سيعقد في بيروت، ويجرمني تبعا لذلك، وحدي طبعا، ويقول الخميسي: ” لايحتاج تعليقا موقف أدونيس الذي نال كل الرضا والعطف من سفير اسرائيل في باريس نفسها، وهو شرف لا يفوز به إلا كبار الشعراء وبشق الأنفس”( أخبار الأدب 2001)”.

ويمضي أدونيس قائلا : ” نعم هكذا وحدي، إضافة إلى أن هذا القول كاذب ومختلق كليا. ويعرف الذين تابعوا القضية أن هذا الشرف شاركني فيه آخرون، فلماذا لم يشر هذا الكاتب إلى الآخرين؟ أو إلى واحد بينهم على الأقل؟ أو لعله لا يتجرأ لسبب أو لآخر أن يشير إلى اسم محمود درويش، أو ادوار سعيد، أو لعله يحب التحريف لوجه الله! فوقع سخط هذا التحريف علي وحدي!”.

ولولا موجة التطبيع الثقافي التي اندلعت من جديد مؤخرا لما فكرت في ما كتبه أدونيس الذي يقترب من التسعين من عمره، وما زال يسعى للفوز بجائزة نوبل بكل الطرق. وبداية سنلحظ في حديث أدونيس أنه لا ينكر احتفال السفير الاسرائيلي به، إنه فقط يريد أن يضيف اسم مثل محمود درويش الذي لم يأت أحد على ذكره حينذاك، لعله بذلك يموه على مواقفه الكثيرة العديدة التي انطلقت نارها من مدافع التطبيع مع إسرائيل، حتى أن اتحاد الكتاب العرب قام بطرده من عضويته عام 1955، بسبب مشاركته في مؤتمر غرناطة بإسبانيا عام 1993 مع صهاينة اسرائيل والقائه كلمة تستشرف آفاق السلام الثقافي بأي ثمن، ولو كان غض النظر عن المذابح الاسرائيلية وتاريخ الكيان الاجرامي في الوجدان العربي. ويطرح أدونيس في حوار معه عام 2012 بصحيفة الجارديان البريطانية تصوره للصراع الفلسطيني الاسرائيلي فيقول : ” لا أرى حلا للقضية الفلسطينية في المستقبل القريب.. فقصة الفلسطينيين مأساة بلا حل “! هكذا يتفضل أدونيس بالقول إنها مأساة، لكنه لا يحدد موقفه من تلك المأساة، وعلى العكس يرى أنها بلا حل، أي أنه يقول فعليا : علينا أن نقبل بالأمر الواقع. وقد كان التطبيع ومازال مرفوضا في كل وثائق الهيئات الثقافة والشعبية المصرية والعربية، وأذكر بهذا الصدد أن اتحاد الكتاب المصري برئاسة فاروق خورشيد قام بفصل الكاتب على سالم من عضويته بعد زيارة الأخير لاسرائيل في 7 أبريل 1994، وأصدر الاتحاد بيانا جاء فيه : ” إن على سالم لا يمثل سوى نفسه”، بينما برر سالم الزيارة التي قام بها بسيارته من العريش إلى رفح ومنها لاسرائيل بضرورة التعرف إلى ” الآخر”! وكافأت جامعة بن جوريون سالم بمنحه الدكتوراة الفخرية. أما الرسام جورج البهجوري فلم يحصل من زيارته لاسرائيل في يوليو 2008 على أي شيء ولا حتى شهادة تقدير في الرسم. ولا يمثل أدونيس حالة فردية في مجال التطبيع الثقافي، فقد انضم إليه الشاعر اللبناني سعيد عقل مؤلف أغنية فيروز الوطنية ” زهرة المدائن” وحين اجتاحت اسرائيل لبنان عام 1982 كتب عقل يشكر القوات الاسرائيلية على ما قامت به ، مؤكدا أنه كان ليقاتل إلى جانبها لو أسعفته الظروف. أما المخرج اللبناني زياد دويري فقد بقى في تل أبيب عام 2010 حوالى العام لتصوير فيلمه ” الصدمة” وبرر ذلك بأن الأمر يتطلب ” عرض الروايتين”، أي الانصات إلى صوت الاحتلال وتفهمه بنفس القدر الذي ننصت به إلى صوت الشعب الذي احتلوا أرضه. وهنا أتذكر قول كافكا : ” الأدب يعني أن تهجر معسكر القتلة”، لا أن تصبح من رصاصهم الموجه إلى الوعي بالقضية الوطنية. وطالما قال التاريخ كلمته في أولئك فبدل اسم المملوك الخائن خائر بك إلى”خائن بك”، وظل يلاحق بالعار الهلباوي محامي الانجليز في دنشواي، وغيره. وفي النهاية فإن كل كاتب يختار موقعه، ومكانه، ليس سعيا وراء جائزة نوبل أو غيرها، لكن سعيا وراء الحقيقة.


جريدة الدستور المصرية السبت 22 أغسطس 2020

(2)

التطبيع: فلسطين، الخليج  ولبنان أيضاً

رسالة إلى أحمد الخميسي

عادل سمارة

كتب الأستاذ أحمد الخميسي تحت العنوان التالي (أدونــيـــس .. مــــدافــع الــــتــــطــــبــــيــــع) ردا على أدونيس الذي أغضبه موقف الخميسي من التطبيع.وبمناسبة ذلك أود إضافة التالي:

تعقيب : شكرا أستاذ احمد. لم اعد اذكر تفاصيل المؤتمر(يقصد مؤتمر متعلق بالهلوكوست) . حبذا لو توفر ذلك مع الأسماء. وإذا لم تذكر أنت كل من محمود دلرويش وإدوارد سعيد فها أنذا اذكرهما وأُذكِّر شعبنا كيف يفقد اي مُبدع قيمته حين ينهار مبهوراً أمام العدو   “فيُبدع” في استدخال الهزيمة. ولا يمحو عار هؤلاء  لا التماثيل ولا مبانٍ على شكل إقطاعيات ثقافية لتخليدهم.فلا يبقى في الوعي والذاكرة الجمعية سوى ناجي العلي وباسل الأعرج ووديع حداد وغسان كنفاتي ودلال المغربي والعديد من الأبطال. وفي حين يُقام اليمن عرس التطبيع الذليل وأذل منه الصمت عنه أو تزكيته بالحصول على المال فإن ما يرفع هامتنا هم الذين واجهوا وتصدوا واستشهدوا. وهل يتساوى شهيد وعميل.

يا استاذ أحمد، وفيك أُخاطب شعبنا في مصر وكل الوطن العربي عربا وغير عرب ، لا فرق، فإن هذه العروس التي تُزفُّ اغتصابا “وقِوادة” إلى الكيان ويحملها هزيل الرجال هم ونساء على مخدع المساواة يأكلون ويأكلن “بأثدائهن وأكثر” هي نفسها تحمل إلى بيت العرس خنجراً . وحينها لا ينفع ذلك المال المسموم الذي يتدفق على الأرض المحتلة خاصة لنبقى في المصيدة. مصيدة تمرير مشروع سياسي مدفوع ثمنه بالمال السياسي المسموم. لقد اوغل القابضون إلى درجة من أسوأ مستويات التراكم التي لا تتوقف، أوغلوا في القبض والأُعطيات إلى درجة صارت لهم طبقة من القابضين فوصل بهم الأمر حالة العجز عن شيء سوى مباركة التطبيع أمام عين الوطن.

ذكرتني بمؤتمر غرناطة، يا للهول، فالإسبان يعتبرون غرناطة عنوان انتصارهم علينا هناك، لذا عٌد فيها المؤتمر لتكريس الذل.  لا اذكر من أوغاد هذا المؤتمر سوى ادونيس وعزمي بشاره الذي كان معنا ونحن نحاول تشكيل لجنة لمناهضة التطبيع 1993وحين التقيته بعدها سألته كيف تشارك في هذا : فقال ذهبت لاعرف ماذا سيقول شمعون بيرس!! وهو يعيش مع بيرس في المحتل 1948. من حينها بدأت اكشف بشاره ولكن حتى المقاومة بقيت تهلل لتواصله معها. وهنا المعضلة.

كل هؤلاء المطبعين أفرادا وحُكَّاماً ليسوا لدى الكيان سوى أغناما يدفعونها أمامهم لتنفجر فيهم حقول الألغام. والألغام هنا هي المقاومة الغِوارية والمثقف المشتبك.

وكما نُبدع نحن أشكال المقاومة يصنعوا هم أشكال التطبيع والعمالة. فلا شك انك سمعت بتجمع تطبيعي باسم (التجمع العربي والإسلامي لدعم خيار المقاومة) يرأسه مطبع علني هو اللبناني يحي غدار حيث يدعو لدولة مع المستوطنين ويتم احتضانه ومكافئته وتمويله، أنظر ماذا كتب في ورقة تجمعه وعوانها “نداء  وصرخة من الأعماق:

 “… إننا على ثقة بأن الذين سينجزون بنضالهم هذا الهدف الإنساني  العظيم من سكان فلسطين التاريخية بمساعدة وتضامن أحرار المحيط الإقليمي ، والعالم أجمع… ولما كان تحقيق هذا الهدف الإنساني العظيم يصطدم بمصالح الثالوث المسيطر، المكون من قوى الهيمنة العالمية وقاعدتها  الوظيفية، كيان الفصل العنصري الاستيطاني، وأنظمة الكمبرادور العربي التابعة بنيوياً لقوى الهيمنة العالمية، وحيث انتقلت القيادة الفلسطينية المتنفذة حاليا  ونقلت معها المؤسسة الأم الجامعة لكل القوى الوطنية الفلسطينية – منظمة التحرير الفلسطينية- إلى موقع هذا الثالوث، واصطفت خلف قيادة الولايات المتحدة ووقعت مع أحد مكوناته مغتصب حقوقنا –الكيان الاستيطاني- اتفاقية إذعان استسلامية تخلت بموجبها عن وحدة ارض وسكان فلسطين التاريخية وأقرت بتجزئتها إلى معازل عنصرية(إثنية)” (ص ص 47-48)

أترى هذا التهريج وهذا التناقض والذي جوهره التعايش تحت احذية الكيان.

هؤلاء من الأغنام التي يدفعها أمامه ليس الكيان بل حتى حُكام عرب ومنهم حكام كيانات الخليج.

ولكن شعبنا الذي قاتل باللحم الحي قرنا من الزمان، يُنجب نماذج أسطورية من المشتبكين بالثقافة والسلاح.

ملاحظة: ستكون الجلسة 24  للمحكمة خاصتي بشأن التطبيع وخاصة الصرخة أعلاه يوم 7 ايلول القادم.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.