أبو حمادة من مخيم شاتيلا، نضال حمد

ربما كان العم أبو حمادة من أواخر كبار السن و”ختايرة” مخيم شاتيلا الذين عاشوا نكبة شعب فلسطين سنة 1948. رحل في الثامن عشر من شهر آب ٢٠٢٠، تاركاً خلفه حلم العودة الى فلسطين أمانة لدى الأبناء والأحفاد.

رحل بصمت كما رحل من سبقه من جيل النكبة في شاتيلا وآخرهم قبل الثامن عشر من آب كان الراحل عمي أبو اسماعيل حمد – جميل الزين- صديقه الحميم وجاره ورفيق عمره في مخيم شاتيلا، مخيم الأحزان والآلام والمجازر الفظيعة التي عاشها سكان المخيم خلال سنوات ما بعد النكبة.

في المنافي والمخيمات حيث عاشوا على أمل العودة الى منازلهم وبلداتهم ومدنهم في فلسطين المحتلة. فلسطين التي حولها الارهاب اليهودي الصهيوني الى مستعمرة حربية كبيرة اسمها (اسرائيل). مستعمرة عمل على اقامتها الأوروبيون جنبا الى جنب مع الحركة الصيهونية العالمية وبدعم أمريكي مفتوح ولا محدود.

 تلاقت المصالح الصهيونية مع المصالح الفاشية واللاسامية والنازية في أوروبا واتفقوا جميعا على ضرورة ترحيل اليهود الأوروبيين من أوروبا. فألتقطوا فكرة المشروع الصهيوني باقامة دولة يهودية في أي مكان يمكن احتلاله. فكانت فلسطين هي الضحية.وشعبها لازال يدفع ثمن الاحتلال واقامة تلك الدولة الصهيو-فاشو-نازية.

المانيا الهتلرية التي ساهمت بقوة في تهجير اليهود وفقا لالتقاء المفاهيم حول صفاء العرق بينها وبين الصهيونية لازالت حتى اليوم تقدم المليارات للدولة الصهيونية. النازية اعتبرت العرق الجرماني هو الأفضل والجدير بالحياة، فيما الصهيونية اعتبرت أن اليهود هم شعب الله المختار والعرق الأفضل في العالم. لذا يجب أن تكون لهم دولة. مخالفين بذلك كل مفاهيم وتعريف الشعوب وأصولها. فاليهود لم يكونوا في يوم من الأيام شعباً بل كانوا أتباع ديانة منتشرة في كل العالم وضمن كل الشعوب.

لكي نكون صادقين يجب أن نتعرض لدول أوروبية قامت بتسليح اليهود الصهاينة وتدريبهم قبل ظهور الحكم الهتلري النازيي بسنوات عديدة. مثلا في بولندا كانت الدولة تشجع اليهود على الهجرة وتقدم لهم تسهيلات عديدة. وأقامت لهم لهذه الغاية معسكرات كثيرة لتدريبهم وتعليمهم فنون استخدام السلاح والقتال، كما أنها زودتهم بالسلاح والعتاد والبطاقات الشخصية وجوارات السفر وحتى بالمال لتسهيل رحيلهم عن بولندا. وكانت منظمة “بيتار” مؤسسها الارهابي الصهيوني جابوتنسكي، وزعيمها في بولندا وتشيكيا الارهابي مناحيم بيغن. المنظمة اليهودية البولندية الصهيونية تحظى بدعم الدولة الكامل. إستغلت الحركة الصهيونية جيش الجنرال البولندي ” أندرس” فأرسلت معه آلاف المقاتلين الصهاينة من بولندا والدول السلافية الأخرى الى فلسطين الانتدابية.

مع اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها بدأت تتضح في فلسطين تفاصيل المؤامرة الصهيونية البريطانية الاوروبية الاستعمارية. وبدأت العصابات المسلحة اليهودية الارهابية ممارسة الارهاب على الشعب الفلسطيني وقامت باحتلال فلسطين، بعد ارتكابها مئات المجازر وتدميرها مئات القرى واحتلالها للمدن الفلسطينية الرئيسية.

في الوقت الذي كانت أوروبا تجهز الصهاينة لغزو فلسطين واحتلالها كان العم “ابو حمادة” لازال طفلاً صغيراً، يلهو بين حقول القمح وبساتين التين والزيتون في فلسطين. ولم يكن يعلم لا هو ولا غيره من سكان فلسطين بالمستقبل المظلم الذي ينتظرهم بعد سنوات قليلة.

فجأة وجد الطفل أبو حمادة نفسه مشرداً ولاجئاً يعيش في العراء في لبنان المجاور لفلسطين. ثم وبعد مرور بعض الوقت على احتلال وطنه فلسطين، أصبح يعيش في خيمة قدمتها للاجئين هيئة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين -أنروا- الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي. ثم بعد سنوات قليلة انتقل للعيش في مخيم شاتيلا في العاصمة اللبنانية بيروت.

عاش اللاجئون الفلسطينيون بعد النكبة سنة 1948 في ظروف صعبة للغاية. في المخيمات الموزعة بين الدول العربية المجاورة لفلسطين. ولازالوا يعيشون نفس الظروف بالرغم من مرور 72 عاماً على تشريدهم واقتلاعهم من وطنهم فلسطين.

في السادس عشر من أيلول سنة 1982 وحتى الثامن عشر منه عاش سكان مخيمي صبرا وشاتيلا المتلاصقين واحدة من أبشع المجازر التي عرفها عصرنا الحديث. إذ نفذت عصابات لبنانية فاشية يمينية تابعة (لاسرائيل) مجزرة بشعة بالمخيمين، أعد لها وزير تلدفاع الصهيوني آنذاك، الجنرال أرييل شارون، رئيس وزراء (اسرائيل) فيما بعد. وقام جيش الاحتلال (الاسرائيلي) الذي كان يقصف المخيمين، الخاليين من المقاتلين الفلسطينين، ويحاصرهما ويضيء ليلهما بقنابل الانارة، بتسهيل وصول المجرمين الى المخيمين وحمايتهم. وبمراقبة وقائع ذبح الأطفال والنساء والعجزة والمرضى والجرحى وحتى الأطباء والممرضون والممرضات في مستشفيي “عكا” و”غزة” في المخيمين.

قبل حصول المجزرة التقيت بأبي حمادة أمام منزل عمي أبو اسماعيل في مخيم شاتيلا. وفي اليوم التالي بدأت المجزرة وفي اليوم الذي تبعه (ثاني أيام المجزرة) في السابع عشر من أيلول أصبت أنا بجراح خطيرة جداً نتيجة قذيفة أطلقتها دبابة  ميركفاه (اسرائيلية) على مدخل مخيم شاتيلا. كنت هناك مع رفاقي نحاول صد التقدم الصهيوني نحو آخر مدخل للمخيم لم يتم سقوطه بعد. في محاولة مستميتة منا لابقاء ممر للسكان للفرار من المجزرة الى خارج المخيمين.

أبو حمادة استطاع النجاة من المذبحة المروعة محظوظاً لأنه لم يمت فيها ولا في مجازر النكبة سنة 1948. 

بعد خروجي من العلاج الطويل في المستشفى عشت في مخيم شاتيلا أشهراً عديدة في غرفة بمنزل عمي أبو اسماعيل حمد. وكنت مقعداً وفي حالة صحية صعبة للغاية. هناك تعرفت أكثر على أبي حمادة وكل جيران دار عمي. عشت معهم تلك الأشهر الطويلة والخطيرة. الى أن سافرت الى ايطاليا في منتصف شهر آذار 1983 لتلقي العلاج في مستشفيات مدينة بولونيا الايطالية. 

اليوم علمت من صديقي جمال أحمد في الدنمارك، وهو زميلي في الدراسة الجامعية في فروتسلاف البولندية، وزوج ابنةأبو حمادة، بأن حماه توفي يوم الثامن عشر من شهر آب سنة 2020. ليلتحق بصديقه العم أبو اسماعيل وبجيرانه الذين سبقوه الى الموت سواء في المجزرة أو بعدها.

يا عمنا أبو حمادة نم قرير العين فلا بديل عن العودة الى فلسطين المحررة.

_________ الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.