ذكرى الإنقلاب الأمريكي في تشيلي 11 سبتمبر 1973: هل يُمكن استخدام دستور وقوانين الرأسمالية، كقاعدة لبناء مجتمع اشتراكي؟ الطاهر المعز

ذكرى الإنقلاب الأمريكي في تشيلي 11 أيلول/سبتمبر 1973 – 2020  

بعد موجة من المظاهرات والإحتجاجات الشعبية والإضرابات، ضد السياسات الرجعية، فاز ائتلاف “الوحدة الشّعبية”، بزعامة “سلفادور أليندي” بالأغلبية النّسْبِيّة، بنسبة 36,6% من أصوات الناخبين، أو بفارق 1,6% عن القائمة المنافِسة التي يقودها اليَمين، بزعامة الرئيس السابق “خورخي أليسانري رودريغيز” من “الحزب الوطني” (35%) وحل “رادوميرو توميتش”، من الحزب الديمقراطي المسيحي في المرتبة الثالثة بنسبة 28,1%، يوم الرابع من أيلول 1970، إثر سلسلة طويلة من النضالات العمالية والنقابية والسياسية، ضد الفساد وضد نهب الشركات العابرة للقارات، لموارد البلاد، وفي مقدمتها مناجم النّحاس، وفاز “سلفادور أليندي” بمنصب رئاسة الجمهورية، وسُرعان ما تحالف مجلس الشيوخ التشيلي مع الإمبريالية الأمريكية (برئاسة رتشارد نيكسون، الذي اشتهر بفضيحة “واترغيت”) التي قرّرت فرض حرب اقتصادية على حكومة تشيلي التي كانت محسوبة على اليسار، ورغم الإضطرابات التي أثارتها الإستخبارات الأمريكية، بالتحالف مع المعارضة وبعض قيادات الجيش والشرطة ونقابة أرباب العمل، فاز ائتلاف “الوحدة الشعبية” بنسبة فاقت 50% من أصوات الناخبين، في الإنتخابات البرلمانية (آذار/مارس 1973)، وفاز “سلفادور أليندي” بنسبة 43,2%، رغم تدهور الوضع الإقتصادي وارتفاع نسبة التضخم، وشل حركة النّقل، بفعل الإضطرابات التي أثارها اليمين الذي يأتمر بأوامر سفارة ومخابرات الولايات المتحدة، وعندما أفلست سياسة التّقويض من الدّاخل، لجأت الولايات المتحدة إلى تنظيم انقلاب عسكري، دعمته (بل أشرفت عليه) المخابرات الأمريكية، ودعمه البنك العالمي، وصندوق النقد الدّولي الذي كانت تقاريره تكيل المديح لحكومة الإنقلاب العسكري، بين 1973 و 1990، التي مَثّلت مصالح الشركات العابرة للقارات، ومصالح الرأسمالية المَحَلِّيّة المتحالفة مع الإمبريالية الأمريكية، كما دعم الكيان الصهيوني كافة الدكتاتوريات العسكرية في أمريكا الجنوبية (وفي العالم)، وساهم في تدريب الجيش والشرطة على قمع احتجاجات الجماهير، ودَعم نظام الميز العُنصري في جنوب إفريقيا…

بعد الإنتقال “السّلِس”، والعودة إلى الحُكْم المَدَني (اليميني) بقي دستور الدكتاتورية العسكرية سائدًا، وكان مطلب إلغائه واستبداله بدستور جديد، من المطالب التي رفعها المُتظاهرون (2019 و 2020) ضد السياسات الإقتصادية والإجتماعية للرئيس الثّرِي واليميني جدّا، “سيباستيان بينييرا”، الذي دعمت أسرته الإنقلاب العسكري، وكانت لها مصالح مشتركة مع قادة الإنقلاب، وشنت حكومته حملة قمع دَمَوِيّة ضد جماهير المتظاهرين (سِلْمِيًّا)، بإشراف قوى القمع الصهيونية…

أما الدّروس التي يمكن استخلاصُها من تجربة ائتلاف “الوحدة الشعبية” والرئيس “سلفادور أليندي” في تشيلي، فهي أنه يمكن الفوز، أحيانًا، بأغلبية الأصوات، في انتخابات نيابية (برلمانية)، أو رئاسية، يحكم قواعدَها قانون انتخابي فُصِّلَ على قياس البرجوازية والقوى والقِيَم اليمينية التي تُمثلها (تقديس الملكية الفردية، والتّسْليم ب”شرعية” الفوارق الطّبَقِية، والإثراء عبر استغلال عرق العاملين وتبرير العُنف ضد النساء، وحَظْر عُنْف الجماهير رَدًّا على عُنف الجيش والشّرطة…)، ولكن ذلك يبقى استثناء، وعادة ما يحصُلُ هذا الامر، عندما تكون الرأسمالية في أزمة، وينحصر دَوْرُ “الديمقراطية الإجتماعية”، والقوى التي تَدّعِي الإشتراكية، في إنقاذ الرأسمالية من أزْمَتِها، وفي تنفيذ عملية إصلاح لدواليب الدولة ورأس المال، قبل إعادة السُّلْطة لقوى اليمين، سواء بواسطة الإنتخابات (بعد حملة إعلامية لتشويه قوى “اليسار”)، أو بالقُوّة، عبر انقلاب عسكري، مدعوم أمريكيا وأوروبّيًّا، كما حصل سابقًا، في عدّة بُلْدان، وكما يحصل حاليا، في بوليفيا والبرازيل وإكوادور، بالإضافة إلى المُحاولات التي لم تنجح بنسبة 100% في كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا، حيث لجأت الإمبريالية الأمريكية إلى الحصار الإقتصادي والتّشْوِيه الإعلامي، والعُقوبات التي تفرض الولايات المتحدة تطبيقها خارج حدودها…

أما من يعمل على بناء مجتمع اشتراكي، فلا بد أن يعتمد على الجماهير العريضة، وهي الأغلبية، في إعداد البرامج الآنية (العَمَلِيّة)، وقصيرة أو متوسطة أو بعيدة المدى، ومناقشتها وإقرارِها، ومُشاركة هذه الأغلبية في اتخاذ القرار وفي تنفيذه وفي تقويمه، لتشعر هذه الأغلبية أنها تُشارك في صنع القرار وفي مراقبة تنفيذه، والتعويل على هذه الأغلبية، لابتكار أفكار وأساليب عمل جديدة، وللدّفاع عن أي إنجاز اقتصادي أو سياسي، لأن في ذلك مصلحتُها…

حاولتِ الولاياتُ المتحدةُ تحويلَ رمزية تاريخ 11 أيلول، من مُؤشِّر إدانة لها ولغطرستها واعتدائها على الشعوب وعلى الحكومات التي تُحاول السيطرة على موارد بلادها، إلى تِعِلّة تُبَرِّرُ العودة إلى الهيمنة عبر الإحتلال العسكري المُباشر (أفغانستان والعراق وسوريا…)، بذريعة حصول تفجيرات (مَشْبُوهة) في نيويورك ذات 11 أيلول…

لم تكن الولايات المتحدة (ولا تزال) غير قوة استعمارية استيطانية، أوروبية المَنْشأ، استولت على وطن الشعوب الأصلية في أمريكا الشمالية (كندا والولايات المتحدة)، عبر الإبادة والمجازر الجماعية، ثم عبر استعباد الملايين من سُكّان قارة إفريقيا، فملايين العاملين في مصانعها واقتصادها، من آسيا وأمريكا الجنوبية، التي أباد الإستعماريون الأوروبيون (من إسبانيا والبرتغال وبريطانيا)، أيضًا، السكان الأصليين بها منذ نهاية القرن الخامس عشر…     

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.