ما مصير الحركة الإحتجاجية بالجزائر؟ الطاهر المعز

وصفت وسائل الإعلام العالمية الحركة الإحتجاجية، التي انطلقت يوم 22 شباط/فبراير 2019، بأنها “تعبير جيل الشباب عن مطالب ذات صبغة ديمقراطية”، ضد إعلان ترشّح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة (الذي يحكم منذ 1999) لفترة رئاسية خامسة، مُدّتُها خمس سنوات، لكن المُتأمِّل في الشعارات، وفي مُخْتَلَف الشّرائح الإجتماعية التي تظاهرت في الشوارع، يلاحظ الصبغة الإجتماعية والطّبقية التي طبعت هذه المظاهرات، خاصة خلال الأسابيع الأولى، قبل احتوائها من قِبَل قوى انتهازية، بهدف توظيفها “لمآرِبَ أُخْرى”، و “لغاية، بل غايات، في نَفْسِ يعقوب”…

أطْلقت مجموعات الشباب المُعَطّل عن العمل، من سُكّان الأحياء الشعبية، ومن ضواحي الجزائر العاصمة، هذه المظاهرات، ضد الفساد، وضد استيلاء فئة البرجوازية الطُّفَيْلِيّة على المال العام، برعاية السّلطة السياسية، قبل أن تنتشر المُظاهرات وتَعُمّ المُدُن الكُبْرى بسرعة، ووَصَف المتظاهرون فئة اللُّصُوص ب”العصابة”، وهو نفس الوصف الذي وَرَدَ في شعارات المتظاهرين أثناء انتفاضة تونس، بنهاية سنة 2010 “العمل استحقاق، ياعصابة السُّرّاق” (السُّرّاق، من فِعْل سَرق = اللُّصُوص)، ثم التحقت بهذه المجموعات الشبابية، فئات أخرى، من البرجوازية الصغيرة، ومن الميْسُورين، فتغيّرت الشعارات، وطغى الطابع “الديمقراطي” (وهو مُصطلح فضْفاض)، على الطابع الطبقي، الذي جَسّدَهُ الغضب الشّعْبي العَفْوِي، خلال الأُسبوعَيْن الأوَّلَيْن من المُظاهرات، وعند ذلك حضَرَتْ وسائل الإعلام الأجنبية، والمبعوثين الخَاصِّين، وحضَر زُعماء معظم الأحزاب (بما فيها المُشاركة في السُّلْطَة) ورموز “حزب فرنسا” (تَسْمِيَة يُطْلِقُها مواطنو المغرب العربي على “الديمقراطيين” ومناضلي “حقوق الإنسان” الذين تدعمهم الإمبريالية، وخاصة فرنسا، التي استعمرت المغرب العربي) وزُعماء المُنظّمات “غير الحُكُومية” المُمَوّلة أجنبيا، غير أن الجميع اتّسم بملازمة الحذَر، نظرًا لاعتراض معظم فئات الشعب الجزائري على التّدخّل الأجنبي في الشؤون الدّاخلية للبلاد…

تمت مناقشة قرار تعليق التّظاهر، والتخلي عن تنظيم المسيرات، خلال مسيرة يوم الجمعة 13 آذار/مارس 2020، بسبب انتشار وباء “كوفيد 19″، في ظل تدهور منظومة الرّعاية الصّحّيّة بالبلاد، قبل أن تَمنعَ السّلطات تنظيمَ المُظاهرات، ضمن مجموعة من الإجراءات الوقائية الأخرى كإغلاق مؤسسات التعليم، والمنافذ الحدودية، والرحلات الجوية والبحرية وغلق المساجد، وهي فُرْصة لغلق الفضاء العام الذي احتله المواطنون منذ 22 شباط/فبراير 2019، كما استغل النظام هذه الفُرْصة لرفض تقديم أي تنازلات، بل وقع اعتقال وإدانة بعض المثقفين والإعلاميين، بتهم مختلفة، منها “تنظيم، أو المشاركة في تجمع غير مرخص”، وتَعَلّلت الحكومة بالنداءات التي أطلقتها بعض الرّموز الرجعية، وبعض المنظمات “غير الحكومية”، من باريس أو من جنيف أو من لندن (مُستَغِلّةً غياب قيادة للحركة الإحتجاجية)، لتكثيف حملة الإعتقالات والقمع، في حين عَبَّر معظم المشاركين في المظاهرات الإحتجاجية عن رفضهم تدخل القوى الأجنبية في الشؤون الدّاخلية للبلاد، وانتقد بعضهم تدخّل القوى الإمبريالية (فرنسا والولايات المتحدة، بالأخص)، عبر تمويل المنظمات “غير الحكومية”، وعبر احتضان بعض الرّموز العميلة…  

قبل تَوَلِّي منصب الرئاسة، كان عبد العزيز بوتفليقة (وزير الخارجية، خلال فترة حُكم الرئيس هواري بومدين) يعيش خارج البلاد، وله علاقات مع شيُوخ النفط، وخاصة مع حُكّام الإمارات، وجاء به الجيش لِيُنَصِّبَهُ رئيسًا، سنة 1999، بنهاية عقد الحرب على الإرهاب، فأصْدَر عفْوًا على الإرهابيين، دون مُحاكمة، وأعلن طي صفحة “العَشْرِيّة السّوداء”، وبقيت قضايا ضحايا الإغتيال والخَطْف والإختفاء القَسْرِي، مُعَلّقَة، ومع الإغلاق المُصطنَع لملف الإرهاب، فُتِحَ باب الإثراء السّريع، وغير المشروع، بواسطة الفساد والرّشوة، على مصراعَيْه، ما يُبَرِّرُ حُنْق المواطنين على “العصابة”، المُتكونة من جهاز الحُكْم، ومن المُقرّبين منه، من مُقاولي الإنشاء، وأصحاب شركات التّوريد (والتّصدير إن أمكن)، والسّماسرة والوُسطاء وَوُكَلاء الشركات والدّوَل الأجنبية…

الأسباب الإقتصادية للإنتفاضة:

ارتبطت عَشْرية رئاسة العَقيد “الشاذلي بن جديد” (من 09 شباط/فبراير 1979 إلى 11 كانون الثاني/يناير 1992) بالخصخصة وبَيْع أراضي الدّولة، ومؤسساتها الإقتصادية (ممتلكات الشّعب)، وتخَلِّي الدّولة عن بعض القطاعات، كالتوريد والتصدير، وأدّى ذلك إلى الثّراء السّريع لبعض الفئات التي كانت معظمها تدور في فلك النّظام، وأدّت خصخصة القطاعات الصناعية والفلاحية والتجارية، إلى تسريح عشرات الآلاف من العاملين، كل سنة، وإلى ارتفاع عدد الفقراء والمُعطّلين عن العمل، وبالتالي ارتفاع عدد المهاجرين بطريقة غير نظامية، عبر البحر الأبيض المتوسط، وموت الآلاف من شُبّان البلاد غَرقًا، في سبيل العثور على عمل قد يقِي هؤلاء الشبان شر الفقر والبُؤس…

بقي اقتصاد الجزائر اقتصادًا ريعِيًّا، غير مُتَنَوِّع، يعتمد على عائدات تصدير المحروقات، ويستخدم النّظام الحاكم جُزْءًا من هذه العائدات لشراء السّلم الإجتماعي، لكن إصابة الرئيس بجلطة، وبقائه مُقْعَدًا، منذ سنة 2013، وانهيار أسعار النفط والغاز، منذ منتصف حُزيران/يونيو 2014، وَمُحافظة المُستفيدين على مستوى النّهب، السابق لانهيار أسعار النفط، ولانخفاض إيرادات الدّولة، جعل نظام الحُكْم عاجزًا على توزيع الفتات، لشراء صَمْت المواطنين، فيما احتدّ صراع الكُتل داخل أجهزة الحُكم، التي استحوذت عليها أُسْرة بوتفليقة (المُقْعَد) والمُقرّبين منها، وداخل فئات البرجوازية، غير المُنتِجَة، والمُستفيدة من اقتصاد الرّيع، ومن تمثيل مصالح الشركات والدّول الاجنبية.

انخفض احتياطي العملات الأجنبية، في غضون ست سنوات، وفقدت الدّولة، بين سنتَيْ 2014 و 2020، ما يقارب 25% من إيراداتها، وانخفض حجم السّيُولة في المصارف، ما جعل المُوظّفين والمُتقاعدين يقفون الساعات الطّوال، في طوابير أمام المصارف، لاستلام جُزْءٍ من رواتبهم وجرايات تقاعدهم، واتخذت الحكومة السابقة والحالية إجراءات لخفض حجم وقيمة الواردات، فانخفضت قيمتها بأكثر من 38%، رغم زيادة قيمة واردات الحبوب ومواد البناء، فيما انخفض دخل الغالبية العُظْمى من المواطنين، ما جعل العديد من الفُقراء ومتوسطي الدّخل يتخَلَّون، سنة 2020، عن شراء ذبائح عيد الإضحى، ليتمكنوا من شراء المواد الغذائية، رغم النسبة المنخفضة للتضخم ( 2,2% )، بسبب قلة الطلب على الخُضار والفواكه الطازجة…

انخفضت إيرادات الدولة من المحروقات، من 73 مليار دولار، سنة 2012، إلى 24 مليار دولارا سنة 2019، وقد تصل إلى ما بين 12 و 15 مليار دولارا، سنة 2020، وأدّى انخفاض أسعار المحروقات وتراجع حجم الصادرات، بالإضافة إلى شَلَل الإقتصاد، جرّاء انتشار وباء “كوفيد 19″، إلى انهيار الإقتصاد، ومالِيّة الدّولة، فبلغت نسبة عجز ميزانية الدّولة، نحو 10 %من الناتج المحلي الإجمالي، سنة 2019، وقد يصل العجز إلى نحو 20 %من الناتج المحلي الإجمالي، بنهاية سنة 2020، مع تراجع حجم الإقتصاد (الناتج المحلي الإجمالي) بنسبة 3% بحسب توقعات الحكومة، وبنسبة 5,2%، بحسب تقرير صندوق النقد الدولي بعنوان “آفاق الاقتصاد العالمي”، الذي نشره في بداية شهر نيسان/ابريل 2020، وأعلن وزير المالية أن خسائر الشركات العمومية، سنة 2019، تجاوزت 1100 مليار دينار جزائري، أو حوالي ثمانية مليارات دولارا، وتعتزم الحكومة زيادة إيراداتها من زيادة الضرائب المباشرة على الرواتب، والضرائب غير المباشرة على استهلاك السّلع والخدمات. أما قيمة احتياطات العملة الأجنبية، فيُتَوَقَّعُ أن لا تتجاوز نحو أربعين مليار دولارا، بنهاية سنة 2020،  وأدّى انخفاض حجم العملات الأجنبية في المصارف إلى ازدهار سوق الصّرف الموازية، حيث ترتفع أسعار الدولار الأمريكي، واليُورُو الأوروبي، بنسبة تتراوح بين 40% و 50%، ليستفيد منها المستوردون، الذين يشترون العملة الأجنبية من المصارف بالسعر الرسمي، وبعملية بسيطة، تتمثل بتضخيم قيمة فواتير التّوريد، يبيعون جزءًا من العملة في السوق الموازية، ويربحون الفارق بين السّعْرَيْن الرسمي وغير الرسمي…

الإنتفاضة، من العَفْويّة إلى الإحتواء:

في البداية (22 شباط/فبراير 2019)، شكل أبناء الطبقة الكادحين والفُقراء من الأحياء الشعبية، جمهور التظاهرات الإحتجاجية، في الجزائر العاصمة، كما سبق ذكْرُهُ، ثم انظمّ إليهم الفُقراء وسُكّان الأحياء الشعبية، من المُصَلِّين، ومُرتادِي المساجد، أيام الجمعة، فيما بدأ طُلاّب الجامعات يتظاهرون مساء الثُّلاثاء، وبعد أسبوعَيْن، انضمت مجموعات أخرى من الفئات الُوسطى (ليبرالية التّوَجُّه)، وحاولت التّأثير، وتوجيه الشعارات والمَطالب، لكي تُلائم وسائل الإعلام “الغربية”، وهو ما جعل أبناء الكادحين، الذين أطلقوا الحركة الإحتجاجية، ينسحبون بداية من شهر أيار/مايو 2019، وبدأت الشعارات الليبرالية والدّينية والإنفصالية في الظّهُور، لكن وسائل الإعلام المُهَيْمِنَة عالميًّا، ضخّمتها لتجعل منها الشعارات الرئيسية للمتظاهرين، وبانسحاب سُكان الأحياء الشعبية والكادحين، تراجع حجم المتظاهرين، وفقدت الإحتجاجات زخمها الذي عاشته يوم النساء العالمي، يوم الثامن من آذار/مارس 2019، إلى أن وقع اتخاذ قرار التوقف عن تنظيم المسيرات، يوم الثالث عشر من آذار/مارس 2020، قبل أن تُقرّر السلطات، يوم 17 آذار/مارس 2020، إغلاق المساجد ومؤسسات التعليم وغيرها، كما ذكرنا في فقرة سابقة، ورفض المواطنون تلبية الدّعوات غير المسؤولة، لمواصلة التظاهر، التي أطلَقَها البعض من “حزب فرنسا”…

كانت هذه الحركة الإحتجاجية، حدثًا استثنائيّا في تاريخ البلاد، منذ الإستقلال (الخامس من تموز/يوليو 1962)، ولا تُشبه احتجاجات عقد ثمانينيات القرن العشرين (خاصة احتجاجات تشرين الأول/اكتوبر 1988)، ولا احتجاجات بداية سنة 2011، ولذا من الضّرُوري تحليل أسباب انطلاقها، وأسباب توقفها، واستخلاص الدّروس من هذا الحدث الذي جَمَع ملايين المواطنين، واستَمَرّ لعدّة أسابيع، قبل أن تُسيطر عليه الفئات الليبرالية المُرتبطة بالمنظمات “غير الحكومية” وبأحزاب ومنظمات أوروبية وأمريكية، وأجْبَرت هذه الحركةُ الدّوائرَ العُليا في السّلطة على إقالة الرّئيس وعلى فتح مِلفّات الفساد، وإن كانت العملية بمثابة تصفية حسابات بين أطرف في السّلطة، أو بين فئات الرّأسمالية الطُّفَيْلِيّة، التي استفادت من “الإنفتاح” الذي دشّنَهُ الرئيس الشاذلي بن جديد (بعد وفاة الرئيس هواري بومدين، بنهاية 1978)، ومن خصخصة القطاع العام، ومن اعتماد البلاد على توريد معظم احتياجاتها…

تختلف أسباب الإحتجاج، وأهداف، ومطالب جماهير الكادحين والفُقراء، بالحق في العمل والسّكن والرعاية الصّحّية والعيش الكريم، عن مطالب وأهداف الفئات الأخرى (تُجّار ومُدرّسون وأطباء ومحامون…) التي التحقت بحركة الإحتجاج، واحتوَتْهُ، وصبغت الحركة بشعاراتها، التي تهدف زيادة حصّتها من السلطة، عبر شعارات ذات صبغة “ديمقراطية”، في ظاهرها، على الأقل، ونظرًا لغياب تنظيمات سياسية ونقابية ومؤسسات إعلامية، تُمثّل الكادحين والفُقراء، والمُعَطّلِين عن العمل، والعاملين بالإقتصاد الموازي، طَغَتْ شعارات البرجوازية الصغيرة والفئات الوسطى الليبرالية، وتمكّنت بعض الأحزاب السياسية، والمنظمات “غير الحكومية”، والمنظّمات الحُقُوقية من استغلال الإنتفاضة، كواجهة إعلامية، ثم تمَّ التّخلّص من الطابع الشّعْبي للحركة، والمُناهض للرأسمالية، في جَوْهَرِهِ، من خلال تنديد المتظاهرين الفقراء بالفجوة الطّبَقِيّة العميقة بين فئات المجتمع، وبدَوْر الفساد والرّشوة وسرقة ممتلكات الشعب، في تضخيم ثروة العديد من الأثرياء، لِيتحول الهدف إلى “إعادة تشكيل السلطة، وإعادة تقاسم النّفُوذ السياسي والإقتصادي”، ضمن “احترام قوانين وقواعد السّوق، والمنافسة الحُرّة”، وخفض، أو إلغاء، دور الدّولة في توجيه الإقتصاد، مثلما عبر عن ذلك بعض رجال الأعمال، في ظل أزمة اقتصادية فاقمها انهيار أسعار النفط، منذ حزيران 2014، وعجز الدّولة عن توزيع جزء من إيرادات المحروقات، وفي ظل العجز البدني والذّهني للرئيس، منذ سنة 2013…

مكانة الجزائر في “منظومة العَوْلَمة”:

تم تعزيز دور الاقتصاد الجزائري ، كاقتصاد ثانوي أو طَرَفِي، في خدمة رأس المال المعولم، أي “المَرْكَز”، فالجزائر مُنتج ومُصدّر لموارد الطاقة الخامة الرخيصة، وسوق مربحة لإنتاج الشركات الرأسمالية الأوروبية، ويتمثل الدور الوظيفي للإقتصاد الجزائري في تعزيز تراكم رأس المال في المركز الرّأسمالي، عبر شراء السلع وإيداع الأموال في مصارفه.

نجحت رؤوس الأموال الأمريكية والأوروبية في الهيمنة على السوق الوطنية الجزائرية، ومع ذلك لا تزال بعض العراقيل تُواجه أوروبا وأمريكا، قبل إنجاز عملية الهيمنة الكاملة على ثروات البلاد…

فقدت الجزائر، من الناحية السياسية، نفوذها خلال العُقُود الأربعة الماضية، وشارك الجيش الجزائري منذ أكثر من عشرين عامًا في مناورات عسكرية في البحر الأبيض المتوسط، وفي الصحراء الكبرى، مع جيوش حلف شمال الأطلسي ( ناتو ) الذي تُقحم الجيش الصهيوني في كافة مناوراته، أو جُلِّها، لكن السلطات الجزائرية تعلن معارضتها للتدخل العسكري في بلدان الجوار، وتُعلن ضرورة حل مشاكل بلدان الصحراء أو المشاكل العربية أو الإفريقية، دون تدخل أطراف خارجية، وعارضت السلطة الجزائرية التّدخّل العسكري الفرنسي في مالي (المدعوم من أوروبا، ألمانيا وبريطانيا، ومن الولايات المتحدة)، لكنها فتحت الفضاء الجوي الجزائري أمام الطائرات العسكرية الفرنسية والأوروبية والأمريكية.

بالإضافة إلى ذلك، وقعت الجزائر عدة عقود اقتصادية مع الصين، التي تخطط لدمج الجزائر في برنامج “طريق الحرير الجديد”، وللاستفادة من موقع الجزائر الاستراتيجي وثروتها من الطاقة والمعادن، ما يتعارض مع سياسات الإمبريالية الأمريكية والأوروبية التي تعمل على مَنْع الصين من مُنافستها في البحر الأبيض المتوسط، على حدود أوروبا، في حين تجاوزت تركيا (المحتل السابق للجزائر وعضو حلف شمال الأطلس، وحليف الدولة الصهيونية) كل الحُدُود، وبدأت تنهب ثروات ليبيا المجاورة، بالإضافة إلى النفوذ التركي على جماعة الإخوان المسلمين في المغرب العربي، من موريتانيا، مرورًا بالمغرب والجزائر، إلى تونس، حيث يُهيْمن الإخوان المسلمون على السلطة (كما في المغرب)، منذ العام 2012، وفي ليبيا، حيث يحكم الإخوان المسلمون غرب البلاد، منطقة طرابلس، والحدود مع تونس والجزائر…

مخاطر التّدخّلات الخارجية:

إن المخاطر المحدقة بالبلاد ( الدّولة والوطن والشعب)، مخاطر حقيقية، ولكنها لا تُبَرِّرُ الصمت أمام السياسات التي ينتهجها النظام، من خصخصة، وعدم تحويل اقتصاد الرّيع النّفطي إلى اقتصاد مُنتج، يُمكن البلاد من تحقيق الأمن الغذائي، فالجزائر ثاني أكبر مُستورد للقمح، في العالم، بعد مصر، ولا تُبَرِّرُ الخطوات التطبيعية المُتسارعة، منذ لقاء عبد العزيز بوتفليقة مع رئيس حكومة العدو الصهيوني، في المغرب، سنة 1999، في جنازة الملك الحسن الثاني…

قَوّضت الحكومات الجزائرية المتتالية منذ أربعة عُقُود (منذ سنة 1980) مكاسب المرحلة السابقة، وخسر العاملون بعض المكتسبات، في ظل خصخصة القطاع العام، وغياب أو ضُعْف أدوات النضال النقابي والسياسي، واستخدمت الدّولة ريع النفط، لإثراء بعض الفئات، ولشراء السلم الإجتماعي، بإلقاء بعض الفُتات، للفئات الشعبية، وللفُقراء… لكن ما يحصل منذ شهر شباط 2019، فيما سمي “الحراك”، يُثير العديد من التساؤلات المشروعة، بشأن الشعارات (مثل “فَلْيَرْحلوا جميعا”، بدون أي بديل)، أو بشأن الأهداف (غير المُعْلَنة)، وبشأن المرحلة المُقبلة، في ظل انخفاض إنتاج النفط، بسبب نُضُوب بعض الحقول، وانخفاض الأسعار في الأسواق العالمية، منذ منتصف حزيران/يونيو 2014، وبسبب الإغراق الذي تُمارسه السعودية والولايات المتحدة (النفط والغاز الصّخْرِيَّيْن)، فهذه القوى والأحزاب لم تُقدّم برامج بديلة لبرامج ولسياسة الحُكومة.

أثارت تعليقات وانحياز وسائل الإعلام وبعض الحكومات الأجنبية بعض التّساؤلات المشروعة بشأن بعض من وقع تنصيبهم (في الخارج) كزعماء وقادة لانتفاضة الشعب الجزائري، وحاولت وسائل الإعلام الفرنسية، تقديم بعض الرموز الموالية لها كبدائل، فيما استغلت بعض القوى الإنفصالية المتصهينة (والفرنكفونية والمعادية لكل ما هو عربي) هذه الإنتفاضة لتُعزّز التقارب مع الصهاينة…

نال بعض هؤلاء “الزُّعماء” المُنَصَّبُين شهرةً إعلامية في الخارج، وجوائز أجنبية، مُثيرة للشّبهات، وأموالأ، تحت بَنْد دعم “المجتمع المدني”، ونشر “الوَقف القَومي للديمقراطية” الأمريكي (وهي شبكة من المنظمات التي تُمولها الحكومة، عبر وزارة الخارجية، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، والكونغرس ووكالة الإستخبارات وبعض الشركات الخاصة…) حجم المبالغ التي أنْفَقَها سنة 2019، “دَعْمًا” لمنظمات “غير حكومية” جزائرية، وبلغت قيمتها 291 ألف دولارا، لكن الموقع أحجم عن نشر أسماء المنظمات التي استفادت من المال الأمريكي الفاسد، أو الرّشوة السياسية، بطلبٍ من قادة هذه المنظمات، وحصلت منظمات “شبابية” (يقودها كُهُول)، ومنظمات “حقوق الإنسان”، وغيرها، على مبالغ ضخمة، من الولايات المتحدة، ومن أستراليا واليابان وكندا، والإتحاد الأوروبي، وهي أموال تُستخْدَمُ بغرض تحقيق “الهيمنة الناعمة”، وتقويض الدّول من الدّاخل، إلى جانب استخدام الإعلام، لبث الدّعاية المُوجّهَة، وتمويل أحزاب المعارضة الموالية لإمبريالية الأمريكية والأوروبية، ومنظمات حقوق الإنسان، والأقليات الاثنية والدينية وغيرها، وسبق أن كتبت صحيفة “واشنطن بوست”، بمناسبة إحدى “الثّورات المُلونة (أوكرانيا، سنة 2014) تقريرًا عن المبالغ التي وقع إنفاقها (بين 2004 و 2014)، والأساليب التي تتوخّاها المخابرات الأمريكية، والمنظمات “المانحة” والداعمة لهذه “الثورات المُلَوّنة”…

أنشأت المنظمات الأمريكية المشبوهة شبكة من المُثقّفين الجزائريين، العُملاء، خلال العقد الأخير من القرن العشرين، وتولى “الوقف القومي للديمقراطية” تأهيل وتدريب العديد منهم، ومن بينهم سعيد سعدي، مؤسس حزب “تَجَمّع الثقافة والديمقراطية”، وصديق الصهيوني “برنار هنري ليفي”، منذ عُقُود، والهواري عدّي، ومُصطفى بوشاشي، وكريم تَبُّو، وزبيدة عَسُّول، وحكيم عدّاد (مؤسس تجمّع العمل الشبابي، سنة 1992، وتموله الحكومة الأمريكية، بشكل غير مباشر، منذ 1997)، وغيرهم، ممن تَكَفَّلَ “المنتدى الدّولي لبحوث الدراسات الديمقراطية” الأمريكي (أحد فُروع “الوقف القومي للديمقراطية”)، بصَقْل مواهبهم في الخطابة والمُراوغة، وفي تَحْسين صورة الإخوان المسلمين، الذين تعتبرهم الولايات المتحدة ممثلي “الإسلام السياسي المُعتدل” (لقاء مصطفى بوشاشي مع علي بلحاج، أحد الزعماء الإسلاميين الأكثر تطرفا في الجزائر)، وفي الإدّعاء أن التطبيع مع الكيان الصهيوني، وخيانة الوطن، “وجهة نظر، يمكن مناقشتها وقبولها والتعايش معها”، ومنذ سنة 2005، يُشارك هؤلاء “الديمقراطيون” الجزائريون (معظمهم من ذوي الجنسيات الأجنبية) في الدّورات التي تُنظمها مؤسسات البحث والدراسات التابعة لشبكة “الوقف القومي للديمقراطية” لدراسة “محاسن الديمقراطية الامريكية”، كما قَدّمها فرنسيس فوكوياما وصامويل هنتفتون ودونالد هوروفيتز، ومَوّلت منظمة “راند” الأمريكية، وهي منظمة بحثية، في خدمة الحكومة الأمريكية والشركات الكُبرى، عددا من الدراسات والبحوث السياسية التي أعدّها باحثون جزائريون، لإثراء ملف الجزائر لدى الحكومة والمخابرات الأمريكية، وخاصة وزارة الحرب الأمريكية، واستفاد “مصطفى بوشاشي” (الذي نصبته فرنسا مدافعًا عن حقوق الإنسان في الجزائر) من تمويلات الوكالة الأمريكية للتعاون الدولي (الحكومة الأمريكية)، منذ سنة 2000، لإعداد ملفات عن الجزائر وفلسطين، كما فرضت فرنسا منذ بداية حُكْم بوتفليقة عددًا من الوزراء، وأشهرهم وزيرة التعليم المناهضة لتعليم اللغة العربية…

استخلاصات ودُرُوس من التاريخ:

كان الإقتصاد الجزائري مُوَجّهًا من قِبَل الدّولة، خصوصًا بعد تأميم قطاع المحروقات وإعلان الإصلاح الزراعي ( استخدم النظام عبارة “ثورة زراعية”)، وبدأت الدولة استثمار عائدات المحروقات في تنفيذ برنامج صناعي ضخم، تَضَمّن مُجَمّع الحديد والصّلب “الحَجّار” (منطقة عَنّابة) والصناعات الميكانيكية (سكيكدة) ومصنعان لتَسْيِيل الغاز، أحدهما في الشرق والآخر في الغرب، وغيرها، وترافق هذا البرنامج مع حملة إعلامية لتحسيس المواطنين بضرورة تحقيق الإستقلال الإقتصادي والإكتفاء الذاتي، واعتمد برنامج الإصلاح على العمل التّطوُّعي، حيث شارك آلاف الشًّبّان والنّقابيين والمُوظّفين والطّلاّب الجامعيين في إنجاز برامج الإصلاح الزراعي، وبناء القُرى في الرّيف، لكن هذا البرنامج كان فَوْقِيًّا، بقرار سياسي، لم يعتمد الحوار والإستشارة مع المواطنين المَعْنِيِّين بالأمر، رغم حماسة العديد من المناضلين والشباب، وبعض موظّفي الدّولة، فيما ساهمت فئات أخرى عديدة، من داخل أجهزة الحُكم، ومن خارجها، في تخريب البرنامج من أساسه، انطلاقًا من موقف طبقي، رجعي، يعتبر الشعب، وسُكّان الريف والفلاحين، بشكل خاص، مجموعات من الرّعاع، غير جديرة باهتمام الدّولة، ولا بنَيْل حصّتها من ثروات البلاد، واعتمد هذا البرنامج على توريد التقنية من الدول الأوروبية، بدل الإعتماد على خبرات ومهارات المُهندسين والتّقنِيّين والعاملين المحلّيّين، فعمقت الدّولة بذلك التّبَعِيّة، واشترطت الدّول والشركات المُصدّرة للتكنولوجيا، توقيع عُقُود صيانة، تحظر على العاملين المحليين إصلاح أي عطب، فأصبح كل عَطَبٍ صغير يُصيب آلة في مَصْنع أو جَرّار في مزرعة، يتطلب قُدُوم بعثة من ألمانيا أو فرنسا، لمُعاينة العطب، ثم طلب إرسالها من أوروبا، وتعطيل العمل، لمدة أشْهُر أحيانًا…

انطلقت حملات التّخريب من “كلمة حق أُرِيدَ بها باطل”، إذ كان نَقْدُ البيروقراطية، والتّبعية في مَوْضعِهِ، لكن الإستنتاج كان لغايات خبيثة، تهدف تطبيق الإجراءات الليبرالية التي يدعو لها البنك العالمي، وصندوق النّقد الدّولي، وتُعمّق التّبَعِيّة وتُقوّض استقلال البلاد الذي ضَحّى من أجله مليون مواطن…

كان “الشاذلي بن جديد” أحد مُمَثِّلِي هذا التّيّار الرّجعي، من داخل أجهزة السُّلْطة، ونَفَّذَ برنامجًا شبيهًا ببرنامج أنور السادات في مصر، بعد وفاة جمال عبد النّاصر، وخَرّب كلاهُما اقتصاد البلاد، باسم “الإنفتاح”، وتمثّلَ التّخريب في القضاء على وَحَدات الإنتاج، والإعتماد على توريد معظم حاجيات البلاد، وفي مقدمتها الحُبُوب والغذاء، من الخارج، وبيع مُؤسّسات القطاع العام، وتسريح مئات الآلاف من العاملين، فتَضَخّم الإقتصاد الموازي والفساد والبطالة، وتعمقت الفَجْوَة الطّبقية…

في الجزائر، بدأت سياسة الخصخصة وتَقْوِيض الإنتاج المحلي، قبل حوالي أربعة عُقُود، وتوقّفت الدّولة عن توظيف المُتعلّمين، وخرّيجي الجامعات، فلم يَعُد التّعليم وسيلة لارتقاء الفُقراء في درجات السّلّم الإجتماعي، ما زاد من عدد المُعطّلين والمُهَمّشِين والفُقراء، والعاملين في القطاع الموازي (الذي يُشرف عليه رأسماليون من السلطة أو من المُقَرّبين منها)، بدون حُقُوق ولا حماية اجتماعية، خاصة من فئة الشّباب، ما دفَع العديد منهم ومنهُنّ إلى المُخاطرة بحياتهم، وعُبُور البحر الأبيض المتوسّط، كما ذكرنا في فقرة سابقة…

في الأرياف، استفاد صغار الفلاحين من توزيع الأراضي الزراعية التي تم تأميمها، سنة 1971، ولكن الدّولة افتكّتها منهم، بعدما أحياها هؤلاء الفلاحون الفُقراء، وأعادتها إلى أبناء وأحفاد كبار مالكي الأرض، ومعظمهم كان “متعاونًا” مع الإستعمار(أي عَمِيلاً للإستعمار)، وحصل على الأرض إما بالوراثة، أو بالقُوّة، وغادر العديد من الفلاحين الفُقراء مناطقهم الأصلية في الريف، نحو العشوائيات، بحثًا عن عمل في المُدُن…

خاتمة:

أطلق المواطنون من الشرائح الشعبية هذه الإنتفاضة الجزائرية، وهي متألّفَة من العمال غير المُثَبّتِين، والعاملين في الإقتصاد الموازي، ضحايا خصخصة الاقتصاد والقطاع العام. لقد أطلقوا الحراك الاحتجاجي في شباط/فبراير 2019 بشعاراتهم ومطالبهم الاجتماعية والاقتصادية، التي تشغلهم، لكن نقص التجربة والخبرة والتنظيم وغياب الأُفُق السياسي، كانت من العوامل التي مَكّنت المنظمات الرجعية أو الإسلامية أو الأمازيغية، والمنظمات غير الحكومية والليبراليين، من “عرقلة” الحراك وتحويل وجهته،  وفرضت هذه المنظمات والقوى الرجعية تحويل شعارات الحركة، من مطالب اقتصادية واجتماعية للفُقراء والمُهَمّشين، إلى شعارات تهدف الحصول على وعود بإعادة تقاسم السلطة بين مختلف الفصائل النيوليبرالية والرجعية.

يمكن للحركة العفوية أن تكون شرارة قد تؤدّي إلى انطلاق انتفاضة، أو حتى ثورة، شرْط وجود قوة ثورية منظّمة، تحظى بثقة المُشاركين في الإنتفاضة، ولها كوادر ومناضلين قادرين على تقييم الوضع مباشرة، على عين المكان، وبسُرعة، لتحويل الشعارات والمطالب الأساسية والبسيطة ظاهريًّا، إلى برنامج جماعي و أهداف ثورية واضحة وقابلة للتحقيق، ولكي يتبَنّى المُنتفضون والمُستَغَلُّون والمُضْطَهَدُون هذا البرنامج، وجَبَ طرحُهُ، وتنظيم نقاشات علنية، بهدف تعديله، قبل اعتماده خلال جلسات الجمعيات العمومية المفتوحة، وما على المناضلين الثوريين سوى الدّفاع عن هذا البرنامج وهذه الأهداف التي سوف تلقى مُعارضة شرسة من القوى الرجعية والإنتهازيةن والديمقراطية الإجتماعية وغيرها… لا يمكننا أن نتحَرّر بالتعويل على الصّدفة، وانتظار مسار الأحداث، فلن نتحرّر بدون تأسيس أداة للتّحرّر، جديرة بأن تُسمّى حزبًا ثوريًّا، يستهدف، على المستوى الاستراتيجي ، التحرر الاجتماعي للعاملين وللمنتجين المستغَلين، عبر استيلاء العاملين على وسائل الإنتاج وتملكهم لها ولسُلْطة القرار السياسي.

لكن، لا يمكن لهذا الحزب أن ينْمُوَ ويتطور، ويتم احتضانه وتَبَنِّيه من قِبَلِ المستغَلين والمضطهَدين إلا إذا ارتبط مناضلوه ارتباطًا وثيقًا بنضالات العمال والشباب والنساء والشرائح الشعبية ضد الاستغلال وضد القهر ، وطنيا ودوليا …

هذا ما كانت تحتاجه الإنتفاضات العربية، في تونس والمغرب ومصر والأردن والبحرين واليمن والجزائر، وهذا ما جعل القضية الفلسطينية تتراجع، رغم التّضحيات …       

الرجاء مراجعة مقالات الطاهر المعز السابقة، عن الجزائر، بعد انطلاق الإنتفاضة، وأهمها:

الجزائر – أزمة عميقة وليست عابرة (10 آذار/مارس 2019)

عرب، ما بعد إزاحة الرئيس- نموذج الجزائر والسّودان (07 أيار/مايو 2019)

الجزائر، هوامش الحركة الإجتماعية لسنة 2019 (15 تشرين الأول/اكتوبر 2019)

الجزائر، على هامش ذكرى الإستقلال (05 تموز/يوليو 2020)

 _________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.