الطاهر المعز :

(1) تعليق قصير: على هامش خلافات الأنظمة الرجعية العربية مع نظيرها في تركيا

(2) تونس: على هامش وفاة “أحمد بن صالح”​​

  • ضرورة إعادة الإعتبار للعمل الجماعي وللتعاضديات: نموذج تونس

● ● ●

 (1)

تعليق قصير

على هامش خلافات الأنظمة الرجعية العربية مع نظيرها في تركيا

كيف تم بناء حزب “العدالة والتنمية” في تركيا، خلال بضعة أشهر فقط، ليصبح أقوى حزب في تركيا، وليفوز بالإنتخابات؟

طرحت الولايات المتحدة، خصوصًا منذ انهيار الإتحاد السوفييتي، إنشاء أحزاب تُمثل ما تُسميه “الإسلام السياسي المعتدل”، ووقع حَشْرُ السّعودية ضمن خانة “الإعتدال”، في مو​​اجهة إيران، التي حُشِرَ إسلامها الحاكم في إطار “الإسلام السياسي المتطرف”، ومقابل حركات الإرهاب، أو الإسلام السياسي المسلح، الذي سلّحته ودرّبتْ عناصرَه، وأشرفت على نشاطه، منذ منتصف ثمانينيات القرن العشرين، الإمبريالية الأمريكية، والسعودية، وحلف شمال الأطلسي، الذي تَنُوبُهُ تركيا، أحيانًا، كما في العراق وفي سوريا، لكن لتركيا أيضًا مشروع قومي، يهدف الهيمنة على إقليم “شرق المتوسط”، أي المشرق العربي وقبرص، وغيرها، وبدأ يتجاوز المشرق إلى المغرب العربي، في ليبيا، وكذلك في المغرب وتونس، بواسطة الأحزاب الإخوانجية الحاكمة، وتَدّعِي تركيا تمثيل وقيادة المسلمين السُّنّة في العالم، وبالأخص منذ الإنقلاب في مصر، وإزاحة الإخوان المسلمين، سنة 2013، بعد مظاهرات شعبية حاشدة ضد حكم الإخوان المصريين، استغلتها قيادات الجيش، لإقامة حكم دكتاتوري، وإنشاء تحالف المُطَبِّعِين مع الكيان الصهيوني ( السعودية والإمارات…) ضدّ الشعوب العربية، من العراق إلى ليبيا، مرورًا بسوريا واليمن، ولذا فإن الخلافات المُعْلَنَة بين فريق السعودية (يضُمُّ مصر والإمارات ) وفريق تركيا (يضم الإخوان المسلمين) هي خلافات بين أعداء الشعوب العربية، وشعوب أخرى (قبرص واليونان وأرمينيا…).

تنتمي تركيا للحلف الأطلسي، وهي أول دولة “إسلامية” اعترفت وطَوّرت علاقاتها مع الكيان الصهيوني، مباشرةً بعد احتلال فلسطين، وشارك جيشها في العدوان على كوريا (1953) وفي عدوانات أطلسية أخرى على شعوب العالم، ويُشكل الإسلام السياسي التّركي، منذ “عدنان مندريس” (رئيس حكومة تركيا، من 1950 إلى 1960 )، النموذج الذي أرادهُ المخطط الأمريكي، لإنشاء أحزاب إسلامية موالية للإمبريالية، على غرار الأحزب “المسيحية الديمقراطية” التي حكمت طويلا، في ألمانيا وإيطاليا، حيث أضخم القواعد الجوية والبحرية الأمريكية في أوروبا، وحكمت في بلدان أخرى عديدة، ولهذه الأسباب دعمت الإمبريالية الأمريكية والأوروبية حزب “العدالة والتنمية” الذي أصبح، بسرعة قياسية الحزب الحاكم في تركيا، واستثمرت المصارف والشركات العابرة للقارات في تركيا، لترتفع نسبة النمو، من  -2% ( سالبة ) إلى +7% خلال سنة واحدة، وظهور برجوازية جديدة “مُحافظة”، أصيلة منطقة “الأناضول”، مركز الثقل الإنتخابي لحزب الإسلام السياسي في تركيا، فيما ركّزت وسائل الإعلام المُهيْمن، على النمو الإقتصادي، وتجاهلت قمع الأكراد والنقابيين ومناضلي اليسار، قبل أن يَطال القمع كافة أشكال المعارضة المنظّمة، وقبل حملة التطهير السياسي التي شملت مؤسسات الدّولة، وبالأخص منذ منتصف سنة 2016، إثر محاولة الإنقلاب الفاشل والمَشْبُوه، فكانت فُرصة لطرد حوالي 130 ألف موظف، واعتقال ما لا يقل عن سبعين ألف من ضُبّاط الجيش والشرطة والقُضاة والمُدَرِّسِين والإعلاميين، وطاول القمع وحملات التصفية الأحزاب والنقابات، والحزب الحاكم نفسه، حيث وقع الضغط على القادة المُؤسِّسين الذين فَضّلُوا الإنسحاب وتأسيس أحزاب أخرى رجعية أيضًا (أحمد داود أوغلو وعبد الله غول وعلي باباجان، وغيرهم)، ولا يمكن للرئيس “رجب طيب أردوغان” أن يتزعم هذا الإتجاه، وأن يُمارس القمع، بشكل لاواسع، وغير مسبوق في تركيا، دون ضوء أخضر، بل تواطؤ أمريكي وأوروبي، رسمي وإعلامي وحُقُوقي، لأن تركيا الأطلسية تقوم بمهام الشرطي الذي يُؤَمِّنُ مصالح الإمبريالية في المشرق العربي، وفي غرب آسيا، إلى جانب الكيان الصّهيوني…

إن الخلافات المُعْلَنَة بين بعض الأنظمة الرجعية العربية، والنظام الإخوانجي في تركيا، هي خلافات لا تخدم مصلحة الشعب السوري ولا الشعب الفلسطيني أو اليمني، ولا تخرج عن سيطرة الدّوائر الإمبريالية المُهَيْمِنَة، لذا يُسْتَحْسَنُ عدم ترويج الأوهام، أو تضْخيم أهمية هذه الخلافات (في صُفُوف الأعداء)، ولا يُمْكِنُنا التّعْويل على هذه الخلافات إذا لم نَتَسَلّحْ برُؤْية سياسية ثورية، ولم نُمارس مُقاومة شاملة ضد الأعداء المحلِّيِّين (الأنظمة والطبقات الرجعية العربية الحاكمة) والخارجيين، من الإمبريالية وفُروعها (مثل تركيا)، إلى الإحتلال الصهيوني، الوكيل الأول لرأس المال الإمبريالي، ولن يأتي الدّعم من الأصدقاء أو الشعوب والطبقات المُسْتَغَلَّة والمُضْطَهَدَة، سوى عندما نُثْبِتُ عَزْمنا على تحرير الأرض من الإحتلال، وتحرير الإنسان من الإستغلال والهيمنة…

ينظُرُ الإخوان المسلمون، الحاكمون في المغرب وتونس، والطامحون إلى الحُكم في بلدان عربية أخرى، بإعجاب إلى ما يحدث في تركيا، ويدعمون اقتصادها، على حساب الإقتصاد المحلِّي، ويعتبرونها قُدْوَةً ومنارةً، وقد يُصْدِرُون “فَتْوى” للحج إلى إسطنبول، بدل مَكّة، لدعم اقتصاد تركيا الإخوانية. أما على صعيد الحريات النّقابية والسياسية، الفَردية والجماعية، والإعلام، فإن ما يحصل في تركيا من هيمنة ودكتاتورية وقمع، وتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، وعدوان على الشُّعُوب، باسم الإسلام، قد يُسْتَنْسَخُ في المغرب أو تونس، باسم الإسلام، أو باسم الديمقراطية، أو باسم المصلحة العُلْيا للوطن… 

(2)

تونس، على هامش وفاة “أحمد بن صالح”​​

مُقتطف من دراسة عن “المسألة الزراعية”

ضرورة إعادة الإعتبار للعمل الجماعي وللتعاضديات

نموذج تونس

بعد وفاة الوزير التونسي السّابق “أحمد بن صالح (13 كانون الأول/ديسمبر 1926 – 16 أيلول/سبتمبر 2020 )، نَشَرت بعض وسائل الإعلام التونسية والعربية نبذة عن حياته السياسية، وخصوصًا لما حوّله “الحبيب بورقيبة” من “فارس مقدام”، إلى مسؤول عن فشل سياسة الحكومة، طيلة عقد كامل، وكان “أحمد بن صالح” مناضلا سياسيا ونقابيا، قبل أن يصبح وزيرًا ذا نفوذ كبير، من 1961 إلى 1969، في ظل حُكم الحبيب بورقيبة ( 03 آب/أغسطس 1903 – 06 نيسان/ابريل 2000 )، ونورد فقرة عن دَوْرِه في تصميم وإدارة تجربة اقتصادية، باسم “الإشتراكية الدّستورية”، كان من نتائجها تنفير المواطنين من فكرة الإشتراكية، ومن أي ذكر لعبارة “التعاضد” أو تجميع المُزارعين ضمن هياكل عمل جماعي.

كان أحمد بن صالح من شباب حزب “الدّستور”، عندما اختلف جناحان داخله، أحدهما يدعو إلى وفاق مع الإستعمار الفرنسي، وقبول حكم ذاتي، ثم استقلال متفق عليه يُحافظ على مصالح الإستعمار الفرنسي، ويقود الحبيب بورقيبة هذا التيار، ضد التيار الثاني الذي كان يدعو إلى استكمال استقلال المغرب العربي (الجزائر)، ورفض الحكم الذاتي، حتى نَيْل “الإستقلال التّام”، ويقود “صالح بن يوسف” هذا الجناح، ودعم أحمد بن صالح جناح “بورقيبة” الذي استعان بجيش فرنسا للقضاء على خصومه…

يُمثل أحمد بن صالح جناحًا داخل حزب الدّستور، يمكن وصفه ب”الديمقراطي الإجتماعي”، وكان هذا التيار يحاول بناء دولة عصرية، تنفق على البُنية التحتية وعلى التعليم والصحة والتّصنيع، وما إلى ذلك، لكن دون استشارة أو مُشاركة الشعب أو الطبقة العاملة، والكادحين، الذين أصَرّ “أحمد بن صالح” على وصمهم، سنة 2013 بنقص أو انعدام الوَعْي الطّبَقِي، في تقويمه لانتفاضة 1969، التي أطْلَقَتْها فئة صغار الفلاّحين…

تولى “أحمد بن صالح”، مُمثل هذا التيار منصب الأمين العامّ للإتحاد العام التونسي للشغل (اتحاد نقابات الأجراء) من 1954 إلى 1956، وكان عضوًا في أعلى هيئة قيادية بالحزب الدّستوري، وقدّم أول برنامج اقتصادي متكامل، قبل أن يصبح وزيرًا للصحة سنة 1957، وتولّى عددًا من الوزارات الأخرى، إلى أن جمع، خلال عقد الستينيات من القرن العشرين خمس وزارات، منها وزارات اقتصادية، إضافة إلى الصحة والتّربية (التعليم)، إلى أن أطاح به مُعلِّمُهُ “بورقيبة”، سنة 1969، واتهمه بالخيانة العظمى، وأصدر قُضاةٌ مأمورون ضده حُكمًا بالسجن عشر سنوات، مُشَدَّدة…

يذكُر المواطنون الذين عاصروا فترة عنفوان نفوذه السياسي، ما سُمِّيَ في تونس “تجربة التّعاضد”، بعد تغيير إسم الحزب الحاكم والأوْحد، ليُسَمّى “الحزب الإشتراكي الدّستوري”، ولا يوجد اشتراكي واحد في قيادته، وأوْضَح بورقيبة أنها “اشتراكية الوحدة الوطنية التي ترفض الصراع الطبقي”، وتميزت تجربة “التعاضد” بالقرارات الفَوْقِيّة، وتجميع أراضي صغار المزارعين (كانت الفلاحة تمثل حوالي نصف الناتج المحلي الإجمالي)، وصغار التّجّار، ضمن تعاونيات إنتاج وتسويق، بين 1962 و 1969، وأوكلت الدولة للأعيان والأثرياء (وهم من مسؤولي الحزب الحاكم) الإشراف على تعاضديات الفلاحة والتجارة والخَدَمات، وتَضَمّن البرنامج الإقتصادي وتحويل فائض القيمة من الفلاحة إلى قطاعات أخرى، وزيادة الإنفاق لإنشاء العديد من المنتجعات السياحية المُخصّصة للأجانب، وبعض المصانع (تكرير النفط وصناعات الصُّلْب، وتصنيع اللّفت السّكّري، وتصنيع الورق من “الحَلْفاء”، وتصنيع الفوسفات ومُشتقاته…)، واحتكار الدّولة للتّوريد والتّصدير وتجارة الجُملة، فيما لم يقع تطوير القطاع الزراعي، بل عاش الفُقراء مجاعةً، فزادت حدة الفَقْر في أوساط الكادحين والعُمّال والمُزارعين، وأصبحوا يستهلكون الذّرّة والطّحين والقمح الأمريكي الرديء، المُعَدْ لعلَف الحيوانات، أي مواد من فائض الإنتاج الأمريكي، غير صالحة للإستهلاك البشري، لتتحول تونس، بثَمَنٍ رخيص جدًّا، من مَحْمِيّة فرنسية إلى محمية أمريكية، وبدأت هيمنة الإمبريالية الأمريكية بتدخل “الوكالة الأمريكية لتنمية الدولية” ( يو أس آيد)…

وصف بورقيبة وزيره المُقرّب أحمد بن صالح ب”المُفكّر الفذّ والفارس المِقْدام الذي نذر حياتَه لخدمة الوطن، ولإعانة الغير”، ولكن عندما تقَرّرَ تعميم نظام التعاضُد على الأراضي الزراعية الكُبرى، بعد سبع سنوات من إفقار واستغلال جهود صغار الفلاحين، وبعد ثلاث سنوات من الجفاف، ضحّى بورقيبة بأحمد بن صالح، بعد أن كان يعتبره وزيرًا ورجل سياسة استثنائيا، وحَمَّلَهُ مسؤولية المآسي التي خلّفتها فترة التّعاضد القَسْرِي في الأرياف وكذلك في المُدُن، وتقرّر وضع حدّ لبرنامج التعاضد، لكن صغار الفلاحين فقدوا أراضيهم، فاستولى عليها الأثرياء، وهاجر عشرات الآلاف من صغار الفلاحين إلى أوروبا وليبيا، بحثًا عن عمل.

أصبح “الهادي نويرة” ( 05/04/1911 – 25/01/1993 ) الرأسمالي الثّرِي والمُعادي للعُمّال والعمل النقابي (منذ شبابه، حيث أشرف على تعنيف المُؤْتَمرين في مؤتمر نقابة “جامعة عموم العملة التونسيين”، الثانية، التي أُعيد تأسيسها سنة 1936 وحظَرَتْها سلطات الإحتلال الفرنسي بالتآمر مع “الدستوريين”، سنة 1938) وزيرًا أول، وفتح باب البلاد أمام الإستثمارات الأجنبية المُعفاة من الضرائب، لإنشاء الفنادق ومصانع النسيج وتركيب بعض التجهيزات…

إن التّذْكير بهذه التّجربة، من خلال فقرة كاملة، نابع من تأثيرها السَّلْبي ومُخلّفاتها السلبية في الذّاكرة الجمْعِية للشعب التونسي، وشَوّهَتْ تلك التجربةُ الفكرةَ الإشتراكيةَ، وتسببت، في حينها، في اندلاع انتفاضات عديدة، أهمّها انتفاضة المزارعين والحرفيين والتجار الصغار، ومجمل المواطنين، نساءً ورجالاً، في مدينة “الوردانين” (الوَسَط الشرقي للبلاد) التي قَمَعها الجيش بالرصاص الحي، وأُعلن عن قتل شخص واحد، وجرح العشرات، في الأسبوع الأخير من شهر كانون الثاني/يناير 1969، واعتقلت قوات الأمن مئات المتظاهرين، لكن حركة الإحتجاجات توسّعت، وانتشرت إلى بقية مدن وقُرى المنطقة، ثم إلى جنوب البلاد ومختلف المناطق الأخرى، بسبب تراجع دَخْل المواطنين، وارتفاع الأسعار وارتفاع نسبة البطالة، وبقي الوضع مُضطربًا، إلى أن تم التراجع عن هذه التجربة، وحَمّلت الدّولة (أي بورقيبة) أحمد بن صالح مسؤولية فشلها…

استغل حزب الدّستور الحاكم (وإن بقي يُسمِّي نفسه “اشتراكيا” ) والإعلام السّائد، فشل تلك التجربة، لتشويه فكرة الإشتراكية، ونَسَفَها من أساسِها، واستغلّها لِتَبْرِير المحاكمات العديدة لمئات المناضلين الإشتراكيين والقَوْمِيِّين العرب، ولذلك لا يجرؤ أي مناضل اليوم، في تونس، على اقتراح برنامج إصلاح زراعي، يتضمّن إنشاء تَجَمُّعات أو تعاونيات إنتاج وتسويق، أو تعاضديات يتجمع ضمنها صغار الفلاحين أو المُعَطّلين عن العمل، أو الحِرفِيِّين، أو أي فئة من فئات المُجتمع التي سحقها رأس المال المَحلي، أو رأس المال الإحتكاري الأجنبي…

إن دراسة هذه التجربة، بحسب الوثائق المتوفرة، تُظْهِرُ أنها فُرِضَت على صغار الفلاحين، ولم تبدأ بمصادرة أو تحديد الملكيات الزراعية الكبيرة، ولما بدأ الحديث، بعد سبع سنوات، عن توسيع التجربة إلى الفلاحين الميسورين، الذي لم يشملهم البرنامج في بدايته، عمدوا إلى تخريب البرنامج، بدعم من بعض أجنحة الدّولة والحزب الحاكم والأوْحَد، وبدأ التخريب سِرًّا، منذ البداية، ثم أصبح علنيا، وتواصل التّخريب العَلَنِي حوالي تسعة أشهر، وورد في تقارير أجهزة الأمن (بحسب وثائق “مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات”، بتاريخ 23 آب/أغسطس 2008)، أن برنامج التعاضد كان مُسْقَطًا من فَوْق، وفاقم من مشاكل السّكن وخلقَ اضطرابًا في نظام التّشْغيل والتأمينات الإجتماعية، ولم يقدّم حلولا لمجمل هذه المشاكل، بالإضافة إلى تعيين لجان الإشراف على التعاضديات، من بيْن الأعْيان، من هياكل الحزب الحاكم، الذين لا يُساهمون بأي عمل، ويسرقون المحاصيل وجهود العاملين، دون رقابة أو متابعة أو تفتيش، واستحوذ هؤلاء على أراضي الفُقراء والأرامل والعاجزين عن العمل، بسبب الشيخوخة أو الإعاقة أو المرض، ويُشير تقرير أمني (24 شباط/فبراير 1969) أن الحكومة اعتمدت على إصدار الأوامر الفَوْقِيّة، ولم تبذل أي مجهود لإقناع المواطنين بجَدْوى التّجَمُعات الفلاحية، ما زاد من عمق الفجوة بين الدولة والمواطنين، وخاصة الفئات الكادحة…

من الضروري دراسة هذه التجربة، واستخلاص الدّروس منها، وتجاوز هذه العُقْدَة، وتقديم برنامج إصلاح زراعي ديمقراطي وثوري، يعتمد التّجَمُّع الطّوْعي، وليس القَسْرِي، ويُشرف عليه ويُديره ويُقَوِّمُهُ المُتعاضدون أنفسهم، بدعم من مُتطوِّعِين من مختلف الإختصاصات، كما من الضّروري دراسة تجارب أخرى في تونس (واحة جمْنَة)، وفي فلسطين، أثناء انتفاضة كانون الأول/ديسمبر 1987، وهي التجربة التي أطلق عليها “عادل سمارة” مفهوم التّنمية بالحِماية الشّعْبية، ثم طَوَّرَ هذا المفهوم في بُحُوث لاحقة، ودراسة تجارب ونضالات شُعوب أمريكا الجنوبية، فهي مسألة حيوية مُرتبطة بالأمن الغذائي…

لقد تقهقرت لدى المناضلين النقابيين ولدى مناضلي الأحزاب التقدمية، فكرة الإصلاح الزراعي والزراعات البيولوجية (الحيوية)، ومن الضّرُوري تعميق التفكير والنقاش من أجل بناء أو تعزيز حركة شعبية قاعدية، تستلهم عملها من التجارب والشبكات الدولية المُقاومة، في قارات إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، وطلب الدّعم من النقابات المناضلة والتقدمية لصغار المزارعين الأوروبيين، انطلاقا من حاجة صغار المزارعين بتونس أو المغرب أو أي بلد عربي، وليس انطلاقا من برنامج تحدده أي جهة أجنبية…

اشترط البنك العالمي على حكومات الدول الفقيرة التي طلبت قُرُوضَا، في بداية سبعينات القرن العشرين، إنتاج المحاصيل الزراعية المُوجّهة للتصدير، وتصنيع الملابس والمنسوجات المُعدّة للتصدير أيضًا، وإقرار قوانين وإجراءات جاذبة للإستثمارات الأجنبية، ومن بينها الإعفاءات الجمركية والضريبية والرواتب المنخفضة وإضعاف النقابات العُمّالية، وغير ذلك من الشّروط التي تندرج في إطار التخصّص والتبادل غير المتكافئ بين الدول وبين مختلف مناطق العالم، لتتخصص الدول الواقعة تحت الهيمنة في تزويد الدّول الإستعمارية والمُصَنَّعَة ببعض الإنتاج الزراعي (البُن والشاي والسّكّر والكاكاو والقطن والمطاط…)، والمواد الأولية التي تحتاجها الصناعات في أوروبا وأمريكا الشمالية والدول المُصنّعة (المعادن والمحروقات الخام)، وبذلك أصبح اقتصاد دول “الجنوب” تابعًا ومرتبطًا باحتياجات دول “الشّمال”، ومُرْتَهِنًا بالتالي لتقلبات أسعار المواد الأولية، في أسواق عواصم الدول الإستعمارية، وبالتوازي مع ذلك ارتفعت دُيُون البلدان الفقيرة، وفَرَض صندوق النقد الدولي والبنك العالمي برامج وخطط “الإصلاح الهيكلي”، الذي استهدَفَ إلغاء الحواجز الجمركية وإلغاء حماية الإنتاج المحلي، وإلغاء كافة أشكال الدعم، ويُؤدّي تطبيق هذه “التوصيات” (وهي في الواقع أوامر) إلى تقويض الأمن الغذائي، وتدمير الزراعة التقليدية، لتوسيع رقعة الأراضي التي تملكها الشركات وكبار الفلاحين، وتخصيص الأراضي الخصبة والتربة والمياه لزراعة إنتاج مُعدّ للتّصدير، بأسعار رخيصة، ما أدّى إلى تدمير حياة الملايين من المُزارعين في إفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا، مقابل استيراد المواد الإستهلاكية الأساسية، مثل الحبوب، من الدول الغنية التي تَدْعم الُمزارعين، في حين يشترط صندوق النقد الدولي والبنك العالمي على البلدان الفقيرة إلغاء دعم المنتجات الغذائية، مثل الخبز والأرز والحليب والسكر، والخدمات الأساسية مثل النقل والسكن والتعليم والصحة، لتتعمّق الهُوّة بين الدول الرأسمالية المتطورة، التي تشتري المواد الرخيصة، وتُصدّر المنتجات الزراعية أو المُصنَّعَة، مرتفعة الثمن، والدول الفقيرة، التي باتت تُصدّر المواد الرخيصة، بحسب الطّلب، وتستورد الغذاء والمواد المُصنّعة، وأدى ذلك إلى تدمير الزراعة، وهي النشاط الرئيسي للسّكّان، وتدمير الوظائف، مع الإنقراض التدريجي للفلاحين، وللإنتاج الزراعي التقليدي، الذي كان يُغذّي السّكّان المحليين في بلدان “الجنوب”، ولم تعد هذه البلدان تُنتج، بل تستورد الغذاء الرديء والمُلَوّث بالمبيدات، والذي تدعمه حكومات الولايات المتحدة وأوروبا…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.