ما اسمك يا رفيق؟! رشاد أبوشاور

.. وفي ختام المكالمة، وبعد دزينة أخبار تقبض النفس عن أحوال أهلنا الفلسطينيين في لبنان، وعن المشردين في أوربة، وعن من ماتوا غرقا في البحار، وعن دمار مخيم اليرموك، زفّ لي الصديق ياسين معتوق خبرا سّارا:

أبورفيق يتعافى…

وأبورفيق وقع ضحية فيروس الكورونا..وأين؟ في باريس.

من أفشى الخبر في القارات هو نضال حمد رفيق أبورفيق، الذي هو رفيق لعشرات الفدائيين القدامى الذين وزعتهم السفن بعد معركة بيروت في أرجاء بلاد العرب..حتى وصل بعضهم إلى البلاد الأوربية بعد( أوسلو)، لأنها، أوسلو، لم تشملهم ببركات إعادتهم إلى( وطن) منحوه دمهم، وبعض أعضاء أبدانهم..كنضال حمد الذي ترك ساقه في بيروت، ورحل بساق واحدة مثقبة بالرصاص إلى إيطاليا المتعاطفة مع الفلسطينيين..ومنها إلى بولندا – كتب بعض فصول معاناته وتشرده في كتابين – و..ليتزوج وينجب أبناء أوربيين فلسطينيين يرفضون أوسلو أكثر منه، خاصة بعد أن ( عادت) ياسمينا، ابنته، إلى فلسطين وشاركت أهلها معاناتم على الحواجز والمعابر في الضفة الفلسطينية، حيث الدولة الموعودة.( هي جامعية.. وإعلامية مثل والدها).

أبورفيق لم يغادر على متن إحدى السفن، بل بقي مع من بقوا في بيروت، لأنه لم يشأ أن يعود إلى تونس قبل أن تتحرر فلسطين، ولا أن يتوجه إلى بلد عربي ما، ولذا عاش ما بعد معركة بيروت..وأيام مذبحة صبرا وشاتيلا، وكان خارج  موقعة المذبحة.

علم رفاق أبورفيق أنه يُعتني به في مستشفى فرنسي، فتنادوا للوقوف مع رفيقهم أبورفيق الذي اندفع من جنوب تونس قبل أربعين عاما..ووصل إلى بيروت وهو فتى صغيرا، ثم فدائيا شابا..ثم مثقفا يعرف كل شئ عن القضية..وعن ثورات العالم، ثم دارسا للإقتصاد السياسي في بلغاريا بعد مغادرة من تبقوا في بيرت.

عرفوا اسم الستشفى، ثم اسم الطبيبة المشرفة على العلاج..ثم عرفوها بأنفسهم كاصدقاء..وأنشأوا معها صلات إنسانية..ودعوها لزيارتهم في بلغاريا، والسويد، والنروج..وحتى في بيروت..فدهشت من ( عائلة) أبورفيق هذا..الذي هو تونسي الأصل..فرنسي الجنسية..فلسطيني الإنتماء..عرف لبنان وعاش فيه سنوات.

انتشر خبر إصابة أبي رفيق بالكورونا بين رفاقه المنتشرين في بلاد كثيرة، ثم..بعد اتصالات، وعلاجات..ومناشدات لأبي رفيق بقهر الكورونا..صحصح الرفيق أبورفيق..و..ها هو ينتعش..ويتهيأ لمغادرة المستشفى ليقضي حظرا لمدة 14 يوما في غرفة وحده!

وحده!..ولكنه يعيش في باريس في غرفة واحدة مع زوجته الفتاة التونسية التي اختارها من بلدة تونسية في الجنوب، و..اصطحبها معه إلى فرنسا.. لتلد له طفلا تونسيا أسمر السمات بعينين كحيلتين تضحكان له صباح مساء، و..تجددان حبه وثقته بأن الحياة تنصفه بعد طول تشرّد بعيدا عن تونس..وبيروت..والرفاق الذين وزعتهم السفن على أربعة جهات الدنيا بعد معركة بيروت المجيدة.

أبورفيق بعد الخروج من بيروت قضى فترة في دمشق، بين رفاقه الأوفياء، الذين بعد جهود تدبروا له بعثة دراسية في بلغاريا..وهناك درس الرفيق الاقتصاد السياسي،ثم غادر إلى فرنسا..وتشرد..وعانى..وتعب..وجاع..وفي النهاية حصل على إقامة..وما يشبه الغرفة.

عرفته في بيروت، وكان يُنادى (أبورفيق)، لا اسم أول..ولا اسم عائلة ..ولكن مع أبي رفيق كنية تميزه: التونسي..فهو أبورفيق التونسي.

عندما أخبرني صديقي ياسين أن أبا رفيق يتعافى نبض قلبي فرحا، وشعرت بانشراح غاب منذ زمن عن نفسي..ووجدتني أتساءل:

ولكنك ما اسمك يا رفيق..يا أبا رفيق التونسي؟!

ثم همست لنفسي: يكفي أنه رفيق..وأن رفاقه ينتشرون في بلدان كثيرة، وأنهم يتبادلون آخر أخبار مقاومته للكورونا.

يا الله ما أجمل الرفقة..أي إنسانية تجمع رفاق من بلاد العرب..كل ما يعرفونه من أسمائهم أنهم رفااااااق: الرفيق فلان..والرفيق أبوفلان…

 تنويه:

كتبت اليوم الثلاثاء 28 نيسان2020 لصديقي الإعلامي المقاوم نضال حمد: طمئني على صحة أبي رفيق.

رد: اليوم فتح عينيه و..ابتسم، بهذا أخبرتني زوجته في باريس.

دهشت وسألته: أإلى هذا الحد كان وضعه سيئا؟

كتب لي: وأكثر. لقد كان شبه ميت إكلينيكيا بسبب الكورونا..ولكنه مقاوم عنيد، وأحسب أنه سينتصر على الكورونا. أنت تعرف أننا بقينا في بيروت..وهو بقي معنا ورفض الخروج مع الخارجين على السفن بعد حرب 82..وفي الفاكهاني خضنا معركة مع قوات شارون، و..سقط رفيقنا محمد علي شهيدا..وأنا أصبت في ساقيّ..واستيقظت في المستشفى وهو فوق رأسي عند إجراء عملية إيقاف النزيف..وهو يبتسم ابتسامته الهادئة المعهودة، ويربت على صدري: عمر الشقي بقي..كما يقول المثل الفلسطيني.

 أبورفيق أتقن اللهجة الفلسطينية، وحفظ الأمثال الفلسطينية. أنا نقلت إلى خارج لبنان للعلاج، وبترت ساقي، ورممت ساقي الثانية..وهو انتقل إلى دمشق، وعاش معكم إلى أن غادر إلى بلغاريا..ثم إلى فرنسا..وبعد عمر امتد تزوج وأنجب..وها هو يقاوم الكورونا. سأوافيك بأخباره باستمرار. اطمئن سيعيش أبورفيق التونسي..الذي وهب عمره لفلسطين.

تنويه: تواصلت مع أبي رفيق في شهر ايلول الجاري 2020 عدّة مرّات، وقد جاءني صوته بلهجته التونسية الفلسطينية.ورنّت في أذني ضحكته اللطيفة..وأسعدني سماع صوته الودود: أنا بخير..عمر الشقي بقي يا رفيقي.

رغم تواصلنا ففي كل مرّة أنسى سؤاله عن اسمه الحقيقي..أو يبدو أنني لا أريد أن أعرف اسما آخر له غير أنه ( أبورفيق التونسي).

ثُمّ ما أهمية أن أعرف اسمه الحقيقي؟! إنه رفيق سنوات الشجاعة البطولة والشرف والرفقة والمحبة..والإخلاص لفلسطين..والإيمان بنهوض الأمة بملايين أبنائها وبناتها..رجالها ونسائها..لصنع فجر جديد لأمة جديرة بالحياة والحرية والعدالة والعيش بكرامة على أرضها بين المحيط والخيج. 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.