لا معنى لرفض ترامب وتقديس الراسمالية (2-2)، عادل سماره

جيفري شاكس يدعو ضد ترامب في الفاتيكان!

ترامب يهدم الشعبوية بعولمتها

مدخل

هذه المقالة لمعارض أمريكي آخر لإعادة انتخاب ترامب. أهميتها في كونها تقدم التواءات والتفاف اقتصادي برجوازي كبير ضد ترامب دون أن تمس الراسمالية ابداً بالطبع.  وليس هذا بغريبِ على أحد أشد عُتاة الفكر والتنفيذ والاستراتيجيا الاقتصادية البرجوازية بل النظام الراسمالي خاصة منذ اربعة عقود وحتى اليوم.

سنقسم هذه المقالة إلى قسمين: الأول من هو الجزَّار ضد الشعوب جيفري شاكس والثاني ماذا يقول اليوم خوفا على بلاده!

شاكس جزار الاشتراكية:

ولكن، من هو جيفري شاكس، ولماذا اخترناه من بين أكثر من ثمانين أكاديمي ومؤرخ أمريكي وقَّعوا مذكرة يُرعبون فيها الناخب الأمريكي من إعادة انتخاب “المنفلت” ترامب؟

فإذا كان هؤلاء الثمانون وغيرهم ممن يؤمنون ب “الديمقراطية االبرجوازية” حتى في لحظة اللبرالية الجديدة على قساوتها وعنفها وجشعها، فإن شاكس يتفرَّد عليهم جميعا في :

·      التمسك العميق مثلهم  بإيديولوجيا الراسمالية/ السوق كإيديولوجيا

·      ويتفرد بالدور التطبيقي والتعميمي لنشر الراسمالية على مساحة الكتلة الإشتركية المتفككة وما تبع ذلك من إفقار وضحايا.

بكلام آخر، شاكس، بتواطؤ مع إيجور كيدار )الاقتصادي الروسي ورئيس الوزراء الروسي لستة اشهر من منتصف عام 1992 حتى نهايته كساعد أيمن لشاكس وطبعا في فترة حكم يلتسين) هو الذي ركب حصان رسملة الكتلة الشرقية للقضاء على البنية الإشتراكية بدءا من الاتحاد السوفييتي وصولا إلى ألبانيا وبلغاريا…الخ. حينها أرسلته،أي شاكس،  الإدارة الأمريكية ليكون “النبي” الراسمالي في الاتحاد السوفييتي في فترة يلتسين.

خلال تلك الفترة، كان الجميع في استسلام تام بهزيمة الاشتراكية، ولذا كان الجدل بائساً حيث انحصر في:

·      هل يمكن القفز المباشر إلى الراسمالية في بنية اقتصادية ومجتمع ليس مؤهلا لذلك

·      أم المرور بفترة انتقالية حماية للبشر من الهلاك فقرا وجوعاً

هنا كان دور شاكس لأنه مبعوث لفرض الرأسمالية بأية كلفة لتدمير وتقويض التراث الاشتراكي بغض النظر عن الثمن وهنا تقاطعه مع فوكوياما الذي اصر ،حينها على الأقل، بأن الراسمالية سيطرت إلى الأبد.

لذا طرح شاكس وطبَّق نظريته القاتلة “العلاج بالصدمة” ولذا أُسميَ أتباعه ب الصدميون (مؤيدوا العلاج بالصدمة) حيث ركزوا على الاعتصار المالي كي يحوزوا على أملاك الدولة الاشتراكية بمساعدة المضاربين الأجانب والغشاشين المحليين، (وفي احسن الأحوال، لا بد من إضافة دور المافيا الروسية  التي لاحقا، تواجدت في الطرفين).

مع سقوط الأنظمة الحاكمة هناك وتغلُّب القوى ذات التوجه الرأسمالي وفي علاقتها بالغرب الرأسمالي فقد تبنت وصفات الاقتصادين البرجوازيين إيجور كيدار وجفري شاكس المسماة “العلاج بالصدمة” وهي  التي لم يكن لها لتنجح، بل لم يُقصَد نجاحها اصلا،  طالما أن البنية الاقتصادية نفسها لم تكن راسمالية جاهزة مما أدى إلى حالة من الإهلاك الاقتصادي والبشري اي موت الملايين جوعا وبرداً.  ناهيك عن نزوح كل من تمكَّن من الرجال  وملايين النساء إلى غرب أوروبا للخدمات والدعارة في ما أسمي “الفراشات البيضاء/فراشات الليل”.

في وصف دور كيدار: “.. كان القائد المبكر للفترة الأخيرة، المسماة “العلاج بالصدمة”، إيجور كيدار، هو إن كان بوسع المرء وصفه، الجيل الثالث من الارستقراط الشيوعي. فالصدميون (مؤيدو العلاج بالصدمة) بمعنى ما، يمثلون النقود المضارباتية، بينما المضادون لهم يدورون حول  المدراء الذين تخندقوا في مصانعهم. كان الصراع بين الذين يريدون  الأخذ، وأولئك الذين يحوزون ويمسكون بما يحوزون” (انظر كتابنا الجديد “هزائم منتصرة وانتصارات مهزومة”، الفصل الثاني قسم أوروبا الشرقية نصف ثورة ونصف مضادة، عمان 2020).

وهكذا، فإن مقتضيات الإلتزام بالعلاج بالصدمة قادت إلى : “…في دراسة  OECDاو إي سي دي، لمزاد الكوبونات أشارت  بأن : ” القيمة السوقية للمستخدَم في الشركات الصناعية الأمريكية  هي 100,000 دولارا. بينما في الشركات الروسية المناظرة لها وصلت القيمة السوقية للمستخدم الواحد إلى 100 دولار. فالفارق هو 100 ضعف. (OECD, Mass Privatization: An Initial Assessment (Paris: OECD, 1995), 171.  )

وعلى هذا ترتبت بالضرورة أعمال السرقة: “…أحد الأمثلة الصادمة كان ان 170 مليون دولار قد دفعت من قبل اونكيسميانك ، المملوك من قبل فلاديمير بوتانين، الأكثر ارتباطاً ب شنباوس، من أجل 38 بالمئة كحصة في نورسلسك نيكل، التي تنتج 20 بالمئة من النيكل أو الكوبالت و 42 بالمئة من البلاتونيوم في العالم، بربح قدره حوالي 700 مليون دولار في السنة السابقة على التحويل وحدها” (نفس المصدر).

كتبت فايننشال تايمز 29 -1- 1997 إثر انهيار هذه الصناديق المضارباتية في ألبانيا:

“… كانت تعتبر البانيا احد نماذج النجاح في اوروبا الشرقية، وبأنها التلميذ النموذج لصندوق النقد الدولي وذلك من خلال تطبيق  الخصخصة  وتسجيل اعلى معدل نمو واقل معدل تضخم  في المنطقة”.

عندما هاج الشعب وسقط النظام الاشتراكي تم نهب وسلب كل شيىء صناعي وجردت البلاد من الأموال المنقولة  في المشاريع الصناعية  او مزارع الدولة. … وحتى هذا اليوم فإن احشاء وهياكل مصانع ومزارع الدولة مبعثرة في الاراضي الألبانية من اقصاها الى اقصاها” ( مجلة  كنعان .العدد 85 نيسان 1997، ص 67.).

“… يشهد من يتجول في مقاطعة كوسوفو الصربية التي يحتلها الناتو هلاكا تاما، دولة فاشلة بكل المعايير. إنها قاعدة لتهريب المخدرات إلى المافيا الألبانية، كما انها تنزف آلاف الناس سنويا الذين يهربون إلى وسط وغرب اوروبا للنجاة من الدمار الاجتماعي. تقوم داعش والوهابية عموما بانتهاكات  هناك وهناك خوف حقيقي بأن يتحول كيان كوسوفو الى مركز أوروبي للمجاهديين، وخاصة بسبب الدعم الكامل من المشرفين الأمريكيين في معسكر بوندستيل (وهو نفسه الذي يشرف على نفس قوات كامونوف الإرهابية). كما لا يمكن لأحد التنبؤ كيف ستؤول جارتها الجبل الأسود (   ‘Russia and China to Liberate Balkans from Unipolar Influence’, By Andrew Korybko, Global Research, February 16, 2016, Oriental Review 15 February 2016).

لماذا يبكي الجزار اليوم؟ وأين؟

 لا شك بأن شاكس قد تمكن من تقويض البنية الاشتراكية في الكتلة الشرقية وأولج فيها راسمالية متوحشة من طراز راسمالية المركز الغربي الإمبريالي في لحظة اللبرالية الجديدة. ولكن، من غير المعقول أن يجهل الرجل بان الديمقراطية الغربية التي هي وثنَهُ المعبود تتجوَّف من داخلها. وليس السبب الوحيد أنها ازدردت الكتلة الشرقية فصعُب الهضم، ولا لأن روسيا بوتين تحولت من تابع ذليل على يد يلتسين إلى راسمالية معاندة ومنافسة بمستوى قُطبي، وليس لأن خطته التدميرية لم تجد لها طريقاً إلى الصين الشعبية حيث صمد التراث الماوي محققاً نصف انتصار/نصف صمود على الأقل بل لأن لكل نمط إنتاج بل لكل علاقات إنتاج اجتماعية محدوديتها وحدودها مما يعني احتمال، إن لم نقل حتيمنة تفجرها من الداخل. هذا التجويف الذي ياكل أحشاء الديمقراطية الراسمالية الغربية هو الذي يُقلق جزار الإشتراكية ولكن، تماما مثل تشومسكي ينسب المرض إلى شخص بمفرده، إلى ترامب ولا ينظر إلى أن ما يحصل هو بروسيس/سيرورة سوف تقود بالضرورة إلى ما هو عليه الحال اليوم.

وإذا كانت هناك في القرن الماضي فرصاً ،معقولة/ للتشكيك في مقولة لينين “بان نظام حكم كل طبقة هو ديكتاتورية تلكم الطبقة سواء البروليتاريا أو البرجوازية”، فإن هذه المقولة تثبت نفسها اليوم وتحديدا على حكم الأقلية الثرية أل 1% في الغرب الراسمالي حيث وصلت الراسمالية مرحلة الاحتكار المعمَّم كما جادل سمير أمين. هذه الأقلية هي ديكتاتورية حقا، وإن تبادلها السلطة فيما بينها لا يعني سوى كاريكاتير التعددية. وهذا يعني أن المأزق :

·      ليس لأن ترامب وصل السلطة وقد يُعاد انتخابه

·      بل لأن المأزق في البنية الراسمالية التي ولدت ترامب وستولد غيره وأعتى. وإذا كان أوديب قد قتل اباه فترامب يقتل اباه، بالحب الأعمى،  وهو نمط الإنتاج الراسمالي الذي تملأه القروح اليوم وخاصة مع جائحة كورونا.

ما يلي تفريغ للحديث الذي قدمه جيفري شاكس في الفاتيكان مساهمة منه في التحشيد لعدم إعادة انتخاب ترامب لدورة ثانية في الولايات المتحدة. مهم جداً أن الحديث في الفاتيكان، تلك المؤسسة التي رعت التغلغل الرأسمالي في الكتلة الاشتراكية عبر البابا البولندي حينها، إنها المؤسسة التي لا مزاح لديها تجاه قتل الإشتراكية ولا تقدم للفقراء تعويضا سوى الغفران والانتظار إلى البد!

حديث في الفاتيكان:

يقول شاكس: “ترامب عدو للنظام العالمي”.

 ولكن، ما هو هذا النظام؟ أليس هو النظام الراسمالي الذي يؤمن به شاكس وينشره في كل الكوكب، والأهم، أنه النظام نفسه الذي ولَّد ترامب. فترامب لم يقم بانقلاب عسكري ليصل السلطة بل اصوات مؤمنين جدا بالراسمالية في طبعتها النيولبرالية هي التي رفعته إلى السلطة، إنه تيار المحافظية الجديدة/كدين سياسي. هنا يتقاطع شاكس تماما مع تشومسكي في التهرُّب من تحديد موطن الداء وهو نمط الإنتاج الراسمالي. كلا الرجلين يؤكدان مقولة لينين في اللف والدوران حول الحقيقة ولكن عدم لمسها : “كما يدور القط حول صحن من المرق الساخن”.

ويضيف شاكس: ” كانت امريكا القوة المسيطرة عالميا، في الاقتصاد والتكنولوجيا، لكن اليوم الاتحاد الأوروبي أوسع والصين منافس قوي، رغم أن لأمريكا اقوى جيش في العالم”.

ولكن قوة أمريكا سابقاً وإقامة الاتحاد الأوروبي وصعود الصين مؤخراً، جميعها حصلت قبل ترامب. اي حصلت بسبب الخلل في النظام الراسمالي نفسه وهو خلل ضروري يخدم حتمية تهافته وسقوطه بغض النظر عن التوقيت الزمني.

ويضيف:

 “…امريكا خرقت في السنوات الأخيرة مختلف الاتفاقات الدولية متعددة الأطراف مثل اتفاق المناخ والاتفاق النووي مع إيران”.

وهذا صحيح تماماً، ولكنه ليس بهدف عبثي. فخرق اتفاق المناخ وتهشيم منظمة التجارة العالمية التي أساساً صاغت اسسها امريكا نفسها، كل هذا في خدمة الراسمالية الأمريكية نفسها والتي يمثل ترامب جناحا هاما منها. ويصح الأمر على الاتفاق النووي مع إيران. فأمريكا لا تخشى حقا من نووي في إيران إلا إذا اقتنعنا بأن حكام إيران سوف يصيبهم مسٌ من الجنون ويفتحون حربا نووية. فأمريكا والكيان يرفضون وجود قوة إقليمية في المنطقة سواء عسكريا أو اقتصاديا لأن هذا سوف يأكل من سوق امريكا الاقتصادي من جهة ويقلل سيطرة الكيان الصهيوني استراتيجيا وعسكريا واقتصاديا تقنيا  من جهة ثانية، اي توسع صهيوني غير ارضي/جغرافي، على واقع عربي مريض ومعروض لمن يمتطي.

ويضيف:

“أمريكا غاضبة من تقدم الصين التي يتخرج لها سنويا مئات آلاف الدكتوراة، هكذا يعمل العالم”.

هذا بالطبع اتجاه تطور العالم اليوم اي تعدد القطبيات. وهذا ايضاً لم يتم في فترة ترامب فقط. وإذا كان هناك من ذنب يُلقى، فليس على ترامب بل على امريكا نفسها التي فشلت في الحفاظ على ديكتاتوريتها على صعيد العالم او لنقل مقاومة  العالم لها .

ثم يضيف:

“…امريكا تدير حربا ضد الصين فليس ما يحصل حرب بين الصين وامريكا، وهناك فارق”.

هنا يختلف شاكس مع تشومسكي الذي يعتبر المبادءة بالحرب مشتركة حيث يضع الصين على قدم المساواة العدوانية مع الولايات المتحدة وهذا ربما يعود إلى مسألة هي تحت الغطاء اي كونه صهيوني ويهودي وبالتالي فهو ضد اي خصم للولايات المتحدة اياً كان جنسه أو نظامه أو دوره العالمي.

ويضيف شاكس:

“… . لم تعد امريكا القوة الوحيدة كما كانت قبل عقود.  لها مئات القواعد في العالم، لا يوجد احتكارا للمعرفة والذكاء ، وهذا يثير جنون امريكا،  لا سيطرة وتفوق لأمريكا على العالم”.

بهذا يعبر شاكس عن قناعته بتطورات العالم وبأن امريكا لم تعد قادرة على احتجاز هذه التطورات والأحداث بعدما تمتعت هي والثلاثي الإمبريالي (امريكا والاتحاد الأوروبي واليابان) لعقود باحتجاز تطور العديد من بلدان العالم وإن كان ذلك احتجازا نسبيا في حالات وكاملا في حالات (الوطن العربي مثلا)، ولكن منطق التاريخ يتجاوز ديكتاتورية أمريكا.

بموقفه هذا، فإن شاكس يقترب إلى حد كبير من تحذيرات اقتصادي برجوازي مرموق حذَر منذ خمسينات القرن الماضي بأن “الرأسمالية سوف تهز كتفيها باستسلام أمام الإشتراكية”.  نجد هذا التحذير في طيات حديث شاكس بمعنى التحذير، ولكنه تحذير قاصر حيث ارتبط بمنع فوز ترامب وليس بالسبب في هوان الإمبراطورية.

يقول: “…ترفض أمريكا نظام ضرائب لا يُحابي الكبار، كما انها دمرت منظمة التجارة العالمية، وهددت العراق إذا طردت جنودها فإنها سوف تصادر ارصدتها من العملة الصعبة،  هذه لصوصية”.

قول جميل، ولكن شاكس نفسه هو الذي سهَّل النهب الأمريكي للاتحاد السوفييتي. هنا لا يقع الرجل في تناقض، فاللصوصية مقصود بها ترامب وليس تاريخ الرأسمالية الأمريكية، فهو رجل يصوغ كلماته بحذر الحِرَفي الاقتصادي.

وفي هذا المعرِض يكون السؤال هو لحكام العراق الذين استدعوا الاحتلال الأمريكي من جهة ولما تسمى عملية النشر الأمريكي للديمقراطية من جهة ثانية، فإذا هي لصوصية.

بل وأكثر، هذا الحديث يضع المثقفين العربي وخاصة الطابور السادس الثقافي في مأزق القدرة على الإجابة بترويجه ورطنه ليل نهار للديمقراطية بمضمونها اللبرالي، بل هم يقولون: لا ديمقراطية إلا الديمقراطية اللبرالية.

ويضيف:

“…  ان أمريكا  قوة امبريالية في تراجع . نجاح ترامب خطير على العالم، لن يتوقف العالم من أجل امريكان لا يمكننا وقف تطور العالم،  نحن 4 بالمئة من العالم وإنتاجنا 15 بالمئة ولم يعد 50 في المئة.”

نعم، قوة امريكا في تراجع والعالم يسير حتى لو وضعت امريكا العصي في الدواليب، وحدها الأنظمة العربية، من دون مختلف دول العالم، تُعيق نفسها وكل ما بوسعها هو إعاقة تراجع امريكا خدمة لأمريكا نفسها في رقص وضيع على لحن التراجع والتقهقهر الأمريكي.

واضح أن حصة امريكا من الإنتاج العالمي تراجعت بنسبة 300 بالمئة. وهنا يتناقض شاكس جزئياً  حيث يحُذِّر من فوز ترامب مع أن الوضع الاقتصادي تحسن قليلا في فترته، على الأقل باسترجاع شركات كانت قد ذهبت عبر الأوف شور إلى الصين وهي التي حاباها ترامب ضريبياً. لكن في الحقيقة، فإن شاكس ينظر إلى مجمل اللوحة وليس إلى جزء منها.

ثم، كما يبدو، يتوجع الرجل على ما آل إليه حال نظام بلاده الذي يُحب:

“… لا مشكلة في عالم متعدد إلا عند أمريكا، وسيستمر العالم في النقاش .في الجمعية العامة  185 من الدول صوتت ضد امريكا، ، وليس معها سوى تقريبا 3 دول”.

يذكرنا هذا القول بفرصة الفلتان من تحت عباءة أمريكا. صار بوسع معظم الدول رفض مطالب أمريكية. لم يكن هذا في السابق. كانت العصا الأمريكية تضرب من بقي خارج عباءة امريكا، حالة يوغسلافيا مثلا 1998 وأحيانا يتراجع المخالف عبر التلويح بالقوة أو بالحصار الإقتصادي.  نتذكر هنا أن السيف الأمريكي ثُلم في عدوانها ضد العراق وأفغانستان، ولكن للأسف فالنظام الطائفي والفاسد في العراق يغطي على خسارة ووحشية امريكا.

من كان يتخيل أن لا يصوت لصالح أمر امريكي سوى ثلاثة دول؟ وبالتأكيد من بينها الكيان الصهيوني!.

بقيت لنا ملاحظتان:

الأولى: موجهة للشباب/ات العربي سواء الناصري أو القومي عامة أو الشيوعي، بوجوب الحذر من الطابور السادس الثقافي الذي يرطن للديمقراطية الغربية ليل نهار ويغطي قيوحها بالورود داعياً إلى نسخها بعد ما يسميه “ثورات الربيع العربي”. هذا الفريق الخطير الذي يستجلب جهاز الديمقراطية ليركِّبه على واقع ريعي تابع غير إنتاجي، على بنية وثقافة مجتمعية تنخرها إيديولوجيا الدين السياسي وتحكمها أنظمة ستقاتل من أجل التبعية بأظافرها.

وإذا كان التخلُّص من “ذات التقرُّح” أ ي الراسمالية هو بالإشتراكية، في مطلق مكان في العالم، فهذا أكثر إلحاحاً في الوطن العربي حيث وجوب تحريره من الأنظمة الحاكمة التابعة وليس مطالبتها بالإصلاح! اي معالجة الداء بالداء كما يدعو تشومسكي لعلاج حالة أمريكا.

والثانية: وهذه لبحث آخر وأطول وهي بإيجاز:  يُجمع معظم بل ربما جميع من كتبوا في الشعبوية على أن ترامب شعبوي، بل وورد في “ويكيبيديا” ما يلي:

“…شهدت الانتخابات الرئاسية لعام 2016 موجة من المشاعر الشعبوية في حملات بيرني ساندرز ودونالد ترامب ، حيث شارك المرشحان على برامج مناهضة للمؤسسة في الحزبين الديمقراطي والجمهوري ، على التوالي.  انتقدت الحملتان اتفاقيات التجارة الحرة مثل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية والشراكة عبر المحيط الهادئ. “

لكن السؤال الأول هو: ضد مًنْ تتجه شعبوية ترامب اليوم؟ فإذا كانت الشعبوية ضد النخبة، فهو نخبة أخرى إن لم نقل النخبة. هذا ناهيك عن ساندرز.

لكن ما يحتاج نقاشا جادا هو التالي:

تنحصر وتتركز الشعبوية في التنافس أو ربما الصراع بين الشعبوية التي تزعم تمثيل وحمل هموم الجميع، هكذا بتبسيط، وما بين النخبة، ولكن في البلد الواحد. فالشعبوية إذن هي في حدود الدولة القومية، ولكن ترامب أتى بالأمر بالمقلوب اي: النخبة الأمريكية ضد العالم، الأكثرية، فهل  بقي من المنطق بمكان تسميته بالشعبوي؟ أم هو شعبوي/فاشي معولم؟  أم أن الحقيقة هي أن النظام السياسي في الولايات المتحدة هو إمبريالية مأزومة سواء كان ترامب أم غيره؟ بكلام آخر، فإن الشعبوية علاوة على هلاميتها من حيث التحديد قد تلقت ضربة في النظرية والتطبيق على يد ترامب حيث يثير حربا عالمية تتجاوز صراع الجماهير ضد النخبة في البلد الواحد.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.