رحيل إثنَيْن من مناصري قضايا التحرر، الطاهر المعز

فقدنا، خلال أسابيع قليلة، صحافِيّيْن من المُناصرين لقضايانا العربية (فلسطين وسوريا…)ن ولقضايا التحرر الوطني، والشعوب الواقعة تحت الإستعمار والإضطهاد، وهما من المناهضين للإمبريالية.

أوّلُهُما المراسل البريطاني “روبرت فيسك” 1946 – 2020، الذي يُعتَبَرُ صحافيا محترفًا، يؤدّي واجبه الإعلامي، ويحاول البحث عن حقائق الأمور، ولا يكتفي بما تورده وكالات الأنباء، وكان من الصحافيين الإستقصائيين القلائل القادرين على الكتابة “ضدّ التّيّار”، بشأن قضايا عديدة مثل احتلال العراق والعدوان على سوريا، والحرب الأهلية في لبنان، وغير ذلك.

أُصيب “روبرت فيسك” بسكتة دماغيّة بينما كان في منزله في دبلن (عاصمة إيرلندا الحنوبية)، يوم الجمعة 30 تشرين الأول/اكتوبر 2020، ونُقل إلى المستشفى، حيث تو​​في بعد ذلك بوقت قصير، بحسب صحيفة «إندبندنت» البريطانيّة التي كان يعمل لديها منذ عام 1989، والتي تحوّلت إلى اليَمين، في ظل مالكها الجديد، ثم توقفت عن إصدار النّسخة الوَرَقية، واشترى آل سعود رخصة استخدام اسمها ليؤسسوا موقع أطلق عليه «إندبندنت عربي» الذي يستخدمه آل سعود لترويج داعيتهم على الشبكة الإلكترونية.

رثاه صديقه الشخصي “مايكل دي هيغنز”، رئيس الجمهوريّة الإيرلنديّة و “مايكل مارتن”، رئيس الوزراء الإيرلندي.

حصل “روبرت فيسك” على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من كلية «ترينيتي دبلن» في عام 1983.

بدأ حياته المهنية الصحفية في صحيفة «صنداي إكسبريس»، ثم في صحيفة «تايمز» اليمينيّة، لتغطية ثورة إيرلندا الشمالية ضد الإستعمار البريطاني، في بداية سبعينيات القرن العشرين، ثمّ غطى «ثورة القرنقل» في البرتغال (1974)، والحرب الأهلية اللبنانية، بداية من سنة 1976، (في صحيفة تايمز، ثم “إندبندنت” التي بدأت يسارية، قبل إفلاسها) وهناك كتب عن المجزرة التي ارتكبها حزب “الكتائب” (بقيادة سمير جعجع آنذاك) بإشراف صهيوني، في مُخيّمَيْ صبرا وشاتيلا (من 16 إلى 18 أيلول/سبتمبر 1982).

نشر عددًا من الكتب عن “الشرق الأوسط” وعن إيرلندا، وترجمت إلى عديد اللغات، منها العربية، ولاقت رواجًا تجاريا كبيرًا.

تمكن من إرساء سمعة طيبة، لدي مؤيديه وخصومه، وحصل على جوائز مهنية عديدة، بسبب طريقته في الكتابة عن الأحداث، من خلال المُعاينة، وليس من خلال البيانات العسكرية أو الحكومية…

وصف “روبرت فيسك” نفسه بأحد أنصار السلام في العالم، وكان من المُشكّكين في الرّواية الرسمية الأميركيّة بخصوص تفجيرات 11 أيلول 2001 وشكك بما وصفته سلطات الإحتلال الأمريكي “بالعنف الطائفي” في العراق، بعد الإحتلال، وشكك كذلك في الراواية الأمريكية التي ترمي إلى اتهام النظام السوري بامتلاك واستخدام الأسلحة الكيميائيّة في منطقة دوما (2018). سياسياً، مَوضع فيسك نفسه كنصير للسلام، وأعلن أنه لم يُصوّت في حياته لأيّ حزب بريطانيّ…

أما الراحل الثاني، فهو أكثر “راديكالية”

وُلِد أندريه فلتشيك ( André Vltchek ) بلينينغراد 29 كانون الأول/ديسمبر 1963 وتوفي يوم 22 أيلول/سبتمبر 2020، خلال نومه أثناء وعكة (من تأثيرات مرض السُّكّري)، عندما كان يقود سيارته، باسطنبول (تركيا)، وكان يعاني من مخلفات مرض السّكّري، أو ما يُسمّيه الطب “التأثيرات (أو الأعراض) الجانبية” للمرض، ولكن ذلك لم يمنعْهُ من النشاط الدّائم والتّرحال والنّضال أيضًا، فلم يقتصر نشاطه على الكتابة وإنتاج الأشرطة الوثائقية، وإنما شارك في إطلاق مبادرات مناهضة للإمبريالية، ومناهضة للعدوان الإمبريالي العسكري في إفريقيا وأمريكا الجنوبية، وفي أفغانستان والعراق وسوريا، وكان من القلائل الذين ندّدوا بقصف مواقع مدنية في ليبيا والسودان، خلال عقد الثمانينيات من القرن العشرين.

ويقول أنه اختلف مع “نوعام شومسكي” بشأن فلسطين وسوريا وروسيا والصين، لأن شومسكي صهيوني حتى النّخاع، لكنه يُتْقِن تغليف مواقفه المعادية للشعب الفلسطيني، وللشيوعية، بخطاب معادٍ للإمبريالية، في ظاهره، على أن يكون “الحل” (بحسب رأيه) من داخل النظام الرأسمالي، وليس بديلاً له، أما عن فلسطين، فيعارض بشدّة “حق عودة اللاجئين الفلسطينيين”، لأنه يتمسّك بالكيان الصهيوني، مع تغييرات طفيفة في الشّكل، وكان “شومسكي” قد قضى فترة من شبابه في مستعمرة من صنف الكيبوتز، في فلسطين المحتلة…

كان والد “أندريه فلتشك” فيزيائيًا نوويًا تشيكيًا وكانت والدته رسامة روسية صينية. نشأ في وسط أوروبا، ثم أصبح أمريكيا في نهاية فترة المراهقة، بعد هجرته بجواز سفر سوفييتي، لكنه عندما أصبح صحافيا وكاتبا، كان يقيم في آسيا وأفريقيا، معظم الوقت، حتى وفاته.

عاش في الولايات المتحدة وتشيلي وبيرو والمكسيك وفيتنام وساموا وإندونيسيا…

يمكن التعريف به كالتالي:

أندريه فلتشك (تُقْرأ “فلوتشيك”) فيلسوف وروائي وصانع أفلام وصحفي استقصائي. غطى الحروب والصراعات في عشرات البلدان، أقام لفترات طويلة خارج الولايات المتحدة، حيث تنقل حول العالم، وكتب تحقيقات موثّقة وأنجز أشرطة وثائقية، أهمها شريط “رواندا غامبيت” عن رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وكتب نحو عشرين كتابًا متوفرة بحوالي أربعين لغة، أهمها “التفاؤل الثوري والعدمية الغربية”،  وروايات، أهمها “أورورا” (رواية ثورية)، واشتهر كتابه “كَشْف أكاذيب الإمبراطورية”، ليصبح من الكتب الأكثر مبيعًا…  

كان من القلائل الذين كتبوا عن المجازر التي ارتكبها جيش إندونيسيا، وكذلك جيش ماليزيا، بإشراف وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ضد الشيوعيين سنة 1965، وتواصلت المجازر حتى سنة 1966، وتواصل معها اعتقال واغتيال المُثقّفين التقدّميين والأدباء والفنانين والإعلاميين، وصرّح:  

“كانت إندونيسيا مهد حركة عدم الانحياز، مع الرئيس سوكارنو، وكان الحزب الشيوعي الإندونيسي آنذاك ثالث أكبر حزب شيوعي في العالم، بعد الحزب الشيوعي الصيني وحزب الاتحاد السوفيتي، وكان من الممكن أن يفوز بسهولة في انتخابات عام 1966 بشكل ديمقراطي ومريح، وهو ليس بحاجة لتدبير انقلاب، كما ادّعت المخابرات الأمريكية، وكان الإنقلاب المزعون ذريعة لارتكاب تلك المجازر…

كانت الحكومة قد أمّمت جميع الموارد الطبيعية الرئيسية، وكان اقتصادها ينمو بشكل سريع، ثم أصبحت بعد الإنقلاب على سوكارنو دولة فقيرة… ” 

بعد الإنقلاب اعتقلت السلطات الأندونيسية الكتاب والمثقفين والصحافيين، طيلة سنتي 1965 و 1966،  وأغلقت المسارح، واقتصرت دور السينما على نشر ثقافة “هوليود”، وتكاثرت عمليات الإعتداء والإغتصاب التي يقترفها عناصر الجيش والمليشيات اليمينية…  

من أقواله:  

“كنت أعتقد أنني شيوعي، لكنني كنت إصلاحيًّا، في الواقع. كنتُ متأثرًا بشكل عميق بالدعاية الغربية ففقدت كل ما لدي، عندما كنت في تشيكوسلوفاكيا، وفي بدايات إقامتي بالولايات المتحدة… أصبحت شيوعيًّا عندما أدركت، وأنا في الولايات المتحدة، أن واقع الغرب كان مختلفًا تمامًا عما سمعته من وسائل الإعلام الدعائية.” 

كتب في تقديم كتابه “ما لا يُفترض أن تقرَأهُ” (باللغة الرّوسية) يوم الثاني من آب/أغسطس 2019 : 

لقد ولدت في روسيا ، في الاتحاد السوفيتي، في مدينة كانت ولا تزال مدينة جميلة بشكل مذهل على نهر نيفا، تسمى لينينغراد، التي بقيت دائمًا بداخلي، تسْكُنُنِي حيثما كُنْتُ.

وفي حوار مع موقع ( Countercurrents ) بنهاية كانون الأول/ديسمبر 2018، يقول “أندريه فلتشيك”:

“لقد ولدت في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، في مدينة لينينغراد الجميلة بشكل لا يصدق، التي بناها بيتر العظيم المجنون وعدد قليل من المهندسين المعماريين الإيطاليين والفرنسيين، على شواطئ نهر نيفا الواسع والقوي، بالقرب من المستنقعات التي ينتشر فيها البعوض. لم أعيش هناك طويلاً، ثلاث سنوات فقط أو نحو ذلك، لكن المدينة بقيت دائمًا في داخلي”.

أما عن لينينغراد رمز المقاومة فيقول: “كان حصار لينينغراد أطول حصار عسكري، وكانت معركة شعبية، فريدة من نوعها، ضد الغُزاة النّازيّين… لا يوجد نظام استبدادي يمكنه حشد الناس بهذه الطريقة. في حالة الاستبداد ، لا يقاوم الناس العدو، بل ينتهزون الفرصة لينضموا إلى العدو ، لكنلم يحدث ذلك  في لينينغراد، بل تجَنّد الناس دفاعًا عن مدينتهم وعن وطنهم…”.

انفصلت أنا وروسيا عن بعضنا البعض، ربما في عهد ميخائل غورباتشوف أو بوريس يلتسين.

تعرض الناس في روسيا، وفي بلدان أوروبا الشرقية، خلال عُقُود، وبالأخص خلال فترة حكم “ميخائيل غورباتشوف” و “بوريس يلتسين”، إلى عملية غسيل دماغ، من خلال وسائل الدعاية الغربية، عبر موجات الراديو القصيرة ، والبرامج التلفزيونية القادمة من ألمانيا الغربية، مثل صوت أمريكا وراديو أوروبا الحرة وبي بي سي باللغات الإنجليزية والروسية والتشيكية…

أنا مناضل أممي ومناهض للاستعمار.

لقد عملت في حوالي 160 دولة ، أكتب عن الرعب الذي تنشره الإمبريالية الغربية، وتعرضت – بسبب ذلك-  للإعتقال والتعذيب، بل وحُكم عليّ بالإعدام. 

روسيا بلدي هي روسيا المبادئ والعدالة والشجاعة التي قاتل من أجلها أجدادي، وليست روسيا المفتونة بأكاذيب أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية، التي تعرضت (بسبب هذا الهَوس بالغرب)  للإهانة والسرقة والدمار من قبل الوصوليين والإنتهازيين والسوقيين، بدعم من واشنطن ولندن وباريس. 

قاتلت جدتي الجيش الألماني الذي حاصر لينينغراد، وحصلت على وسام الشجاعة، وساعدت في الدفاع ثم إعادة بناء مدينتها.

 كان جدي، شيوعيًا، ووزيرًا في مجلس الوزراء السوفيتي، ومن أصل صيني من كازاخستان.  شغل مناصب وزارية للرعاية الطبية والإمدادات الغذائية. تمت إدانته باعتباره جاسوسًا يابانيًا قبل الحرب ( عندما تمكنت شبكات التجسس الألمانية من التسلل إلى شبكة اتصالات المخابرات السوفيتية وقدمت معلومات مزيفة إلى القيادة السوفيتية، مما أضعفها بشكل كبير قبل تلك الحرب). تم إعدام جدي. ثم “أعيد له اعتباره” بعد وفاته، عندما ظهرت الحقيقة أخيرًا…

بعد هدم الاتحاد السوفياتي، جاع العُلماء والباحثون، وانخفض متوسط العمر المتوقع للشعب الروسي إلى مستويات أفريقيا جنوب الصحراء.

بمجرد أن تلاشت الأممية السوفيتية، انهارت روسيا، وبدأت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا في نهب العالم الجامح: العراق وصربيا وليبيا … 

لم أرد أن تركع روسيا – أردت أن تقاتل، أردت عودة الاتحاد السوفييتي. شعرت بالحرج من رؤية الرأسمالية الرخيصة والفاسدة، التي حَلّت محل القِيم والمثل الشيوعية والأممية.

أنا أتحدث اللغة الروسية بطلاقة. إنها “لغتي الأم”، لكن اللغة الإنغليزية هي “لغة عملي”، لغة الصراع الإيديولوجي، وهي اللغة التي كتبتُ بها حوالي 15 كتابًا

أصبحت اللغة الإنغليزية لغتي التي أستخدمها في الجبهة الفكرية والأيديولوجية، من أجل إظهار بعض الحقائق عن روسيا والصين وفنزويلا وكوبا وسوريا والعديد من البلدان الأخرى. 

أنا لا أؤمن بـ “الموضوعية” التي تُستخدم ذريعة لتدمير العقول، عبر نشر الكذب وللتستر على الجرائم المرتكبة في جميع أنحاء العالم.

أنا أحاول محاربة الدعاية الغربية بمقالاتي وكتبي وأفلامي،  ومن خلال محاربتها، أحاول حماية كل من روسيا التي أحبَبْتُها، وحماية جميع هؤلاء الواقعين تحت الإستعمار، في جميع أرجاء العالم.

إنني أعتقد أن الإمبريالية الغربية هي الخطر الحقيقي الوحيد الذي ينهب ويقتل ويخدع قارات بأكملها لقرون، والخطر الحقيقي الوحيد الذي يواجهه كوكبنا الآن، لأن الإمبريالية تبث السموم، وأحاول أن تكون كتاباتي جرعة من لقاح مضادّ لأكاذيب وسائل الإعلام السائدة، ومراكز الدراسات والبحث. أما المنظمات غير الحكومية لأمريكا الشمالية وأوروبا، فإن هدفها الوحيد هو بث الفكر العدمي، وتحويل الضحايا إلى كائنات سلبية، لا تخدم مستقبلها ولا مستقبل بلادها وشعبها. 

كان يتحدث عدّة لُغات، بطلاقة، وترجم العديد من المقالات، وسافر إلى معظم دول العالم، وغطى النزاعات المسلحة في بيرو، وفي “كشمير” والمكسيك والبوسنة وسريلانكا والكونغو والهند وجنوب إفريقيا وتيمور الشرقية وإندونيسيا وتركيا والمشرق العربي، وكتب مقالات نشرتها العديد من الصحف الأمريكية والأوروبية واليابانية، وأنتج أشرطة وثائقية عن المجازر ضد الشيوعيين في إندونيسيا سنتَيْ 1965 و 1966، وشريطا وثائقيا عن الشيلي، وشريطا عن اللاجئين من إفريقيا، إثر تدمير بلدانهم (الصومال نموذجا) من قِبَل الجيوش الأمريكية و”الغربية”، وساهم في تنظيم مؤتمرات وتجمّعات مناهضة لحلف شمال الأطلسي…

تناولت كتبه ثورة اكتوبر 1917، و “الإرهاب الغربي من هيروشيما إلى الطائرات بدون طيار” (2013) وكتب عن منطقة المُحيط الهادئ، وعن انهيار اندونيسيا بعد 1965، و”الإرهاب الغربي من بوتوسي إلى بغداد” (2006)   

أوردت صحف ( Le Grand Soir ) البلجيكية و ( Counterpunch ) الأمريكية (25 أيلول/سبتمبر 2020) حديثًين مُطوّلَيْن مع “أندريه فلتشيك”، كما أجرى معه موقع ( Countercurrents ) حوارًا بنهاية كانون الأول/ديسمبر 2018، ويمكن ترجمة أهم ما لفت انتباهي، في الفقرات التالية، وهي ترجمة تقريبية، وغير احترافية، اعتمدتُها بناءًا على ما كتبه وما قاله “أندريه فلتشيك”، في العديد من المناسبات: 

“لم يكن الأمر مجرد رفض للولايات المتحدة ؛ كنت أرفض الغرب بأكمله ، وخاصة أوروبا، التي هي أصل كل المشاكل والأهوال التي يواجهها العالم، وما الولايات المتحدة سوى مجرد نَسْل من أوروبا، لكن جوهر المشروع الاستعماري الغربي العالمي يأتي من أوروبا، بما في ذلك الجرائم الفظيعة التي ارتكبها المستوطنون الأوائل، الذين قدموا من أوروبا، فارتكبوا عمليات الإبادة والمحارق والمجازر ضد السكان الأصليين، وإدخال العبودية “.

إن المشكلة في الواقع ليست مع أمريكا الشمالية أو أوروبا، بل مع المنظومة الرأسمالية التي أصبحت في أعلى مراحلها، امبريالية، لكن لأندريه فلتشيك مزاياه، فقد كتب: “أحيانًا أكاد أَهْوى من الإرهاق، لكنني لم أندم أبدًا على السير في هذا الطريق، فمن واجبي الكفاح من أجل عالم اشتراكي أفضل، وهذه ليست تضحية، وإنما واجب، فالإنسان، كما يقول إرنست همنغواي، يمكن تدميره، لكنه لا يُهْزَمُ، فهو لم يولد للهزيمة، بل للمقاومة كلما سنحت الفُرصة… ” 

إن الحرب موجودة في كل مكان تقريبًا، وعندما يُناضل الإنسان من أجل العدالة والحرية ، فهو أفضل بكثير من بعض السلام الوهمي الذي خلقه المستعمرون الغربيون، لأن هذا النوع من “السلام” خطير للغاية، فالسلام، بالنسبة للغرب، يعني أن تضحي الدُّوَل الفقيرة بمواردها الطبيعية وبشعبها، من أجل أرباح الشركات والمواطنين الغربيين، وأن يبقى مواطنوها مستسلمين، خاضعين، ولا يقاومون الإستعمار، حتى لا يوصموا بالإرهاب، ولذا لا سلام إن لم توجد العدالة”، لذا يعتبر “فلتشك” أنه يجب مساندة أي دولة تحاول تحسين ظروف عيش مواطنيها، دون نهب العالم، ويصنف بوليفيا، كوبا ، الصين ، روسيا ، إيران ، كوريا الشمالية وفنزويلا، من بين هذه الدّول، من جهة أخرى، كرر “أندريه فلتشك” في عدد من الحوارات، بعض العبارات، منها: “لا يمكن التفاوض مع الفاشية والإمبريالية “، و  “على الدول المضطهدة المنهوبة أن تتحد وتقاتل”.  

يعتقد “أندريه فلتشك” أن صمود سوريا أَظْهَرَ إمكانية هزيمة الإمبريالية، ولذلك يجب عدم إبداء أي ضعف عند مواجهة الإرهاب الإمبريالي، بل يجب أن تعارض الشعوب وتواجه بحزم التهديدات والاستفزازات والعقوبات والترهيب، في الصين وفي روسيا وفي فنزويلا وإيران وسوريا، وغيرها… إن شعوب البلدان التي استسلمت وركعت، وهيمنت عليها الإمبريالية، مثل إندونيسيا وشرق إفريقيا والشرق الأوسط، وجنوب شرق آسيا، والهند التي بدأت تُقدّس قانون السّوق، تعيش الرّعب وإرهاب السّوق… 

خاتمة: هل هذا هو العالم الذي نريده؟

إن الجميع في خطر، في سوريا وإيران، في الصين وروسيا، كما في جميع بلدان أمريكا الجنوبية، لذلك علينا أن نتحد، وعلينا أن نضاعف جهودنا ونبذل قصارى جهدنا لنُبلّغ صوتنا…

يجب على كل القوى المناهضة للإمبريالية أن تتحد وتقاتل، دون انتظار دعم الجمهور الغربي، حيث اندثر اليسار، ولم يبق للشعوب المُضْطَهَدَة حُلفاء ، وعلى اليسار في أمريكا الجنوبية وآسيا الإستثمار في وسائل الإعلام والتعليم وفي وسائل الدعاية المضادة…

نحن بحاجة إلى إعادة التفكير في “النظام العالمي” بأكمله، وعدم الإقتصار على مؤشرات “النمو الإقتصادي”، بل وجب التركيز على مسائل العدالة، وإعادة توزيع الثرواث، فلا يمكن إنقاذ الإنسانية إذا لم يتم تدمير النظام الرأسمالي، مصدر الإمبريالية والاستعمار الجديد، واستبداله بنظام ينشر يعتمد العدالة ويضع الإنسان في مقدمة مشاغله واهتماماته، وهذه أهداف تتطلب نضالاً وتضحيات وطول نفس، لأن الطريق طويلة وبها عقبات وعراقيل ومخاطر لا حَصْر لها، لأن رأس المال عنيف وقوي ومُسلّح بالإيديولوجيا ووسائل الإعلام، بالإضافة إلى الجيش والشرطة وجهاز القضاء وغير ذلك…    

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.