كلمات في موقف الأحزاب القومية من فلسطين وذكرى إنطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، عادل سمارة

بعيداً عن حرب الأكاديميا والتأريخ وخاصة الاستشراق الغربي والصهيوني ضد فلسطين والأمة العربية، وبعيدا عن التهام كثير من العرب ممن يحترفون الترويج لأبدية ضعف العرب والتخصص في خدمة الأنظمة الحاكمة وتضخيم أصغرها(خدمة للتجزئة) حتى لو كان بحجم إمارة حيث يتم نفخها إلى إمبراطورية، مثلا أخرجت الجزيرة فيديو باسم “إمبراطورية عُمان” لم يأت على عروبة عمان بكلمة!

لا يخالطني الشك بأن هؤلاء الكتبة لا يكتبون من رؤوسهم بل مأمورين، ولذا لن يتغيروا.

واليوم، بمناسبة ذكرى إنتفاضة 1987 وانطلاقة الجبهة الشعبية وقريبا إنطلاقة حركة فتح، صار لا بد من تصحيح أخطاء وخطايا الفلسطينيين حتى نتمكن من استعادة الشارع العربي للقضية المركزية وصولا إلى بناء واقع عروبي يقاتل من أجل الدولة  العربية المركزية من أجل التحرير والنهوض العربي الوحدوي. وهنا لن أتعرض لأوغاد عقليا ينفخون القرية إلى أمة، لهذا حديث آخر.

كثيراً ما يكتب فلسطينيون نقداً لموقف العرب من فلسطين، ويخلطون بين موقف الشعب بل الأمة  وموقف الأنظمة وهما على تناقض مطلق تماماً، فتتم إهانة الأمة في تلبيسها مواقف الحكام!

هذا مع أن إحدى حقائق التاريخ العربي القريب، هذا إن جازت تسمية القرن الأخير تاريخا وليس زمنا جارياً، هي أن الأمة العربية لم يجر استفتاؤها على أي شيء إطلاقا، ولا على اي حدث، ولا على أية تطلعات. وكل ما حدث هو مواقف حكام معظمهم جرى تنصيبه على يد الاستعمار وبإرشادات صهيونية. أما الحكام الذين قاموا بانقلابات وثورات فمن بينهم من كان وطنيا ولكن ليس قوميا بمعنى انهم كانوا محكومين بالقُطرية وفي افضل الحالات بمحور مقابل محور وكل ذلك إعاقة للوحدة والتحرر والتحرير. طبعاً عزمي بشارة في محاضراته في مستوطنة قطر الثقافية يعتبر هؤلاء رُعاعً وريفيين، ممتطيا ومحرِّفا قراءة غرامشي لمشكلة ريف إيطاليا،  وليسوا ارستقراطيين، وكأن حكام النفط ارستقراطيين من طراز آل بوربون ورومانوف …الخ حيث يقوم بالتنظير للديمقراطية ضد الجمهوريات اي انه بالمعنى المعكوس يعتبر الديمقراطية ملائمة لحكام مشيخات النفط!!

ما ارمي إليه من هذا مسألة محددة وهي أن الأمة العربية لم تتخلى عن فلسطين وبانها كانت ولا تزال ملجومة عن ذلك. واليوم يتم توسيع هجمة اللجم إلى كتابة تاريخ جديد بعقل صهيوني، وخاصة من الإمارات والسعودية، ينفي حق الفلسطينيين في وطنهم. وهذا أمر طبيعي في عصر الانحطاط العقلي والأخلاقي.

لكن مرة أخرى، ولكي نُعيد القضية إلى عمقها الشعبي العربي، يجب وقف أخطاء الفلسطينيين وخاصة الخطأ الذي تجسد في محاولة فك القضية الفلسطينية عن عمقها العربي.

لم يتم الإنحراف إلى  الإقليمية الفلسطينية بعد هزيمة 1967 كما يزعم البعض، بل ما حصل بعد هذه الهزيمة هو نشوة الإقليمية الفلسطينية بالانعزال عن العرب حتى قاد هذا إلى الهلاك والذي أحد تجلياته اليوم إنكشاف الترابط العضوي والحبل السُرِّي والمصير الموحد  بين :

·       أنظمة سايكس-بيكو 1916 ووعد بلفور 1917 وإعلان معظم هذه الأنظمة العربية عن علاقتها القديمة الحميمة بالكيان وما وصف ذلك بالهرولة سوى تأخير في تاريخ هذه العلاقة وكأنها تحدث اليوم.

·       ويشمل هذا أنظمة “سايكس بلا بيكو” أي قيام بريطانيا بتخليق كيانات الخليج منذ خمسينات وخاصة سبعينات القرن العشرين. 

·       كما يشمل  “بيكو  بلا سايكس” أي سياسة فرسا في المغرب العربي الكبير حيث قامت فرنسا بإعطاء استقلالات شكلية لتونس والمغرب خوفا من امتداد الثورة الجزائرية إليهما وبالتالي توحيد المغرب الكبير.

·       واليوم تجمع الثورة المضادة تراث كل هذه الكوارث عبر ربيع/خريف عربي محركه وأستاذه الاستشراق الإرهابي وجيوشه من إرهاب قوى الدين السياسي ووقوده كامل الوطن العربي.

إثر هزيمة 1948 لم يتوقف النضال الفلسطيني ضد الكيان الصهيوني، كما لم تتوقف الأحزاب القومية عن النضال ضد الكيان وخاصة القوميين العرب والبعثيين وطبعا مصر عبد الناصر، والجميع يعرف دور الشهيد المصري مصطفى حافظ الذي قاد المجموعات الفدائية من غزة وعبد الحميد السراج من دمشق خلال عقد الخمسينات.  أي أن الأحزاب القومية لم تتخلى عن فلسطين.

في النصف الأول من الستينات دار خلاف بين حركة القوميين العرب وحركة فتح حول آلية النضال ضد الاحتلال (أنظر فلسطين ملحق جريدة المحرر اللبنانية في حينه) وهو ما وُصف في حينه:

·       موقف فتح –التوريط أي جر مصر لحرب مع الكيان وكان عبد الناصر حينها يؤكد بأن مصر ليست جاهزة للحرب.

·       وموقف القوميين العرب وهو ما فوق الصفر وما تحت التوريط وهو موقف متفق مع عبد الناصر. يزعم د. محمد إشتية أن عبد الناصر كان يلجم القوميين العرب في كتابه “موسوعة المصطلحات والمفاهيم الفلسطينية-تحرير د. محمد إشتية-المركز الفلسطيني للدراسات الإقليمية2008 ص ص 13-14.

في عام 1964 اتفقت حركة القوميين العرب مع العقيد وجيه المدني قائد جيش التحرير الفلسطيني على تشكيل منظمة أبطال العودة وكان الشهيد الحاج فايز جابر هو ممثل الحركة ومسؤول عنه الشهيد د. وديع حداد، ثم منظمة شباب الثأر لنفس حركة القوميين العرب. وتم تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق:

·       الخليل وبيت لحم مسؤولها فايز جابر

·       ورام الله والقدس مسؤولها عادل سماره

·       وجنين ونابلس وطولكرم مسؤولها ابو علي مصطفى.

أي ان ابطال العودة وشباب الثأر هما منظمتان من حركة القوميين العرب ولم تقوما منفصلتين ثم تنضما للحركة أو للجبهة الشعبية كما يزعم البعض.

وخلال تلك الفترة كان السيد أحمد جبريل قد أنشأ منظمة جبهة التحرير الفلسطينية في الشام بالاتفاق مع السلطة السورية.

كما كانت منظمة فدائية لحزب البعث في تلك الفترة ايضا، وهو ما عرفته في سجن المحطة في عمان 1965 حيث كان معتقلا معنا حينها أحد مسؤوليها الراحل سمحان سمحان وهو من قرية دير أبو مشعل.

رغم الضربة القاصمة التي وجهتها مخابرات النظام الأردني بقيادة محمد رسول الكيلاني ضد القوميين العرب والبعثيين، إلا أن حركة القوميين العرب لم تتوقف،” لا أعلم كيف كانت ترتيبات البعث”.

أوكلت الحركة ل د. وديع حداد إعادة ترتيب وضعها في الأردن فتم تقسيم المعتقلين إلى ثلاثة فئات:

·       فئة العودة للحزب فورا، وهي التي كانت أصلب في التحقيق

·       وفئة مؤجلة

·       وفئة تُترك كأصدقاء.

واصلنا في الفئة الأولى إعادة بناء الحركة وخاصة ابطال العودة إلى أن حصلت حرب 1967. حيث قطعت دراستي وعُدت من بيروت إلى الضفة يوم الإثنين  3 حزيران 1967 كي نكون جاهزين في منظمة أبطال العودة على اعتبار أن الحرب واقعة وخاصة بعد أن أغلق عبد الناصر مضائق تيران.

بعد الحرب بشهرين خرجت إلى عمان لإعادة الاتصال بالحركة، وحينها فهمت أنه تم حل حركة القوميين العرب (طبعا لا زلت ضد هذا القرار) وتم تشكيل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وعدت من عمان تسللاً.

بحل حركة القوميين العرب، برأيي،  وقعنا في فخ الإقليمية الفلسطينية.

جرى تشكيل الجبهة بقيادة مكونة من :ابو علي مصطفى مسؤول التنظيم والضابط عبد الله العجرمي، وعزمي الخواجة (على قيد الحياة رغم المرض)  وأحمد خليفة (على قيد الحياة) وعادل سماره، ولاحقا جرى تعزيز القيادة ب الراحل تيسير قبعة وأسعد عبد الرحمن (على قيد الحياة) . لم يكن بيننا أحدا من القوى المنضمة حينها للجبهة الشعبية اي جماعة أحمد زعرور وأحمد جبريل ومنظمة يساريه من حزب البعث (كما اذكر) .

لم يكن الراحل فيصل الحسيني معنا اي بعكس ما ذكر د. إشتية في كتابه المذكور أعلاه.

كان فيصل في حركة القوميين العرب حتى 1965 وكان معنا في رام الله في المرتبة القيادية :عزمي الخواجا وصليبا حنحن (غادر إلى أمريكا)  وإبراهيم النادي (لا أعرف اين هو)  وبشير الخيري (على قيد الحياة) وعادل سماره. كان فيصل نائب الراحل احمد صدقي الدجاني مدير دائرة التنظيم الشعبي في م.ت.ف في مكتب القدس.

وحين اعتقالات 1965 في آذار ونيسان لم يُذكر فيصل في التحقيق وغادر إلى الشام وبعدها قطع صلاته بالقوميين العرب وعمل ضابطا في منظمة التحرير وبعدها في حركة فتح. وحينما اعتقل في تشرين أول 1967 لم يكن على ذمة الجبهة الشعبية إطلاقا كما أن عبد الله العجرمي لم يكن مع فيصل الحسيني بل لم يكن قد دخل الضفة الغربية بعد بل جاء مع مجموعات الجبهة الشعبية، أي بعكس ما كتب د. إشتية

كانت انطلاقة الجبهة الشعبية إثر عملية مطار اللد 11 كانون أول 1967 التي كانت من مقاتلين من فرعي القوميين العرب اي ابطال العودة وشباب الثأر ومنظمة أحمد جبريل حيث كنا جميعا ضمن الجبهة الشعبية وقاد المجموعة محمد جابر شتا (أبو جابر) واستشهد في أرض المعركة صائب سويد وجُرح ابو جابر وحمله فايز حسن من منطقة المطار حتى قريتنا بيت عور الفوقا حيث كانت فيها مجموعتا الفدائيين شمالها وجنوبها ولم يتم أسر اي فدائي.

لم تفشل العملية  بل اصطدمت في حدود المطار مع معسكر ليلي متحرك لجيش العدو كان كما يبدو في دورية ليلية وجرى الاشتباك وقتل منهم جنودا وأتى جرحى لاحقا في المحكمة كشهود ضد الفدائيين.

بعد  المعركة قرر الراحل عبد الله العجرمي والراحل إبراهيم رجا سلامه ، دون أن يُعلموا بقية القيادة، إرسال أحد الفدائيين لأخذ سلاح ابو جابر وفايز حسن حيث تم دفن السلاحين في مكان قرب قرية نعلين لأن فايز اضطر لاختيار حمل الجريح وليس السلاح، ولو كنا نعلم لأخذنا الاحتياط بعدم التواجد في البيوت، وكان ذلك خطئا فادحا حيث ان الرجل من فلسطينيي الشام لا يعرف المنطقة، وجرى اعتقاله على يد دورية من حرس الحدود الصهيوني، وإثر ذلك تم ضرب مجموعة الفدائيين شمالي قريتنا حيث استشهد ابراهيم النجار وجُرح تحسين الحلبي، وجميل سماره وأُسرت  بقية المجموعة واتسعت الاعتقالات ضد التنظيم حيث أعتقلنا يوم 15 كانون الثاني 1967، وتم هدم بيتي يوم 17 كانون أول 1967.

هامش1: حبذا لو يتخلص الفلسطينيون من التسابق على:  نحن اول تنظيم قام بالعمل الفدائي لأن العمل بدأ منذ 1917، وتصحيح الزعم ان انتفاضة 1987 هي الأولى بل هي الكبرى، وانتفاضة 2000 هي الثانية لأن انتفاضات الشعب الفلسطيني عديدة منذ بداية القرن العشرين.

هامش 2: عام 2015 حصلت بدايات لانتفاضة بعمليات فردية  جرت تسميتها الثالثة بدأها مهند الحلبي وحينها نشرت جريدة القدس العربي ( قطرية الهوى وأبعد) نص بيان رقم (1) لإسم بلا وجود هو “الجبهة الوطنية المتحدة لتحرير فلسطين” وبأنها فجرت انتفاضة ثالثة وطبعا وراء ذلك العميل اللبناني د. يحيى غدار صاحب ورقة صرخة من أجل دولة مع المستوطنين! وأدواته هنا.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.