تونس، في ذكرى “انتفاضة الخبز”، الطاهر المعز

استخدمت الدولة قوات الجيش، إلى جانب قوات الأمن الدّاخلي (الشرطة والدّرك) لقمع الإضرابات، في “قصر هلال” (تشرين الثاني/نوفمبر 1977) وقمع المُشاركين في الإضراب العام والمظاهرات، يوم الخميس 26 كانون الثاني/يناير 1978، وارتفعت ميزانية الجيش، بعد تهميشه، ليتحوّل دَوْرُهُ من “الحياد”، و”حماية الحُدُود” (نَظَرِيًّا، على الأقل) إلى قُوّة قمع داخلي، وتضاعف الإنفاق العسكري أربع مرات، خلال فترة وجيزة، وارتفعت الإنفاق على توريد الأسلحة، الأمريكية، بشكل خاص.

ظهر هذا التّحوّل في دور الجيش، بمناسبة “أحداث الخبز”.

انطلقت “انتفاضة الخبز”، إثر الإعلان عن تطبيق أوامر صندوق النقد الدّولي، وزيادة أسعار الخبز، وهو غذاء أساسي، بنسبة 100% ورفع أسعار مشتقات الحبوب، مثل العجين الغذائي، بمعدّل 70%، وانطلقت هذه الإنتفاضة، من مدينة “دُوز” يوم السابع والعشرين من كانون الأول/ديسمبر 1983، وهو يوم السّوق الأسبوعية، وانتشرت المظاهرات، رغم إطلاق الرصاص الحي، من قِبَل الشرطة والدّرك، ثم الجيش، في بقية مُدُن الجنوب الغربي (قبلي وسوق الأحد…) ثم بالجنوب الشرقي (الحامة، وقابس، ومدنين وتطاوين…) والوَسَط الغربي  (القصرين وقفصة…)، وبلغت الإحتجاجات مدينة “تونس”، صباح يوم الخميس، الثالث من كانون الثاني/يناير 1984، وتواصلت المُظاهرات في كافة أنحاء البلاد، حتى السادس من كانون الثاني/يناير 1984، رغم إعلان حالة الطوارئ، وحَظْر التّجوال، إلى أن أعلن الحبيب بورقيبة بنفسه إلغاء (تأجيل) الزيادات، عبر التلفزيون، يوم السادس من كانون الثاني/يناير 1984، وأعلنت البيانات الرسمية وفاة سبعين شخصًا، فيما أعلنت مجلة “جون افريك” (إفريقيا الشابة)، التي يمتلكها وزير تونسي سابق، 143 قتيل، ومعظم الضحايا كانوا من ضواحي المُدُن الكبرى والأحياء الفقيرة، وقدّرت بعض المنظمات الحقوقية عدد القتلى بالمئات، وقد يفوق ستمائة، وعدد الجرحى بأكثر من ألف، مع الإشارة أن “زين العابدين بن علي” كان مسؤولاً عن “الأمن” خلال إضراب 1978 (كان مُديرًا عامّا للأمن الوطني) وكذلك خلال “انتفاضة الخُبز” (كاتب دولة للأمن الوطني)، قبل أن يُصبح وزيرًا للداخلية، سنة 1986، ورئيسًا للوزراء، سنة 1987، لقترة قصيرة (حوالي ثمانية أسابيع) قبل انقلاب السابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1987…

استهدف المتظاهرون رُمُوز الدّولة، ومؤسسات القمع، ومحلات الحزب الحاكم (الحزب الدستوري) والمؤسسات المالية، مثل المصارف وشركات التّأمين، ورُمُوز الثّراء، وأعلنت الحكومة حالة الطوارئ ومنع التجوال، من الخامسة مساءً إلى السادسة صباحًا، وتعطيل الحياة اليومية وتمديد عطلة مؤسسات التعليم، واستغل جهاز الشرطة حالة الطوارئ لتنفيذ خملة واسعة من الإغتيالات والاعتقالات، تلتها مُحاكمات مُستعجلة، للنقابيين والمناضلين السياسيين ومن أبناء الفُقراء، في ظل حالة الطوارئ التي تواصلت حتى 25 كانون الثاني/يناير 1984، وبلغت الأحكام السجن المُؤَبّد، لمن اعتبرتهم الحكومة (وجهاز القضاء) مجرمين ومخربين.

انطلقت الإحتجاجات على إلغاء دعم المواد الغذائية من المناطق الأكثر فَقْرًا وتهميشًا، في جنوب البلاد، ثم انتقلت إلى المُدُن والأحياء الفقيرة، في كافة مناطق البلاد، في ظل صراع بين أجنحة الحزب الحاكم والنظام، بعد إصابة رأس النظام (الحبيب بورقيبة) بالخرف وبجنون العظمة، وبعد فقدان النظام رئيس حكومته، “الهادي نويرة” (1970 – 1980)، أحد رموز الثراء والإقتصاد الرأسمالي الليبرالي، وأحد ركائز السياسات التي فَرَضَها صندوق النقد الدّولي…

بعد حوالي سنتَيْن من انتفاضة الخُبز، عادت الدّولة إلى تطبيق شروط صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي، وإقرار “برنامج الإصلاح الهَيْكَلِي”…

انطلقت انتفاضة 17 كانون الأول/ديسمبر 2010 – 14 كانون الثاني/يناير 2011، من المناطق الحرومة، غربي البلاد، قبل أن تعمّ المُدُن وتصل العاصمة، ولا يزال الفُقراء والمُعطَّلُون عن العمل ينظمون احتجاجات محصورة ومحدودة الإنتشار، تُطالب بالتنمية وبالتشغيل…  

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.