بعض مؤشرات الوضع العالمي: ماذا أعدَدْنا لسنة 2021 ؟ الطاهر المعز

​نشر صندوق النقد الدّولي، يوم 12 تشرين الأول/اكتوبر 2020، “تقرير آفاق الإقتصاد العالمي”، وهو تقرير نصف سنوي، كما أصدر الصندوق تقريره السنوي، يوم 21 كانون الأول/ديسمبر 2020، وتتضمن هذه التّقارير الهامة، العديد من البيانات والأرقام، وهي في ذات الوقت تقارير سياسية وإيديولوجية، يرَوّج (ويَفْرِضُ)، من خلالها، صندوق النقد الدّولي الحلول التي تخدم مصالح الشركات الإحتكارية العالمية، ومن ورائها مصالح القوى الرأسمالية العُظْمَى التي بلغت مرحلة الإمبريالية.

تميّزت سنة 2020 بانتشار جائحة “كوفيد 19″، واستغلت معظم أنظمة وحكومات العالم هذه الجائحة لتلجيم حُرّيّة الرأي والتعبير، ولتكثيف الإستغلال، في إطار خطة استراتيجية شاملة، تتضمن إعادة هيكلة الرأسمالية والقوى العاملة والعلاقات الدّولية…

قَتَل وباء “كوفيد19” أكثر من مليون شخص، خلال العام 2020، ومع ذلك لم تُلْغِ القوى الإمبريالية حِصار العديد من الشُّعُوب المُضْطَهَدَة، في كوبا واليمن وسوريا وإيران وفلسطين، ويشمل الحصار الغذاء والدّواء، فيما يتوقع البنك العالمي وصندوق النقد الدّولي (الأدوات التنفيذية للإمبريالية، في المجال الإقتصادي والمالي) زيادة كبيرة في عدد الفقراء الذين يُعانون من “الحرمان الشديد”، بسبب الركود الإقتصادي، والإنحسار (الإنكماش)، وبسبب اختيارات الأنظمة الحاكمة التي وَزّعت المال العام على الشركات، بشكل مُكثّف، للمرة الثانية منذ أزمة 2008/2009.

تَوَقَّعَ صندوق النقد الدّولي خلال الربع الأخير أن يكون معدل نمو الإقتصاد العالمي سلبيا ليبلغ -4,4% (ناقص 4,4% )، سنة 2020، مُصحِّحًا بذلك توقعاته التي كانت أكثر سلبيةً، في تقرير “مستجدات آفاق الاقتصاد العالمي” (حزيران/يونيو 2020)، ومن المتوقع أن يبلغ معدل نمو الإقتصاد العالمي 5,2% سنة  2021، أو أعلى قليلاً من مستوى سنة 2019، لكن ارتفاع نسبة النمو، ليس مقياسًا لتحسن مستوى معيشة الأفراد والأُسَر أو الفئات العاملة والأُجَراء، بل تُشير نفس التّوقعات إلى تعميق الفجوة الطّبقية، وإلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة سنة 2020، كما سنة 2021، رغم توقعات زيادة نمو حجم الإقتصاد…

وَرَدَ في التقرير السنوي الصادر عن صندوق النقد الدذولي، في الواحد والعشرين من كانون الأول/ديسمبر 2020، أن الدّول ضَخّت 12 تريليون دولارا ضمن إجراءات “إنقاذ الأرواح ووضع حد لهبوط الإقتصاد العالمي”، بالإضافة إلى “تدابير السياسة النقدية” التي كلفت شُعوب العالم حوالي 5,7 تريليونات دولارا، ولم تستفد الفئات الكادحة والفُقراء من هذه المبالغ (من المال العام)، وإنما استفاد منها أثرى الأثرياء، والشركات العابرة للقارات، وتعرض تقرير الصندوق بعجالة لما يتعرض له المواطنون في العالم من “تحدّيات وتغييرات”، ومنها “تصاعد مستويات عدم المُساواة والتّغييرات التي طرأت على عالم العمل، وآثار التكنولوجيا على مستوى الرواتب” (التي سوف تنخفض، مقابل زيادة أرباح الشركات والمصارف)، مع الإشارة أن تقارير البنك العالمي وصندوق النقد الدّولي تُؤكّد على تطبيق السياسات الرأسمالية بحذافيرها، فيما سُمِّيَ “إصلاحات اقتصادية هيكلية”، وتُدْرِجُ فقرةً عن “ضرورة دَعْم وحماية المواطنين المُعَرّضِين لمخاطر الفقر والهشاشة، وتحقيق أهداف التنمية المُستدامة”، وتُعدّ مثل هذه “التّوصيات” نشازًا، وحشْوًا، مناقضًا لجوهر شُرُوط المُؤَسَّسَتَيْن، والتي تتضمن خفض الإنفاق الحكومي، وتسريح الموظّفين وإلغاء دعم المواد والخدمات الأساسية…

بعد فترة قصيرة، في بداية العام 2021، نشر البنك العالمي تقرير “الآفاق الإقتصادية العالمية”، يوم الثلاثاء الخامس من كانون الثاني/يناير 2021، ويتوقع انكماش الإقتصاد العالمي بنسبة 4,3% (سالبة أي – 4,3% ) سنة 2020، ونموًّا بنسبة 4% سنة 2021، لكن هذا النمو لن يتجاوز 2% في الوطن العربي، ونحو 2,5% في بلدان إفريقيا، جنوب الصحراء الكبرى، ويُعلّل مُعِدُّو التقرير هذا التراجع “بالخسائر الفادحة التي سَبّبَها الوباء من وفيات وإصابات، ما دفع بحوالي تسعين مليون شخص إضافي إلى الفقر المدقع”، ويؤكّد التقرير، كما كافة تقارير البنك العالمي (وشقيقه صندوق النقد الدولي ) على “أهمية دعم التعافي الاقتصادي، من خلال تسهيل السلطات دورة إعادة الاستثمار التي تهدف إلى تحقيق نمو مستدام أقل اعتماداً على الدين الحكومي… (بل اعتمادًا على ) تحسين بيئة الأعمال، وزيادة مرونة سوق العمل والمنتجات، وتعزيز الشفافية والحوكمة”، وتُشير مجمل هذه التقارير إلى الأضرار الكبيرة التي لحقت اقتصاد البلدان التابعة، أو ما تُسميه التقارير “الأسواق الناشئة” أو “النامية”…

في المقابل، أظْهر مُؤشّر مؤسسة “بلومبرغ” للأثرياء ( 500 من أصحاب مليارات الدولارات)، يوم الجمعة الثامن من كانون الثاني/يناير 2021، ارتفاع ثروات “إيلون ماسك” صاحب شركة “تيسلا” (195 مليار دولارا)، و”جيف بيزوس”، صاحب شركة “أمازون” (185 مليار دولارا) و”بيل غيتس” ( 134 مليار دولارا)…

في البلدان العربية، أشار تقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (أونكتاد)، الذي نُشر يوم الإربعاء السادس من كانون الثاني/يناير 2021، أن اقتصاد دويلات “مجلس التعاون الخليجي” السّت تضرر بشكل كبير من انخفاض أسعار النفط وانخفاض الطلب عليه جرّاء الإغلاق وتعليق السفر، وخَسِرت هذه الدُّويلات حوالي 7,7% من قيمة صادراتها الحقيقية، سنة 2020، مقارنة بسنة 2019، التي كانت سيئة بدورها، لأن هذه المَشْيَخات لا تُنتج شيئًا غير النفط والغاز، ولا تُحَوِّلُهُ إلى مواد مُصنّعة (مُكَرّرَة) بل تُصدِّرُهُ خامًّا، ولا تستخدم عائدات المحروقات للإنفاق على الزراعة وعلى التصنيع والبحث العلمي، أو صناعة الأدوية…

على صعيد التجارة الدولية، انخفض حجم صادرات البلدان العربية بنسبة 5% تقريبًا، وبلغ حوالي 902 مليار دولار، بسبب وهو انخفاض صادرات النفط، وبلغ الحجم الإجمالي للواردات حوالي 830 مليار دولار، بزيادة خمسة بالمائة، وتستحوذ بلدان آسيا (خاصة الصين واليابان والهند) على حوالي 46% من صادرات المحروقات الخليجية، وتُشير جميع التوقعات إلى صُعوبات تمويل ميزانيات جميع الدّول العربية، وفي مقدّمتها دُوَيْلات الخليج…

انخفاض الإنتاج وارتفاع الثروات:

أشرنا في فقرة سابقة إلى ارتفاع ثروات أثرى الأثرياء، رغم الأزمة العالمية، ورغم إغلاق الحدود وتوقف حركة النّقل والتجارة الدولية وغيرها من القطاعات، فكيف يمكن تفسير هذه “الظاهرة”؟

نشرت الصحف ووسائل الإعلام المُختصة بشؤون الإقتصاد والمال، في بداية العام 2021، مجموعة من التقارير، يمكن تلخيص بعضها كالتالي: لم تعرف أسواق المال العالمية أزمة، سنة 2020، باستثناء بعض الإضطراب في بداية السنة، ما يُمثل نقيضًا للواقع أو للإقتصاد الحقيقي، الذي يُعاني من الركود، ومن الإغلاق…

سجلت الأسواق الأمريكية (مهد الإقتصاد الرأسمالي الإمبريالي المُعَوْلم) مستويات تاريخية، غير مسبوقة، منذ 2009 (عندما ضَخّت الحكومة الأمريكية أموال الشعب في خزائن المُؤسسات المالية) وحققت مؤشرات أسواق المال والأسهم مكاسب كبيرة للأثرياء والمُضاربين بالأسهم، في الولايات المتحدة، وكذلك في سوق الأسهم اليابانية (أعلى مستوى من المكاسب خلال ثلاثة عُقُود) وسوق شنغهاي بالصين الذي ارتفعت مؤشراته بنحو 12,6% سنة 2020…

لم يكن ارتفاع الإنتاج سببًا في هذا الإرتفاع، فالإنتاج انهارَ وتوقّفَ، بل وفّرت الحكومات (عبر المصارف المركزية) مَعْرُوضًا نقديًّا قياسيا، عبر طباعة الأموال أحيانًا، رغم ادعائها مكافحة التّضخّم، واستخدمت المصارف المركزية هذه السيولة في شراء الأصول (الأسهم) والسندات التي تراجعت عوائدها، وبذلك حققت الأسواق الأمريكية (ناسداك وستاندارد آند بورز وداو جونز ) مستويات قياسية بنهاية 2020، بزيادة نحو 15% في المتوسط، بنهاية السنة، بفضل تدخل الإحتياطي الإتحادي ( المصرف المركزي الأمريكي ) لدعم الاقتصاد من خلال خفض أسعار الفائدة إلى حدود الصفر، وصخ الأموال لشراء السندات والأصول، وانتهجت المصارف المركزية الآسيوية (الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند…)، والمصارف المركزية الأوروبية نفس الأسلوب، غير أن أسواق أوروبا (خاصة فرنسا وبريطانيا) تأثرت بالمفاوضات الشائكة بشأن خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، فكانت نسبة ارتفاعها أقل من مستوى الأسواق الأمريكية والآسيوية…

أدّى ارتفاع مؤشرات أسواق المال والأسهم (الأمريكية والآسيوية بشكل خاص)، إلى ارتفاع ثروات أكبر أثرياء العالم، خلال فترة انتشار الفيروس التاجي، والحبس المنزلي، وكتبت مجلة “فوربس”،  إن الثروة الإجمالية لمليارديرات العالم ارتفعت ( حتى 11 كانون الأول/ديسمبر 2020 ) بنسبة 20%، مقارنة ببداية سنة 2020، من 9,5 تريلونات دولارا، إلى نحو 11,4 تريليون دولارً، وتصدّرت الصين (التي لا يحكمها حزب لا يزال يثصر على وصف نفسه بالشيوعي) لائحة زيادة ثروات المليارديرات بمقدار 750 مليار دولار لتصل إلى تريليوني دولار، تليها الولايات المتحدة، حيث زادت ثروات المليارديرات بنحو 650 مليار دولار، لتصل إلى تريليوني دولار أيضا، وجاءت فرنسا في المرتبة الثالثة، حيث زادت ثروة  المليارديرات بمقدار 95 مليار دولار، إلى حد 500 مليار دولار…

إن التوقف عند بعض تفاصيل هذه الثروات الخيالية، المنهوبة من عرق الكادحين، ومن ثروات البلدان الفقيرة، بشكل خاص، يهدف إثارة مسألة خفض الضرائب على الثروات وعلى عمليات المُضارَبَة، بذريعة تحفيز الأثرياء والشركات على الإستثمار وعلى التّوظيف، وهي تعلّات واهية، وغير واقعية… أظهرت دراسة نشرها “معهد الدراسات السياسية” و منظمة “أمريكيون من أجل العدالة الضريبية (عن وكالة الصحافة الفرنسية 09 كانون الأول/ديسمبر 2020)، أن جائحة “كوفيد 19″، كانت فُرصة لزيادة ثروات أصحاب المليارات في الولايات المتحدة بأكثر من تريليون دولار، منذ بداية الجائحة، واستنتجت الدراسة “ضرورة فرض ضرائب أكبر على الأثرياء”، إذ ارتفعت ثروة نحو 651 مليارديراً أمريكا، من نحو 2,95 تريليون دولار في الثامن عشر من آذار/مارس 2020، إلى 4,01 تريليونات دولارا، يوم الإثنين السابع من كانون الأول/ديسمبر 2020، وصرح مدير معهد الدراسات السياسية: “لم تشهد الولايات المتحدة من قبل مثل هذا التراكم للثروة في أيدي قلة من الناس… إن قيمة أرباح الأثرياء، جراء الوباء، تتجاوز حزمة إنعاش الاقتصاد الأميركي التي ينظر فيها الكونغرس، ويمكن لأصحاب المليارات الأميركيين دفع فاتورة قرار إنعاش كبير مرتبط بـ(كوفيد) من دون أن يخسروا سنتاً من قيم ثرواتهم قبل انتشار فيروس كورونا…”، لأن أرباح الثروة البالغة تريليون دولار يمكن أن تغطي شيكات إنعاش بقيمة ثلاثة آلاف دولار لجميع الأميركيين البالغ عددهم نحو 300 مليون، وللتذكير فإن البيت الأبيض قدّم اقتراحاً (يوم الثلاثاء الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2020) وهو ليس الإقتراح الأول، “لخطة مساعدات للإقتصاد الأمريكي” بقيمة 916 مليار دولارًا.

في المقابل تُطالب بعض المجموعات السياسية الصغيرة والجمعيات الأهلية زيادة حجم الضرائب على الثروات، بهدف تقليص التفاوت (وليس القضاء عليه)، وأصبح بعض أعضاء الحزب الديمقراطي يُطالبون بزيادة الضرائب على ثروات الأثرياء التي شكلت نحو 3,5% من إجمالي ثروات ومُدَّخَرات الأميركيين، وقرابة ضعفي ثروات الأُسَر الأميركية الأقل ثراء البالغة نسبتها 50% من اجمالي الأسر الأميركية، واستفادت نسبة 1% من الأميركيين، من الجائحة، بينما فَقَد 26 مليون أمريكي وظائفهم، خلال أربعة أسابيع، وبينما يزداد عدد الفقراء في العالم، بحسب “معهد الدراسات السياسية” الأمريكي…

لا يقتصر الأمر على الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها تُمثل نموذج الإقتصاد الرأسمالي النيوليبرالي، ففي بداية السنة الجديدة (2021)، نشرت مؤسسة “بلومبرغ” معلومات عن أصحاب المليارات من الدولارات في العالم، حيث بلغت مكاسب عشرة أثرياء خلال العام 2020 نحو 471,4 مليار دولار، ومنهم (بالترتيب) إيلون ماسك المدير التنفيذي لشركة “تسلا” وجيف بيزوس، مؤسس شركة “أمازون” (أكبر بائع تجزئة عبر الإنترنت في العالم)، وتشونغ شانشان (الصين) و”كولين هوانغ” (الصين)، و”دان غيلبرت”، مؤسس شركة “روكيت كوس” (أمريكا)، ومارك زوكربيرغ، مؤسس “فيسبوك” وغوتام عدني (الهند) ، وستيف بالمر (أمريكا) وتسنغ يوكون (الصين)، وماكينزي سكوت (أمريكا)…

القطاعات المُستفيدة والمتضررة من الجائحة:

تأثرت قطاعات النقل والسياحة وتجارة التجزئة والعديد من قطاعات الإنتاج الذي توقّف، وأدّى إلى إفلاس العديد من الشركات الصغيرة والأفراد، بينما استفادت بعض القطاعات والمُؤسسات من جائحة “كوفيد 19″، مثل قطاعات الإتصالات ومنصات البيع أو التعليم عن بُعد، وشركات الإعلام والبث المباشر، وتطبيقات توصيل مختلف الطلبيات (البيع والشراء عن بُعد، أو التجارة الإلكترونية) وشركات صنع وبيع تجهيزات ومواد التعقيم والمستلزمات الطبية، وجاءت شركة “آمازون” العملاقة العابرة للقارات في مقدمة المُستفيدين (11 ألف دولارا كل ثانية)، فيما انتشرت أخبار الإستغلال الفاحش للعمال الذي حاولوا الإضراب، بسبب ظروف العمل السيئة والرواتب المنخفضة، وتجدر الإشارة أن العديد من الشركات الكُبرى العابرة للقارات (وخاصة الشركات ذات المَنْشَأ الأمريكي) تمنع تأسيس النقابات، ومنها أمازون وماكدونالد وولمارت وغيرها، إذ لاتحترم “أمازون” الحقوق الأساسية للعاملين، وتعرقل تأسيس النقابات، عبر طَرْد المُبادرين، منذ بداية محاولاتهم، كما اشتهرت بعدم احترامها شروط أمن وسلامة العاملين، ما يُفسّرُ تفشّي الوباء بكثرة في محلاتها لأعداد وترصيف السّلع…

استفادت أيضًا شركات البث التلفزيوني وعبر الشبكة الإلكترونية (مثل نتفليكس)، وشركات توصيل الطعام والسّلع إلى البيوت، وارتفعت قيمة أسهمها، ما جعل مؤشرات وول ستريت تبلغ مستويات قياسية مرتفعة يوم الجمعة الثامن من كانون الثاني/يناير 2021، خصوصًا بعد انتشار خبر ضخ مبالغ إضافية من المال العام في صناديق الشركات الكبرى، بحسب وكالة رويترز (08 كانون الثاني/يناير 2021) التي أشارت أيضًا إلى تسجيل الأسهم الأوروبية مكاسب قياسية…

عمومًا، اتفقت معظم تحليلات خبراء الإقتصاد الرأسمالي على احتمال ارتفاع قيمة الأسهم العالمية، خلال سنة 2021، لكن عالم الفقراء والكادحين غير مَعنِي بصعود وهبوط قيمة أسهم الشركات المُدْرَجَة في أسواق نيويورك أو طوكيو أو لندن…

تضررت القطاعات المرتبطة بالنمو، مثل شركات التعدين والطاقة والبناء والإنتاج الفلاحي، التي لم تحصل على مبالغ مرتفعة من المال العام، وإن كان يُفْتَرَضُ في الإقتصاد الرأسمالي عدم تدخّل الدّولة في شؤون الشركات الخاصة، وترك الأمر لأُسطورة “اليد الخفية للسوق” التي تُعَدّل العرض والطّلب ومُستوى الأسعار ونسبة الأرباح، وغير ذلك، لكن أظهرت التجارب أن الدّولة (ومختلف الأجهزة التابعة لها كالقوات المسلحة والقضاء) هي أداة في خدمة الطبقة التي تُمثل مصالحها، وكانت الأزمات، منذ 1929 فُرْصَةً لاستفادة الشركات الرأسمالية وإنقاذ الدّولة لها من الأزمات، من خلال توزيع المال العام الذي تَجْبِيه الدّولة من ضرائب الأُجَراء والمُستهلكين (ضريبة القيمة المُضافة، والضرائب غير المُباشرة)، ليذهب إلى خزائن الشركات، بدل إنفاقه في الصحة والتعليم والسّكن والنتقل العمومي، وغير ذلك…  

انخفضت أسعار المحروقات، ولم تتجاوز نصف ما بلغته منتصف شهر حزيران/يونيو 2014، ولا يُتوقّع أن تبلغها مجدّدًا بسبب ارتفاع الإنتاج الأمريكي من النفط والغاز الصخرِيَّيْن، وتطوير تقنيات استخراجهما، وبسبب تطور الطاقات البديلة، المُسمّاة “نظيفة”، كالطاقة الشمسية والرياح وتطور صناعة السيارات ووسائل النقل الكهربائية، التي يُشكل الليثيوم المادة الأساسية لصناعة بطارياتها (ما أدّى إلى تنظيم انقلاب ضد الرئيس البوليفي “إيفو موراليس”، بدعم من شركة “تيسلا”، عندما قَرّر تأميم مناجم الليثيوم)، مع التّذكير بأن وسائل النقل تستهلك أكثر من 40% من إنتاج المحروقات العالمية.

أدّى هذا الإنخفاض المتواصل لأكثر من ست سنوات إلى انخفاض قيمة أسهم شركات النفط العملاقة، وإلى إلغاء الإستثمار في مشاريع ضخمة لإنتاج الغاز والنفط، خاصة في أعماق البحار، حيث ترتفع تكاليف الإنتاج، ورغم تكرر أزمات انخفاض أسعار المحروقات، لم تكن أنظمة الدّول العربية المنتجة للنفط متهيئة لانخفاض الأسعار إلى أقل من خمسين دولارا للبرميل الواحد من النفط الخام، ما خلق أزمة تمويل لبرامج ومشاريع هذه الدّول، وعجز متواصل للميزانيات السنوية وعجز تجاري، بالإضافة إلى ارتفاع حجم الضرائب والاسعار وغير ذلك من مقومات الأزمة، لكن مشكلتنا الأساسية تكمن في غياب البديل الثوري، أو التقدّمي على أقل تقدير لتكون أزمة الأنظمة مؤشرًا على بداية انهيارها، وبناء نظام يخدم مصلحة الأغلبية من الكادحين والفُقراء…

مَوازين جديدة:

شَكّل انهيار الإتحاد السّوفييتي فُرْصَةً لتصبح الإمبريالية الأمريكية القُوّة الأساسية المُهَيْمِنَة على العالم، بدون منافسة القُطْب المُقابل الذي كان يتزعمه الإتحاد السوفييتي، حتى منتصف ثمانينيات القرن العشرين، واستغلّت الولايات المتحدة الفُرْصة لِلإطاحة بأي نظام وتدمير وتخريب أي بلد لا يُقدّم آيات الطاعة والولاء المُطلق، فشهد العقد الأخير للقرن العشرين والعقد الأول للقرن الواحد والعشرين توسيع مجال ومهمات حلف شمال الأطلسي، وتدمير يوغسلافيا والعراق والصّومال، ثم أفغانستان، وتقسيم العراق والسودان، قبل تدمير ليبيا وسوريا واليمن، ومنطقة الصّحراء الكُبرى، وأعلنت هيلاري كلينتون أن القرن الواحد والعشرين لن يكون إلاَّ أمريكيّا، عندما تعزّزت عَسْكَرَة السياسة الخارجية الأمريكية، وأعلن الرئيس باراك أوباما التّركيز على مُحاصرة الصّين…

أصبحت الصين، خاصّة منذ أزمة 2008/2009، قاطرة الإقتصاد الرأسمالي العالمي، وتوقع صندوق النقد الدولي، يوم الجمعة الثامن من كانون الثاني/يناير 2021، أن يحقق اقتصادها نموًّا بقرابة 8% سنة 2021، على إثر انخفاض الطّلب الدّاخلي على السّلع والخدمات، بسبب جائحة “كوفيد 19” التي تفشّت في الصين، منذ الرّبع الأخير من سنة 2019، وأشار تقرير لمؤسسة “رويترز-تومسون” نُشِر في الأسبوع الأخير من سنة 2020، أن حكومة الصين تمكنت من مُحاصرة تفشي الوباء، منذ الأسابيع الأخيرة للرُّبع الأول من سنة 2020، فيما لم تبدأ بلدان أوروبا مُقاومته، سوى خلال الرّبع الثاني من نفس السّنة، ما جعل اقتصاد الصّين الاقتصاد الرئيسي الوحيد، الذي يشهد نموا إيجابيا (بنسبة 1,9% ) بنهاية سنة 2020، وهو أسوأ مُعدّل لنمو اقتصاد الصين منذ 1976…

حقّقَ اقتصاد الصين نُمُوّا إيجابيا، سنة 2020، بينما ينكمش الاقتصاد العالمي ككل بأكثر من 5% بحسب توقعات البنك العالمي، خلال الربع الثالث من سنة 2020.

ورَدَ في تقرير صندوق النّقد الدّولي، كما في تقرير “رويترز-تومسون”، وكذلك في تقرير “مركز أبحاث الإقتصاد والأعمال” (السبت 26 كانون الأول/ديسمبر 2020) أن النظام الصيني أقَرَّ بِسُرْعَةٍ إجراءات لاحتواء الفيروس التّاجي، كما تولّت أجهزة الدّولة (وأهمها الجيش) تأمين الغذاء والسّلع والخدمات الضّرُورية للمواطنين، أثناء فترة الحبس المنزلي (الحَجْر الصّحّي)، ما قَلّل من حركة المواطنين بالشوارع والمتاجر، ونجحت حكومة الصين في القضاء بسرعة على بؤر ظهور وانتشار الفيروس، عن طريق إجراء فحوص جماعية وفرض مراقبة صارمة، وتدابير إغلاق محلية وقيود على التنقل…

بالإضافة إلى هذه العوامل الطارئة وسُرْعَة احتوائها من قِبَل أجهزة الدّولة، يعتمد نمو اقتصاد الصين (الناتج المحلي الإجمالي) على القطاع العام، رغم الخَصْخَصَة التي بدأت قبل أكثر من ثلاثة عُقُود، ولا تزال الدّولة تُوَجِّهُ الإقتصاد، عبر الخطط الخَمْسية (أو “الخُماسية”)، وسياسة التّمويل والإقراض، والإشراف على معظم المصارف والشركات الكبيرة، وتُشرف على الإستثمار والتّجارة الخارجية، ولا يُزعجها ارتفاع عجز الميزانية من 12,6% سنة 2019 إلى 18,2% من الناتج المحلي الإجمالي، سنة 2020، بحسب صندوق النقد الدولي الذي أشار إلى “المُرُونة التي ساعدت اقتصاد الصّين على التّكيف مع أزمة وباء الفيروس التّاجي”، وإلى التّطوّر السريع للتجارة عن بُعد (عبر الشبكة الإلكترونية)، وإلى سُرْعَة ابتكار مُنتجات واقية من الفيروس، وارتفاع الطلب عليها في العالم، وأقرّت الحكومة الصينية ميزانيات ضخمة لمشاريع البنية التحتية، وشجّعت إنفاق المواطنين، بواسطة بعض الحوافز…

يتوقع صندوق النقد الدّولي أن تبلغ قيمة اقتصاد الصين حوالي 14,6 ترليون دولار بنهاية العام 2020، أو نحو 17,5% من الناتج الإجمالي العالمي، خلافًا للولايات المتحدة وأوروبا التي ستنخفض حِصَصُهُما، وتدُل العديد من المُؤشّرات على استمرارية نُمُو اقتصاد الصين، إذ ارتفع المقياس الرسمي لنشاط التصنيع، بنهاية أيلول/سبتمبر 2020، وارتفع نشاط قطاع الخدمات إلى أعلى مستوى له منذ نحو سَبْعِ سنوات، بفضل الحوافز التي وفّرتها الحكومة لتشجيع الإستهلاك (وهي سياسة مُستوحاة من نظريات “جون مينارد كينز”، وليست سياسة “اشتراكية”، كما تدّعي حكومة الصّين)…

بعيدًا عن هذه الأرقام التي تَخُصُّ الإقتصاد الشمولي (ماكروإيكونومي)، تسبب الوباء في خسائر فادحة للسكان الفُقراء (لأن مجتمع الصين طَبَقِي وتزداد الفوارق اتّساعًا بين الطّبقات) ولسكان الأرْياف، حيث انخفض الدّخل الشّهري لحوالي 220 مليون من عمال الصناعة والإنشاء، والبُنية التّحتية، الذين نزحوا من الريف إلى المدن الكبرى، بنحو 7% بنهاية النصف الأول لسنة 2020، مُقارنة بنفس الفترة من سنة 2019، كما انخفض متوسط الدّخل السنوي للأُسَر الفقيرة ومتوسطة الدّخل (أقل من 7350 دولارًا سنويا)، بحسب البيانات التي نشرها البنك العالمي (بداية تشرين الأول/اكتوبر 2020)، بناءً على البيانات الحكومية الصينية…

آفاق الوضع الدّولي:

كانت معظم الدراسات والبحوث تتوقع (انطلاقًا من بيانات اقتصاد الدّول الكُبرى) أن تُصبح الصين القوة الإقتصادية الأولى عالميا، قبل 2035، ولكن تُشير البيانات التي صَدَرت بنهاية سنة 2020، إلى احتمال حُصُول هذا الحدث، سنة 2028، ويبدو أن زُعماء الإمبريالية الأمريكية يُدْرِكُون ذلك، ويُحاولون عَرْقَلَة تَقَدُّم الإقتصاد الصّيني، ولو لبضع الوقت، لتأجيل احتلاله المركز الأول، ومزجت الولايات المتحدة أساليب القوة العسكرية الخشنة، كالحصار البَحْرِي وبناء قواعد عسكرية جديدة في أستراليا وفي كوريا الجنوبية وفيتنام، مع استخدام القُوّة “النّاعمة”، كالتّشويه الإعلامي، ودعم الثورة المُضادّة في “هونغ كونغ” و “تايوان”، واستخدام الأقليات الدينية والأثنية في هذه ال”الناعمة”، وتعزيز التّحالف مع الهند التي يحكمها حزب يميني متطرف (باهارتيا جاناتا)، برئاسة رئيس الحكومة “نانادرا مودي”، والهند مُرشّحة لتقون قُوّة عالمية مُعْتَبَرَة، مُتحالفة مع الإمبريالية الأمريكية ومع الكيان الصهيوني، ومُعادية للصين، مهما كان نوع حكومتها، بسبب خلافات عديدة حول الحُدُود وحول احتضان الهند لزعيم التيبت المغرق في الرّجعية…  

أظهرت أجهزة الدّولة الصينية قُدْرَةً فائقة على إدارة الأزمات، مثل الأزمة التي خلقها تفشي وباء “كوفيد 19″، واحتجاجات “هونغ كونغ” التي تُشرف عليها سلطات بريطانيا والولايات المتحدة، وعلى إدارة الإقتصاد، في إطار رأسمالي “كينزي”، وفك الحصار التجاري الأمريكي، ومواصلة إنجاز مبادرة “الحزام والطّريق” واستقطاب شُركاء جُدُد في أوروبا وفي آسيا، وأظهرت قُدْرَةً على إدارة الصّراعات الدّولية التي فرضتها الولايات المتحدة، كالحرب التجارية، والإستفزازات العسكرية، وتحشيد الحُلَفاء…

تمكّنت الصّين من تجاوز معظم الفخاخ التي نصبتها الولايات المتحدة، بل اتّضح للجميع أن التنافس يميل لصالح الصين، ويتوقع صندوق النقد الدّولي أن يُحقق اقتصاد الصين نموّا بمعدّل 5,7% بين سنتَيْ 2021 و 2025، بينما لن يتجاوز معدّل نمو اقتصاد الولايات المتحدة 1,9%  خلال نفس الفترة، في إطار مَيْل ميزان القوى (وجميعها قُوى متنافسة في إطار النظام الرأسمالي العالمي) نحو آسيا، لتنخفض مكانة أوروبا وتصعد الهند…

تمكّنت الصين أيضًا، بفضل إدارة الدّولة للإقتصاد، من تَجنُّب حدوث أزمة حادّة مثل أزمة 1929 أو 2008، أو الأزمة الحالية الناتجة عن انتشار وباء “كوفيد 19″، والتي فَقَدَ من جَرّائها الملايين من العاملين الأمريكيين وظائفَهم، بالتوازي مع احتمال فقدان حوالي خمسة عشر مليون عامل “إعانات البطالة” (من إجمالي حوالي أربعين مليون فقدوا وظائفهم)، خلال الأسبوع الثاني من كانون الثاني 2021، وأنفقت الحكومة الإتحادية الأمريكية أكثر من تريليُونَيْ دولارا، “لتخفيف آثار جائحة كورونا”، لكن استفادت الشركات من النسبة الأهم من هذه المبالغ، ولم يحصل العاملون الذين فقدوا وظائفهم سوى على الفُتات، خلافًا لحكومة الصّين التي كثّفت الرقابة لاحتواء انتشار الفيروس، بالتوازي مع تأمين الإحتياجات الضّرورية للمواطنين، ووَرَد في تقرير لصندوق النقد الدّولي (الجمعة 08 كانون الثاني/يناير 2021) “تمكّنت الصين من القضاء إلى حد كبير على تفشي الوباء، مُبكِّرًا، وقد تشكّل الاقتصاد الرئيسي الوحيد الذي شهد نمواً إيجابياً سنة 2020… إن الإقتصاد الصّيني يواصل التعافي بسرعة من الوباء بفضل الجهود الكبيرة لاحتواء الفيروس وإجراءات السياسة السريعة للتخفيف من تأثير الأزمة (…) لكن النمو غير متوازن لأن الانتعاش يعتمد بشكل كبير على القطاع العام، فيما يتخلف الاستهلاك الخاص عن الركب”، ويتخذ هذا الجُزء الأخير من ملاحظة (استدراك) التقرير صبغة عقائدية وسياسية، لأن صندوق النقد الدّولي يُعادي القطاع العام، وكل إجراء يجعل الأرباح تُفلت من قبضة الشركات العابرة للقارات، ويرفض خُبراء صندوق النقد والبنك العالمي الإعتراف بأن خصخصة قطاع الصحة، كان من الأسباب التي أدّت إلى ارتفاع عدد المصابين والموتى بسبب انتشار الفيروس التاجي، في دول أوروبا (خاصة بريطانيا) وأمريكا الشمالية، ومجمل البلدان التي جعلت من قطاع الصحة مجالاً للإستثمار الخاص ومجالاً للربح السريع، أما الدّولة فإنها تستثمر في قطاع التّسْلِيح، ومراقبة المواطنين، وتُوَزّع المال العام على الشركات الخاصّة…  

يُفْتَرَضُ أن نتعلم من أزمة 2008 وأزمة 2020، أن الإقتصاد الرأسمالي، وخاصة النيوليبرالي، مُضِرٌّ بصحة البشر (جراء خصخصة قطاع الصحة العمومية) ومُضر بالعاملين وبالمُستهلكين، أي بكافة شرائح المواطنين، إلا مجموعة صغيرة من الأثرياء الذين تُمكّنهم الدّولة (المُعَبِّرَة عن مصالح هذه المجموعة الصغيرة) من الحوافز الجبائية ومن الدّعم المالي (النّقدي) ومن تعويض ما يَدّعُون أنهم خَسِرُوه، ويُفترض أن نُعيد النّظر في منظومة الإنتاج ودَوْر رأس المال الخاص، ودور الدّولة، وعلى الصعيد العالمي، استحوذت الدّول الغنية على أجهزة الوقاية، عبر عمليات قَرْصَنة في البحار، ثم استحوذت على اللقاحات، بالتّهديد، وبالمال، عبر ضخ مليارات الدّولارات لشركات الأدوية، العابرة للقارات، ثم أظْهَرت هذه الأزمة أن الدول الفقيرة تقترض (من صندوق النقد الدولي ومن البنك العالمي وغيرهما) بالعملات الأجنبية، أما الولايات المتحدة وأوروبا، فإنها تقترض بعملاتها، أي بالدولار أو باليورو، وهي عملات تطبعها مصارفها المركزية، ولا تُؤثر كثيرًا، أو لا تتأثر هذه الدّول بارتفاع الدّيون، مثلما تتأثر البلدان الفقيرة، التي تستنزف مواردها من أجل تسديد الدَّيْن وخدْمة الدّين، لعقود، وتتوارث الأجيال هذه الدّيُون الأبَدِيّة، لأنها دُيُون مَشْرُوطة بتطبيق سياسات تخدم مصالح الدّول الإمبريالية ومصارفها وشركاتها العابرة للقارات…

أظهرت هذه الأزمة أيضًا الأضرار الجسيمة للمواطنين والمُزارعين في العالم، بسبب احتكار الدول الإمبريالية وشركاتها للدواء وللغذاء أيضًا، خاصة بعد توقّف حركة النّقل والتّجارة الدّولية، وكانت منذ سنوات تحتكر البُذُور (عبر السّطو عليها واعتبارها “ملكية فكرية” خاصة بها) والأسمدة والآلات الزراعية، وتشترط (بواسطة البُنُود المُلْحَقَة بالقُرُوض) التخصص بزراعة الإنتاج المُعدّ للتصدير، لكي يشتريه مواطنو الدول الإمبريالية بأسعار منخفضة…

تدعم الدّول الإمبريالية شركاتها الإحتكارية في كافة المجالات، ومنها الغذاء، إذ تحتكر خمس شركات عابرة للقارات، نصف أنواع البذور في العالم، وهي “مونسانتو” و”بايونير” (الولايات المتحدة) و “ليماغران” (فرنسا) و “سانجانتا” (سويسرا) و “باير” الألمانية، التي اشترت الشركة الأمريكية العملاقة “مونسانتو”، المشهورة بصنع وترويج المُبيدات الضارة بالأعشاب والحيوان والأرض والإنسان، وتُسبب أمراض السرطان، واعتبرت هذه الشركات أن البُذُور ملك لها، ولا حق لأحد في استخدام بُذُوره الخاصة، أو تبادلها مع مزارعين آخرين…

من جهة أخرى، نشر البنك العالمي تقريرًا يوم السابع من تشرين الأول/اكتوبر 2020، بعنوان “الفقر والرخاء المشترك”، تَوَقَّعَ ارتفاع نسبة الفقر في العالم، سنة 2020، بسبب الإنكماش الإقتصادي، وجائحة الفيروس التّاجِي (كوفيد 19) التي ستؤدّي بالتحاق ما بين 88 و 115 مليون شخص آخر إلى صفوف “الفقر المدقع”، وقد يصل العدد إلى 150 مليون بحلول عام 2021، مع التّذكير أن البنك العالمي يُعَرّف “الفَقْر المُدقع”، بالعيش على أقل من 1,90 دولار للفرد في اليوم، ويشمل هذا التصنيف قرابة 9,4% من سُكّان العالم، ويعيش أكثر من 40% من سكان العالم (حوالي 3,3 مليارات إنسان) دون خط الفقر البالغ 5,5 دولارات للفرد في اليوم.

خلاصة

الحياة مُقاومة، وليست مفوضات ومُساوَمَة:

تميزت سنة 2020، سنة انتشار وباء “كوفيد 19″، باحتجاجات تاريخية في الولايات المتحدة، ضد المَيْز العُنْصُري (وهو مَيْز طبقي أيضًا)، وضد اغتيال عناصر الشرطة (والشرطة جهاز رسمي، محلي أو اتحادي) مواطنين سود وفُقراء، كما تميزت باتساع رقعة الإحتجاجات في أوروبا، وخاصّة في فرنسا، ضد السياسات النيوليبرالية وقَمْع الحُرّيات الأساسية…

تجاهلت وسائل الإعلام النتائج الوخيمة لتوقف قطاعات عديدة، على العاملين، ومن ضمنهم المُزارعين، وعلى الفُقراء، فيما نَشَرت بعض الأخبار عن ارتفاع ثروة الأثرياء والشركات العاملة في بعض القطاعات (التأمين والمصارف والبيع عن بُعد…)  

يُشكّل الإستغلال والإضطهاد والمُضاربة ونَهْبَ ثروات وموارد الشعوب مَصْدَر ثروة الأثرياء، ومصدر هيمنة الدول الإستعمارية على العالم، هذه الدّول التي أقَرّت تقسيمًا عالميًّا للعمل، يُؤبّدُ التبادل غير المُتكافئ، الذي أنتَجَ تطوُّرًا غير متكافئ، بين الدّول…

في الهند، قضى آلاف المزارعين نهاية السنة الميلادية، حول العاصمة “نيو دلهي”، وجاؤوا من عدة ولايات هندية، ويعتصمون في مخيمات على مشارف نيودلهي منذ حوالي ستة أسابيع، ويسدون الطرق السريعة مطالبين حكومة “مودي” بإلغاء القوانين التي أُقرت في شهر شباط/فبراير 2019، وفي شهر أيلول/سبتمبر 2020، لأنها تُهَدِّدُ سبل معيشتهم، بعد “تحرير” القطاع الزراعي وبيع المنتجات للمشترين خارج أسواق الجملة التي تنظمها الحكومة، والتي كانت تضمن لهم حداً أدنى للأسعار، ويخشى صغار المزارعين من أن التغييرات، التي تقرّها ثلاثة قوانين جديدة، لتحرير الاقتصاد، ستؤدّي إلى تغيير القواعد المتعلقة ببيع وتسعير وتخزين المنتجات الزراعية، وإلى نهاية دعم أسعار السلع الأساسية مثل القمح والأرز وتتركهم تحت رحمة الشركات الكبرى.

شكلت إضرابات حوالي 250 مليون عامل، وانتفاضة فلاحي وفقراء الهند، حدثًا بارزًا في تاريخ مُقاومة الشّعُوب والطبقات التي تُعاني من الإستغلال والإضطهاد، خصوصًا في ظل حُكومة اليمين المتطرف، بزعامة “نانيندرا مودي”، ولا يزال المُزارعون مُعتصمون منذ أسابيع في أطراف العاصمة الإتحادية “نيو دلهي”، عند كتابة هذه الورَقة (في العاشر من كانون الثاني/يناير 2021)، ولقي ما لا يقل عن 22 متظاهراً حتفهم، في بداية الأسبوع الثالث من كانون الأول/ديسمبر 2020، بحسب “اتحاد المزارعين”، وتم إيقاف عشرات الآلاف من المزارعين معظمهم من ولايتي البنجاب وولاية هاريانا في مختلف الطرق السريعة على حدود دلهي منذ نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 2020، ويُطالب المزارعون بإلغاء قوانين زراعية جديدة، تساعد الشركات الكبيرة، التي تزيد من استغلال المُزارعين، بذريعة “اجتذاب الإستثمارات في القطاع الزوراعي”…

إن احتجاجات العُمّال والمُزارعين بالهند، دليل على هشاشة هذه “الديمقراطية” التي تُهمل مئات الملايين من العاملين ومن الفُقراء، وخطورة هذه الحكومة المتحالفة مع الإمبريالية الأمريكية ومع الكيان الصهيوني، ودليل على سوء نموذج التنمية الذي حاول الحزب الحاكم، اليميني المتطرف، فَرْضَهُ، ضد إرادة أغلبية العاملين وأغلبية أفراد الشعب، فالقوانين الجديدة الباب بوابة لإخضاع القطاع الزراعي لسيطرة الشركات التجارية، وإلغاء نظام ضمان الحد الأدنى لأسعار الإنتاج الزراعي، وكان “نانيدرا مودي”، رئيس الحكومة الحالي، قد وعَدَ، بعد وصوله إلى السلطة سنة 2014، بمضاعفة دخل المزارعين بحلول العام 2022، لكن حصل العكس تمامًا، وأقدم 28 مزارعًا على الإنتحار، خلال ستة أشهر، جراء عجزهم عن تسديد الدّيون.

قد يُشكّل وباء “كوفيد 19” بدايةً لتغييرات عالمية هامة على الصعيد الإقتصادي والسياسي والإجتماعي، ولِتَحَوّلٍ في علاقات الإنتاج، لكن هذه التّحولات المُحتمَلَة لن تخدم الطبقة العاملة والفلاحين وكادحي وفقراء العالم، إذا لم يتحكموا في مآل هذه الحلقة من سلسلة التغييرات، لأن الإمبراطوريات والإمبريالية والسّلطات لا تنهار ذاتيًّا أو تلقائيًّا، بل تنهار لتظافر العوامل الخارجية والداخلية، ولا يكفي انهيارها لتغيير أوضاع الكادحين والفُقراء، فما البديل إذا ما انهارت الولايات المتحدة، وإذا ما انهارت بضعة شركات عابرة للقارات، تنهب ثروات وموارد شُعوب البلدان الفقيرة؟ هل ستتغير قوانين الرأسمالية، وهيمنة شركات الدول الإمبريالية على التجارة العالمية وعلى تحويل المواد الأولية والمواد الغذائية إلى مواد مُصنّعة، واستخدامها في تقنيات جديدة، كالإتصالات والتكنولوجيا الدقيقة.

إن الرأسمالية لا تنهار من تلقاء نفسها، رغم الأزمات الدّورية والهيكلية، ولا تستطيع إصلاح نفسها، ولا حلَّ لنا سوى عبر التّخلّص من نظامها الذي قام على الإستغلال والإضطهاد والنّهب، داخل حُدُود الدّول وخارجها، لكن التخلّص منها يتطلب تجميعًا وتنظيمًا للضحايا وللمُتضَرِّرين من نظامها العالمي، وبرنامجًا عمليا نقيضًا لِقِيَمِها ومُمارساتها العدوانية، يُقِرُّ تحرُّرَ الأراضي المحتلة وانعتاق شُعُوبها، والمُساواة والعدالة الإجتماعية، داخل كل بلد، وبين مواطني العالم، والملكية الجَمْعِيّة لأدوات الإنتاج، وتعتبر هذه الأداةُ الثوريةُ البديلةُ، الحلقةَ المفقودةَ في بدايات القرن الواحد والعشرين، رغم تَوَفُّر الظّروف الموضوعية المُواتية لانهيار الرأسمالية في نسختها الإمبريالية، أي في مرحلة تحولها من قوة هيمنة داخلية، إلى قوة هيمنة خارجية، عالمية…    

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.