دفاعا عن ذاكرة الرفيق محمود الأطرش، بومدين لشلاش

دفاعا عن ذاكرة الرفيق محمود الأطرش، بومدين لشلاش                                                 

  • مذكرات محمود الأطرش: شيوعية بلا شيوعيين، صقر أبو فخر
  • على صفحة فيسبوك المؤرخ الفلسطيني ماهر الشريف

● ● ●

دفاعا عن ذاكرة الرفيق محمود الأطرش

بومدين لشلاش                                                 

مؤرخ و مناضل شيوعي جزائري                                   

يوم 29 جانفي 2021                                            

بتاريخ 18 نوفمبر 2015 أصدرت جريدة السفير، التي توقفت فيما بعد عن النشر، مقالا إستـفـزازيا للصحفي و الكاتب المتزلف (أنظر أدناه)، كما وصفه أحد الرفاق الفلسطينييـن، صقر أبو فخر، نموذج المـثـقـف العربي  المرتزق، الذي كشف علاقته الحميمية مع رائد حركة التطبيع المتصهين الفار مؤخـرا من قطر، عزمي بشارة. و هو يتهجم مجانيا و يذم بألـفـاظ حـقـيـرة المناضـل البارز في حركة التحـرر الوطني و العمالية العربية الراحل محمود الأطرش ( الفلسطيني- الجزائري) الذي كرس كل حياته في خدمة شعوبها المضطهدة من طرف الإستعمار و الصهيونية و الرجعية العربية

و هل من باب الصدفة أن يعاد نشر نفس المقال في مجلة “نقطة و أول السطر” الإلكترونية بعد مدة 5 سنوات بتاريخ 31 جويلية 2020 في ظرف التطبيع العلني المتزايد؟

كنا ننتظر ردا مناسبا من طرف المؤرخ ماهر الشريف الذي قام بإعداد و تحرير كتـاب مذكـرات محمود الأطرش، خاصة و أن المتهجم صقر أبو فخر قام بتصريح خطيـر عـندما كـتـب : ” و قـد علمت أن المذكرات أخذعـت للتحرير اللغوي و الأسلوبي …” من أي مصدر اٌستـقى هذا الخبـر ؟  و بعد جزمه هذا يلوم بدون دراية المؤرخ الذي حسب اٌعتقاده قام بتعديل و تحريف المذكرات لأن صاحبها لم يكن له مستوى تعـليمي حتى تكون ” له هذه اللغة الرانـقـة و الخالية من الأغـلاط …” حسب تعبيره. ثم ينتقل ـ بنوع من إستعرض العـضلات ـ إلى ” تصحيح ” المعلمومات المغلوطـة للمؤرح نفسه، كما يدعي عن الدور الذي لعبه رفيق رضا في اٌعتقال فـرج الحلو. و بعـد يـوم مـن صدور هذا المقال قـام أحد متصفحي موقع “فـيسبوك” لماهر الشريف بطلب تعـلـيـقـه فـيما زعـم  أبو فـخر بهذا الصدد، فكان رده :” كتب محمود الأطرش المغربي مذكراته بلغـة جميلـة خالـيـة من الأغلاط اللغـوية، و لم يتدخـل معـد المذكرات و محررها ـ و هو المؤرخ الـذي يعـرف كيـف يتعامل مع نص المذكرات ـ في تحريرها اللغـوي و الأسلوبـي،عـلماً بـأن هـناك قـواعـد معـينـة يلتزم بها قسم التحرير في مؤسسة الدراسات الفـلسطينية عـند نشر أي نص يرد إليه” فهل هذا يكفيه أم نحيطه علما أن هذا العامل البسيط المنحدر من أسرة فقيرة مهجرة أصبح صحفـيا محنكـا يشرف على لسان حال الحزب الشيوعي الجزائري، بل و تحول من طالب في جامعـة الكادحـيـن بموسكـو  إلى مدرس بها فـيما بعـد، عـندما أنتخب عـضوا في اللجنـة التنفـيذيـة للكومنترن ممثـلا للأحـزاب الشيوعية العربية في1935 ، كما درس بمعهد العلوم الإجتماعية في ألمانيا الشرقية في السبعينات من القرن الماضي.كان يتقن إلى جانب اللغة العربية عدة لغات مثل العبرية و الروسية ثم الفرنسية و شيء من الإنجليزية و الألمانيـة. و لـقـد كـان تخصصـه تاريـخ الحركـة التحرريـة و العـمالية العـربية

لم يكن محمود الأطرش المغاربي معصوما من الخطء كـأي بشـر و ممارسة النقـد و النقـد الذاتـي محبذة و هي من مبادئ الشيوعـيين، و لكن ما كتبه هذا الممثل لإديولوجية البورجوازيـة العـربيـة التابعـة هو تعبير الطموح للهيمنة عن طريق القذف و التلفيق و محاولة طمس التاريخ

القارئ الذي يتمعـن جيدا في هذا المقال الذي هو عـبارة عن عرض حال حول الكتاب يستنتـج أن صاحبه لم يقرأ المذكرات من بدايتها إلى نهايتها بل كان يقفز من فقرة لأخرى حتى ينهي بسرعة مقاله ليرسله إلى الجريدة و يقبض عنه ثمنا معينا. فكانت دراسته سطحية كما سوف نعطي بعض الأمثلة عن ذلك. فبعد أن قدم تمهيدا مطولا لا علاقة له بالموضوع يقتبس بعض الفقرات من هـنا و هناك موضحا الصفحات التي رجع إليها، محاولا مباغـثة القارئ بتركيب نص جديد من تلفيقه الخاص ليصور لنا أن شخصية محمود الأطرش أبله نظرا لظروف الوسط الذي ترعرع فيه منذ طفولته كيتيم تاعس و يحط من ذكائه و يقتبس … ” ينعتونه بالحمار أو الغباء و الجنون، أو بقلة الفهم…” و إذا رجعنا إلى النص نفهم عكس ما ينويه “الناقد” فمحمود الأطرش عـندما يقدم هـذه النعوت يربطها بصفة الأمانة التي كان يتصف بها خلافا  للآخرين الذين يلومنه على عـدم أخـذ النقود في غياب صاحبها. و يكرر نفس العملية عندما يفصل الفقرات عن بعضها البعض

عندما يضطر “الناقد” إلى الإعتراف بالمكانة التي حاز عليها محمود الأطرش في هرم التنظـيـم الشيوعي يصوره و كأنه ظل منزويا في إطار ضيق و لم يتطرق في مذكراته إلى زحف الحركة الصهيونية و تنظيماتها و بناء المستعمرات و الإستحواذ على أراضي الفلاحين و فصائل الحركة الوطنية الأخرى و عـدد من الأحداث الأخرى و طبعا هذا غير صحيح إذا عاد القارئ للمذكرات، ثم هو بنفسه يعلل هذه ” الثعرات” بتنقل المناضل من بلد لآخر في الشام و خارجه

يعتبر صقر أبو فخر ما وصف به المؤتمر السابع للحزب الشيوعي الفلسطيني من خطورة قراراته على الإستعمار و الصهيونية مبالغ فيه من طرف صاحب المذكرات رغم أن هذا الأخير يقدم دليلا ملموسا يتمثل في الحملة القمعية  الشرسة التي تلقاها الحزب بدأ بقيادته مباشرة بعد اٌنعقاده. ثم ينتقل إلى ما يقارب مائة صفحة، لنتائج الإنتخابات النيابية في لبنان سنة 1934 التي خاض فـيها الحزب الشيوعي السوري ـ اللبناني معـركة سياسية مهمة نال فيها 10/° في مدينة بيروت و دعـم نـفـوذه في أوساط الجماهـيـر الشعبية رغـم حصار القوى الإستعمارية المزيفـة للنتائـج. و بما أن “الناقـد” يـقـيـم الإنتخابات بعـدد الفائزين و لا يفهم بأن ما يهـم الشيوعييـن في هـذا النوع من الإعـتراك هو تدعـيم صلتهـم بالشعـب و ليس عدد المقاعد التي توزع مسبقا على القوى المتواطئة مع الإستعمار في البرلمان البورجوازي

في ختام المذكرات يقوم معدها ماهر الشريف بالتطرق لمسألة صدقية المذكرات في كتابة التاريـخ معتمدا على نموذجين لكل من نجاتي صدقي و محمود الأطرش فيسرد الجوانب التي يراها إجابيـة بالمقارنة مع المصادر المكتوبة ثم يتطرق لبعض الجوانب السلبية في نظره. فيقوم “الناقد” أبو فخر بالإعتماد فقط على الجوانب السلبية فيما يخص محمود الأطرش لينتقد هذا الأخير في مبالغته لدور وفد الشيوعيين عند اٌنعقاد المؤتمر العمالي العربي سنة 1930 في حيفا، إعتمادا على تقرير الطاهر شـقـيـقـه من أرشيف الكومنترن. و في مغالاة “الناقـد” معـتمدا على نـفـس المصـدر يستهـزأ بـدور الشيوعيين الذي كان عددهم 140 عضوا حسب تقرير سنة 1930 و لم ينتبه إلى التـقـريـر الموالي في 1931  لنجاتي صدقي (الذي يفضل مذكراته، ربما بسبب إنفصاله عن الحركة الشيوعية، بـل ينعته مادويان بالعميل لبريطانيا في مذكراته) و هو يحدد عدد الشيوعيين بـ : 394 عضو. فـيكتب صقـر أبو فخـر “أهؤلاء أرعبوا الإمبرياليين و الصهيونيين حقا..؟” و كأنه يتجاهـل مكانـة و دور الحزب الشيوعي الفلسطيني في ظروف تلك الحقبة التاريخية و ينكر تضحيات مناضليه الجسيمة

ثم يواصل ذمه لمحمود الأطرش معتمدا على ما كتمه نجاتي صدقي المفضل عنده لأنه تخلى عـن الشيوعية سنة 1939 بحجة معاهدة عدم التعـدي التكتيكية بين الإتحاد السوفياتي و ألمانيا النازيـة كما وقع في كل البلدان، فيقلل من مشواره الدراسي و يحط من مكانة جامعة الكادحين التي كانـت تكون إطارات الأحزاب الشيوعية الناشئة. إلا أنه يناقض نفسه لما يختم مقاله بأن مذكرات محمود 

 .الأطرش هي “مصدر مهم” في التأريخ للحركة الشيوعـية بالمشرق العربي، و هذا أمر عجيب

هوامش

ـ في تعليق سخيف لمقال صقر أبو فخر بجريدة السفـيـر التي اٌنقطعـت عن الصـدور كـتـب شخص تحت إسم مزيف بأنه صادف المرحوم محمود الأطرش في مرقـص يعانق الفـتـيـات في سـن بناتـه بأحـد أحياء العاصمة الجزائريـة سنة 1976، و لا يمكن أن يقوم بهذا النوع من التعاليق إلا عـملاء الموساد الذين قتلوا زوجته سنة 1975 بواسطة شاحنة عسكرية بمجرد خروجهـا من البيـت رفـقـة أحد أطفالها بينما كان زوجها أثاء الحدث في برلين الشرقية.فـكيف تسمح هـذه الجريدة بنشـر مثـل 

هـذا الإزدراء الذي يمس شرف مناضل عـريق عـلى صفحاتها ؟

 ـ يصف “الناقد”محمود الأطرش صاحب “الذات المشطورة و المهانة” في صغره، التي دفعته إلى إعادة إلتحامها عن طريق الإنخراط في الكفاح خاصة في الحركة الشيوعـية. فهل حماقـتـه تـصـل إلى درجـة جهـل الأسباب التي  تساعـد الناس على رفع الوعي الطبقي و القومي ضد الإضطهـاد الإستعماري و الرأسمالي ؟

ـ عكس ما جاء في المقال، صاحب المذكرات توفي منذ 34 سنـة و المخطوط يرجع إلى 43 سـنـة قبل طبع جزئه الأول

ـ رابط لـدراسـة حول المؤتمر العمالي الأول في 1930 بحيفا يوضـح جليا دور الحزب الشيوعي الفـلسطيـني حيث كان الرئيس المنتخب و نائبه من صفوفه. ” فحاز بأكـثرية الأصوات الإخـوان محمـد عـلي قـلـيـلات رئيسًا، من عمال سكة حديد فلسطين و طاهـر فـرحي نائبًا للرئيس و هو عامـل بناء من يـافـا، وعيد سليم حيمور و رشاد أبي غـربية سكرتيرين للمؤتمر.”هـذا ما ورد في كراس المؤتمر، و المدعو طاهر فـرحي هو نفسـه شقيق محمود الأطرش. نتساءل هل فعلا هو المكـنى لبـرمان كما كتـب المؤرخ ماهر الشريف ؟

■ ■ ■

مذكرات محمود الأطرش: شيوعية بلا شيوعيين      

صقر أبو فخر

محمود الأطرش المغربي مناضل شيوعي فلسطيني من أصول جزائرية، وهو يتشارك في اسمه مع أحد المؤسسين الأوائل لحركة «فتح» وأول رئيس وزراء في ليبيا بعد إطاحة الملك السنوسي. ولقب المغربي كنية عامة أطلقت على كثيرين من أهل ليبيا والجزائر وتونس والمغرب الأقصى الذين هاجروا إلى بلاد الشام، إما لمجاورة مقدساتها أو للإقامة فيها هرباً من الاضطهاد الفرنسي، كما جرى للأمير عبد القادر الجزائري وصحبه. وحي المهاجرين، في دمشق اكتسب اسمه من مهاجري الأندلس والمغرب الذين برز منهم تاج الدين الحسني (رئيس جمهورية) وعبد الرحمن خليفاوي (رئيس وزراء). وعلى غرار حي المهاجرين اشتهرت حارة المغاربة في القدس التي دمرها الجيش الإسرائيلي غداة احتلال القدس في سنة 1967. ومن أبرز مغاربة فلسطين الشهيد فتحي الشقاقي (ليبي) والشهيدة دلال المغربي والروائي يحيى يخلف (جزائري). وقد أصدرت «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» مذكرات محمود الأطرش ووسمتها بعنوان «طريق الكفاح في فلسطين والمشرق العربي» (بيروت: 2015). وتتضمن هذه المذكرات سيرة محمود الأطرش منذ ولادته في حارة المغاربة في سنة 1904 حتى سنة 1939، حين عاد إلى الجزائر وبدأت مرحلة جديدة في حياته. فالمذكرات إذاً غير كاملة وتقتصر على نضال الشيوعيين الأوائل في فلسطين وسوريا ولبنان حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية. أما القسم الثاني من المذكرات فما زال مخطوطاً ينتظر نشره على الناس يروي محمود الأطرش في هذه المذكرات التي حررها وقدم لها وذيّلها بالهوامش وأبدى ملاحظاته عليها المؤرخ الفلسطيني ماهر الشريف، كيف عاش يتيماً جراء وفاة والده بعد ستة أشهر من ولادته. وبعد عام من وفاة والده تزوجت والدته مكرهة (ص 22)، فعمل لاحقاً في قطاف البرتقال في يافا، وأجيراً في الدكاكين، وراعياً للأبقار وراجوداً على البيادر وراء والدته التي كانت تلتقط سنابل القمح التي يتركها الحصادون (ص 32)، ولم تلبث والدته أن مرضت فبقي إلى جانبها «حتى خرج آخر نفس من حلقها» (ص 37). وهذه الأحوال والأهوال أورثته الكآبة (ص 46) وزادت في انطوائه (ص 32)، وراح يتعثر في القراءة (ص 22) وبات خجولاً حتى أنه لم يستطع أن يُلقي قصيدة في المدرسة، فنسيها وازداد خجله وارتباكه (ص 31). وهكذا صار هذا الفتى غير متلائم مع محيطه، وكان رفاقه ينعتونه بالحمار أو بالغباء والجنون، أو بقلة الفهم، وكان يبكي غيظاً (ص 25). ولعل هذه المصائر كلها كانت الدافع له إلى التفتيش عمن يعيد الالتحام إلى ذاته المشطورة والمُهانة، فوجدها، في أول الأمر، في «جمعية الشبان المسلمين»، فانضم إليها (ص 53)، ثم تعرف إلى «منظمة الشبيبة الشيوعية» في تل أبيب فالتحق بها       

في الحزب الشيوعي الفلسطيني

يسرد محمود الأطرش في هذه المذكرات جوانب من الصراع الداخلي في «الحزب الشيوعي الفلسطيني» على مسألة تعريب الحزب، وهو ما وقف ضده معظم الأعضاء اليهود المؤسسين لـ «حزب العمال الاشتراكي» في سنة 1919 وهو النواة الأولى لـ «الحزب الشيوعي الفلسطيني» الذي ظهر في 9/7/1923. ويتحدث بإيجاز عن المؤتمر النقابي الأول للعمال العرب الذي عُقد في حيفا برئاسة محمد علي قليلات في 11/1/1929، وعن مؤتمر زحلة الذي عُقد في منزل يوسف الهراوي سنة 1934، وحضره ميشال عفلق ونقولا الشاوي وصلاح البيطار ويوسف خطار الحلو وبيار شادورفيان ومصطفى العريس وميخائيل طراد، وهؤلاء قرروا إصدار مجلة «الطليعة» التي صار لها شأن كبير في ما بعد. وتؤرخ هذه المذكرات أيضاً لنشوء «الحزب الشيوعي المصري» (ص 70) و «الحزب الشيوعي الفلسطيني»، ويذكر في هذا السياق أسماء الأعضاء الأوائل                                                                                     لا ريب أن محمود الأطرش هو أحد الأسماء اللامعة في تاريخ الشيوعيين الفلسطينيين، وتدرج في مناصبه القيادية حتى صار عضواً في اللجنة التنفيذية للكومنترن في سنة 1935. ومع ذلك بقي عالمه ضيقاً جداً ومقصوراً على الحزب الشيوعي ومشكلاته الداخلية وعلائقه الخارجية بالأحزاب الشيوعية الأخرى. وهذا ما تفصح عنه هذه المذكرات التي لا تتذكر الهستدروت مثلاً أو حزب بوعالي تسيون (حزب عمال صهيون) أو هبوعيل هتسعير (العامل الفتى) أو حزب «الماباي»، أو بناء المستعمرات وتأسيس الهيئات الصهيونية والصدامات العربية ـ اليهودية إلا لماماً. كذلك لا تتذكر هذه المذكرات إنشاء «جمعية العمال العربية الفلسطينية» في سنة 1925 ومؤتمرها الأول في سنة 1930 في يافا. وحتى سامي طه رئيس «جمعية العمال العربية» يرد اسمه مرة واحدة وبصورة خاطئة، أي سامي أبو طه. ولا نعثر في هذه المذكرات على أي أثر للمؤتمرات العربية مثل مؤتمر التسليح في نابلس (1931) وهبّة يافا (1933)، وطرد الفلاحين من أراضيهم (ما عدا وادي الحوارث في سنة 1933)، وظهرت الثورة الفلسطينية الكبرى (1936) في هذه المذكرات كأنها حدث عابر. ولعل غياب محمود الأطرش عن فلسطين في تلك الفترة، وتنقله بين لبنان وسوريا وموسكو وباريس كان لهما الأثر الواضح في هذه الفجوات  خيال جامح                                                                                                                       على طريقة الشيوعيين القدامى، يبالغ صاحب هذه المذكرات في تقدير الأمور، فيقول على سبيل المثال: «أرعبت قرارات المؤتمر الوطني السابع للحزب الشيوعي الفلسطيني الامبرياليين البريطانيين والصهيونية، وباتوا ينظرون إلى الخطة الحزبية الجديدة كأكبر خطر يهدد استعمارهم ومستقبل الوطن القومي اليهودي» (ص 157). وعلى هذا المنوال يقول: «خاض حزبنا معركة الانتخابات النيابية في لبنان سنة 1934 بتفوق سياسي وتنظيمي كبير على المرشحين كافة» (ص 45). والمعروف أن الحزب الشيوعي السوري ـ اللبناني رشح آنذاك كلاً من ارتين مادايان وسعد الدين مومنة من الحزب، وإبراهيم حداد وفوزي البردويل من أصدقاء الحزب، ولم يفز أحد منهم. وفي مكان آخر يتحدث عن المساعدات التي أرسلها «الحزب الشيوعي الفلسطيني» إلى الثوار السوريين فيقول: «إن الثوار السوريين كانوا يقفون في صفين للترحيب بالمساعدات التي يرسلها الحزب الشيوعي، وينادون بحياة كل من الحزب والثورة السورية» (ص 102). ويسترسل محمود الأطرش فيروي أن وفد الحزب الشيوعي الفلسطيني إلى المؤتمر العمالي العربي الأول في حيفا سنة 1930 «كان من أكبر الوفود وأشدها صلابة وخبرة، وتمكن الشيوعيون من توجيه المؤتمر نحو الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة العربية». ولاحظ ماهر الشريف هذه المغالاة فأورد نصاً لطاهر المغربي (شقيق محمود الأطرش)، وكان عضواً في ذلك المؤتمر، يقول فيه «إن الشيوعيين لم يعرفوا ما عليهم أن يفعلوه في المؤتمر، ولم يلمس أي تأثير للحزب في داخل المؤتمر» (ص 357). ويؤكد ماهر الشريف استناداً إلى أرشيف فلسطين لدى الكومنترن أن عدد أعضاء «الحزب الشيوعي الفلسطيني» والمنظمات الرديفة له كمنظمة الشبيبة والكتلة العمالية وجمعية المساعدة الحمراء بلغ نحو 140 عضواً من العرب واليهود في سنة 1930 (ص 356). أهؤلاء أرعبوا الامبرياليين والصهيونيين حقاً، أم انها تهويل على طريقة «ها الكم أرزة العاجقين الكون» في لبنان؟  

ملاحظات 

لم ينه محمود الأطرش الدراسة الإعدادية، ثم سافر، في ما بعد، إلى موسكو ليلتحق بالجامعة الشيوعية لكادحي الشرق، وهي جامعة أيديولوجية لتخريج شيوعيين من دول العالم، ولا تهتم بالتكوين العلمي لطلابها. ومع ذلك لم ينه دروسه الجامعية أيضاً. فمن أين له إذاً هذه اللغة الرائقة والخالية من الأغلاط اللغوية تقريبا؟ وقد علمت أن المذكرات أخضعت للتحرير اللغوي والأسلوبي، وهذا مما لا يجوز على الاطلاق. فالمذكرات، ولا سيما أن صاحبها توفي منذ سبعة وثلاثين عاماً، صارت وثيقة لا يمكن تغيير أي حرف فيها. الممكن هو تصحيح الوقائع والتواريخ والأغلاط اللغوية، إما بين قوسين كبيرين أو في الهامش. أما لغة الكاتب وطريقة سرده للحوادث فلا يجوز على الاطلاق، وتحت أي حجة أو ذريعة، تعديلها أو تحريفها، لأن المذكرات وثيقة تاريخية، ولغة زمانها غير لغة هذا الزمان. وكان يجب المحافظة على لغة الكاتب كما هي. ولهذا يمكننا القول إن هذه المذكرات هي مذكرات محمود الأطرش، لكن ليس كما صاغها بنفسه، بل كما خرجت من بين أصابع ماهر الشريف بعد تحريرها وتشذيبها وتخريجها. وفي هذا الميدان يذكر ماهر الشريف في الهامش رقم 2 (ص 281) أن رفيق رضا أدى دوراً في اعتقال فرج الله الحلو في دمشق سنة 1959، ويستشهد بمذكرات أرتين مادايان (حياة على المتراس، بيروت: دار الفارابي، 1986). والحقيقة ان كثيراً من الشيوعيين اللبنانيين، ومعهم عرب، خلطوا بين خيانة رفيق رضا للحزب وتعاونه مع المخابرات السورية بعد اعتقاله في دمشق، واعتقال فرج الحلو. والصحيح أن الذي أوقع بفرج الله الحلو ليس رفيق رضا بل صبحي الحبل من طرابلس، وهي الرواية الصحيحة (أنظر: سامي جمعة، أوراق من دفتر الوطن، دمشق: دار طلاس للدراسات، 2000) مهما يكن الأمر، فإن هذه المذكرات تسد فجوات كثيرة في تاريخ الحركة الشيوعية في المشرق العربي، لكنها، من وجهة نظري، أقل أهمية من مذكرات نجاتي صدقي (إعداد حنا أبو حنا، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية 2001). وحسب الباحث والقارئ أن بين أيديهما الآن مصدر إضافي مهم يؤرخ بدايات العمل الشيوعي في فلسطين، وهذه فضيلة معرفية كبرى        

السفير

■ ■ ■

على صفحة فيسبوك المؤرخ الفلسطيني ماهر الشريف

Maher Charif a partagé un lien.

19 novembre 2015 · 

 صقر أبو فخر: مذكرات محمود الأطرش: شيوعية بلا شيوعيين :: رأي | جريدة السفير

محمود الأطرش المغربي مناضل شيوعي فلسطيني من أصول جزائرية، وهو يتشارك في إسمه مع أحد المؤسسين الأوائل لحركة «فتح» وأول رئيس…

ASSAFIR.COM

Bilal M. Shalash

كتاب يستحق، سأنشر قراءتي له قريبا، لكن دكتور هل من أمل برؤية باقي مخطوطة المذكرات ؟

 Maher Charif

شكراً على اهتمامك.بقية المذكرات تتعلق بمرحلة النضال في الجزائر..سأبحث فكرة النشر في المستقبل.

Bilal M. Shalash

آمل أن ترى النور قرييا.

Majdi Ashour

” وقد علمت أن المذكرات أخضعت للتحرير اللغوي والأسلوبي، وهذا مما لا يجوز على الاطلاق. فالمذكرات، ولا سيما أن صاحبها توفي منذ سبعة وثلاثين عاماً، صارت وثيقة لا يمكن تغيير أي حرف فيها. الممكن هو تصحيح الوقائع والتواريخ والأغلاط اللغوية، إما بين قوسين كبيرين أو في الهامش. أما لغة الكاتب وطريقة سرده للحوادث فلا يجوز على الاطلاق، وتحت أي حجة أو ذريعة، تعديلها أو تحريفها، لأن المذكرات وثيقة تاريخية، ولغة زمانها غير لغة هذا الزمان. وكان يجب المحافظة على لغة الكاتب كما هي. و لهذا يمكننا القول إن هذه المذكرات هي مذكرات محمود الأطرش، لكن ليس كما صاغها بنفسه، بل كما خرجت من بين أصابع ماهر الشريف بعد تحريرها وتشذيبها وتخريجها.” ….

 ما هو تعليقكم على ذلك ؟؟

Maher Charif

كتب محمود الأطرش المغربي مذكراته بلغة جميلة خالية من الأغلاط اللغوية، ولم يتدخل معد المذكرات ومحررها – وهو المؤرخ الذي يعرف كيف يتعامل مع نص المذكرات- في تحريرها اللغوي والأسلوبي، عـلماً بأن هناك قواعـد معـينة يلتزم بها قسم التحرير في مؤسسة الدراسات الفـلسطينية عـند نشر أي نص يرد إليه.

Walid Derbas

أي إضاءة تساق بهدف إغناء المادة وأن بغرض التنوية لقضية ما أحيانا ، وكلنا ثقـة بالدكتور ماهـر

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.