موقفنا من مراسيم الدعوة للانتخابات، هيئة تحرير الهدف

الثلاثاء 26 يناير 2021

هيئة تحرير الهدف

ملاحظة من “كنعان”:

ننشر هذه المادة لكونها مفيدة لاطلاع القارئ ولأهمية الموضوع الذي تعالجه ولكننا لا نتبناها ولا نوافق على بعض المواقف والآراء التي ‏وردت فيها.

هيئة تحرير “كنعان”

■ ■ ■

كنا نأمل أن تصدر مراسيم الدعوة لإجراء الانتخابات العامة بعد إنضاج مقدمتها في إطار الحوار الوطني الشامل، حوار جدي ومسؤول يؤسس لإنهاء الانقسام على أرضيةٍ صلبة ورؤيةٍ سياسيةٍ واضحة وغير ملتبسة، فإنهاء الانقسام ضرورة وطنية ملحة لا تقبل التأجيل أو المساومة، أو إخضاعها لعوامل الضغط الدولي والمصالح الفئوية.

واليوم يجري الحديث والتحضيرات لإجراء الانتخابات العامة بعد انقطاعٍ دام خمسة عشرة سنة، انقطاع تخلله انقسام وصل ذروته درجة الاقتتال الداخلي والفصل العمودي بين الضفة والقطاع، كما حمل في إطاره العديد من الاتفاقات الوطنية لإنهاء الأزمة السياسية المستعصية التي تعيشها القضية الوطنية، اتفاقات بشرت شعبنا بولوج عتبة إنهاء الانقسام، بعضها استمر بضعة شهور قبل أن تطحنه آلة إدارة الصراع الفئوي على السلطة، وبعضها مات في المهد قبل أن يجف حبر الكلمات التي كتبت به، سياق طويل من المناكفات وتسويق وتداول مصطلحات إدارة الانقسام المغلفة بشعاراتٍ ورديةٍ أدخلت شعبنا في متاهةٍ استعصى فيها اكتشاف بوابات الخروج، وولدت اليأس والإحباط وانهيار جسر الثقة بين الجماهير والقوى السياسية.

ومع الأسف الشديد فإن المنهج الذي أنتج الانقسام لا زال يتكرر وبأشكالٍ متنوعة، فقبل شهورٍ قليلة بنى شعبنا بحذرٍ الآمال على قرار القيادة الفلسطينية بالتحلل من الاتفاقات الموقعة مع حكومة الاحتلال والإدارة الأمريكية، ومخرجات اجتماع الأمناء العامين لفصائل شعبنا السياسية، لكن كل الآمال والتوقعات التي تم بناؤها على هاتين المحطتين انهارت ولم تدم طويلاً، فقد تبددت بعد قرار قيادة السلطة بإعادة العلاقات مع الاحتلال والإدارة الأمريكية، والغريب أن يتم وصف هذا القرار بالانتصار العظيم.

مع أنّ عملية الضم الزاحف للأراضي الفلسطينية لم تتوقف، كما أنّ عملية الهرولة الرسمية لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني توسعت، وبعباراتٍ واضحة، فإن صفقة القرن لم تسقط بعد، فإن هذه الصفقة يكثف مضمونها التوسع الاستيطاني المتسارع، وتهويد القدس والتطبيع العربي الرسمي مع العدو وتوسيع الوظيفة الإمبريالية لكيانه العنصري، هذه المقدمة لا تستهدف التركيز على قضايا الخلاف وحسب، بل توسيع مساحة القواسم المشتركة لبناء صرح وحدتنا الوطنية ، ووحدة الاستراتيجية النضالية الوطنية، ووضع أقدام شعبنا على الطريق التي تقود إلى جادة تحقيق أهدافه الوطنية والديمقراطية، ووضع المصلحة الوطنية العليا فوق أي اعتبار، وإعادة الأمل المفقود لجماهير شعبنا الرافعة المجربة لتحقيق الإنجازات الوطنية، والدفاع عن الثوابت والهوية الوطنية.

وإذ يجري اليوم التركيز على الانتخابات العامة كوسيلةٍ لإنهاء الانقسام، لابد من التأكيد أولاً على أن إجراء الانتخابات العامة ضرورةٌ وطنية ملحة لتجديد شرعية كل المؤسسات السياسية القيادية التي تقادم عليها الزمن وعلى رأسها م.ت.ف، فالانتخابات يمكن أن تشكل آليةً ديمقراطيةً لترسيخ التوافق الوطني على إنهاء الانقسام لو وضعت في الإطار السياسي الصائب، أي إذا تم تجاوز اتفاق أوسلو والتزاماته السياسية والأمنية والاقتصادية والقانونية، وقد اقتربنا من ذلك في الاجتماع القيادي الموسع الذي أسس لاجتماع الأمناء العامين ومخرجاته، لكن قيادة السلطة أسقطت مضمون التوافق السياسي واستبدلته بالدعوة للانتخابات، وهنا نستطيع القول أننا يمكن أن نتوافق على إجراء الانتخابات، لكنها بغياب التوافق السياسي لن تُشكّل مدخلاً لإنهاء الانقسام وبناء الشراكة الوطنية، بل ستكون انتخابات مغالبة وصيغة جديدة قديمة لاستمرار الصراع على السلطة والقيادة، ولا تنسجم مع استحقاقات مرحلة التحرر الوطني التي يخوضها شعبنا.

ومع مزيد الأسف أصر الفريق المهيمن على قيادة المنظمة على إجراء الانتخابات بعد تجريدها من عناصر التوافق السياسي الوطني ، وأصر على الموافقة المسبقة على الانتخابات لإصدار مراسيمها قبل الوصول إلى محطة الحوار الوطني لإنجاح هذه العملية، وتم إصدار المراسيم الرئاسية دون الاستناد إلى رزمةٍ من الاتفاقات الوطنية، التي نصت بوضوحٍ على ضرورة إنهاء الانقسام لتصبح الانتخابات آليةً لترسيخ هذا التوافق، مراسيم جزأت العملية الانتخابية وفق حساباتٍ فئويةٍ ومراحل تجريبيةٍ حذره، ليستمر الإمعان بالتفرد في اتخاذ القرارات الوطنية، فمن يضمن تنفيذ المراحل الثلاث إذا لم تأتِ نتائج الانتخابات التشريعية على هوى الفريق الذي أصدر المراسيم الانتخابية، ففي تجربة الانتخابات التشريعية عام 2006 ما يشي ويُزكّي هذا التخوف، فقد كان من المفروض أن تُشكّل الانتخابات مرحلة أولى باتجاه استكمال عملية بناء م.ت.ف، وانضواء الجميع تحت لوائها وفق نصوص اتفاق القاهرة في آذار 2005.

 والجميع يعرف التداعيات اللاحقة لهذا الحدث، فقد تحول العرس الديموقراطي الذي افتخرنا به إلى ميتم وأصبحت الساحة الفلسطينية مسرحاً لاقتتال إخوة السلاح، وتقدم الصراع على السلطة على كل الاستحقاقات الوطنية، ولأننا نتحدث عن الاستحقاقات الوطنية الراهنة وفي الذهن إسقاطات محطة الانقسام، يتوجب علينا الاستفادة من دروسها وعبرها، وفي هذا الإطار سنحاول الدراسة المتمعنة لمراسيم التعديلات على قانون الانتخابات والمراسيم التي دعت لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني.

تضمنت التعديلات على القانون الانتخابي جوانب إيجابيةً نذكر منها، إسقاط الاشتراطات السياسية كأساسٍ للمشاركة في الانتخابات التشريعية، إضافة إلى توسيع نسبة مشاركة المرأة في عضوية المجلس التشريعي، والتأكيد على نظام التمثيل النسبي الكامل كأساسٍ لإجراء الانتخابات، وتثبيت تحديد مدة ولاية الرئيس وحصرها بولايتين.

في المقابل، ظلت الشروط السياسية قيداً على كل من يتقدم للمنافسة على منصب الرئيس، حيث استمرت الشروط في البند (5) من المادة (36) على ما هي عليه رغم أن ذات الشروط قد تم تعديلها على المادة (45) الخاصة بشروط الترشّح للمجلس التشريعي، وهذا الاستثناء غير منطقي ويتعارض مع أبسط أبجديات قيم الديمقراطية وتعبيراتها، فمن حق أي مرشحٍ للانتخابات الرئاسية أو غيرها في إطار احترام القانون الأساسي، أن يخوض الانتخابات على أساس برنامجه السياسي والانتخابي، بما في ذلك حقه في النضال من أجل رفع سقف البرنامج السياسي الوطني، أو تطوير القانون الأساسي وتعميق محتواه الديمقراطي.

كذلك، إلغاء إلزامية التزامن بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي نص عليها القانون القديم، ونص هذا التعديل مستغرب، فالتعديل المطروح على نص المادة (116) من القانون الانتخابي صيغ على نحو (في حال تعذر إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بشكلٍ متزامن يجوز للرئيس الدعوة لإجرائها بشكل غير متزامن) فكيف يمكن أن يكون الظرف مواتياً لإجراء الانتخابات التشريعية وفي الوقت نفسه مجافياً لإجراء الانتخابات الرئاسية أو العكس ؟!!.

أليست هذه توليفة محسوبة بميزان فئوي دقيق؟! فالانتخابات ممكن إجراؤها للكل ما دامت ممكنة للجزء، وهي أقل كلفة في ظل الضائقة الاقتصادية التي يعاني منها شعبنا والسلطة الفلسطينية على حدٍ سواء.

أما التعديل على نص المادة الثانية والتي نصت على (تستبدل عبارتي السلطة الوطنية / رئيس السلطة الوطنية أينما وردت في القانون الأصلي بعبارتي (دولة فلسطين / رئيس دولة فلسطين) وهذا التعديل يمكن قراءته من زاويتين، الأولى إيجابية لأنه ينطوي ضمناً على إلغاء المرحلة الانتقالية في اتفاق أوسلو وهذه خطوة مهمة باتجاه التحرر من قيوده والتزاماته إذا توفرت الإرادة السياسية.

والزاوية الأخرى سلبية، فالمادة (1) من المراسيم الرئاسية بشأن الانتخابات نصت على (الشعب الفلسطيني في القدس وجميع محافظات الوطن مدعو إلى انتخاباتٍ عامةٍ حرةٍ ومباشرة بالاقتراع السري).

 فانتخاب رئيس دولة فلسطين حق يجب أن يكون متاحاً لجميع أفراد شعبنا أينما وجدوا، وليس حصراً لشعبنا في القدس وباقي محافظات الوطن، وهنا يصبح الأمر كمن أخرج المرحلة الانتقالية والتزاماتها من الشباك، وأعاد إدخالها من الباب الواسع.

وبافتراض حسن النوايا، واعتبار أن هذا النص أملته ظروف خاصة واستثنائية، كان ينبغي الإشارة لها، وكذلك تثبيت هذا الحق في باب الأحكام العامة الانتقالية، لتبقى القاعدة مشاركة كل الشعب والاستثناء حصراً بهذه الدورة، وهذا لم يحدث.

وفي المادة (3) تم تعديل المادة (2) لتصبح على النحو التالي (يصدر رئيس دولة فلسطين / رئيس اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني مرسوماً رئاسياً إلى نهاية النص)، ونرى أنه كان من المفترض ما دمنا مقبلين على انتخاباتٍ للمجلس الوطني بهدف إعادة تشكيل م.ت.ف على أسسٍ جديدة، بما يعني انتخاب اللجنة التنفيذية ورئيسها وفق أحكام النظام الأساسي للمنظمة، فإنه كان من الأفضل ترك المسألة للجنة التنفيذية لتقوم بدورها، وبالتالي الفصل بين رئاسة اللجنة التنفيذية ورئاسة دولة فلسطين لتحقيق الفصل الوظيفي النسبي بين وظيفة الدولة تحت الاحتلال ووظيفة م.ت.ف، وتجاوز حالة تهميش المنظمة لصالح السلطة التي لم تصبح دولة قائمة فعلياً على الأرض، وعدم استمرار تحمّل شخص واحد كل هذه الأعباء.

نكتفي بهذا القدر علماً أنّ هناك ملاحظات على التعديلات تمس استقلالية القضاء وكفاءته، والآليات الديمقراطية لاختيار قيادة المؤسسة القضائية.

أما المراسيم الرئاسية الثلاثة بشأن إجراء الانتخابات فقد انطوت على بعض الالتباسات، لكن لنبدأ بقراءة الجزء الممتلئ من الكأس، حيث نصت المادة الثانية من مرسوم الدعوة للانتخابات في المادة (2) على:-

تعتبر انتخابات المجلس التشريعي المرحلة الأولى في انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني وهذا النص إيجابي لم تشمله مراسيم المحطات الانتخابية السابقة بهذا الوضوح، لكن هذه الإيجابية تظل مجتزأة وسيجري توضيح ذلك لاحقاً.

نفس التقييم يمكن سحبه على نص المادة الثالثة من المرسوم الذي جاء على نحو (يستكمل تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني في 31-8-2021 وفقاً لأحكام المادة الخامسة من النظام الأساسي لـ (م.ت.ف)، فالمادة الخامسة من النظام الأساسي تنص بوضوحٍ على آلية الانتخابات المباشرة للمجلس الوطني الفلسطيني من تجمعات الشعب الفلسطيني كافة.

ونص المادة (3) دعا لاستكمال تشكيل المجلس الوطني الأمر الذي يطرح أسئلةً تحتاج إلى التوضيح في محطة الحوار، فالتشكيل قد يعني التوافق الوطني على تركيبة المجلس الوطني، وإذا كان المقصود الانتخابات، فلماذا لم ينص المرسوم على ذلك بوضوح لمنع الالتباس، أو التأويل، وعلى نحو (تجري الانتخابات لاستكمال تشكيل المجلس الوطني بتاريخ …) فالتوافق يتم في حال تعذر إجراء الانتخابات.

والمشكلة ليست في نص المرسوم حول استكمال تشكيل المجلس الوطني وحسب، بل أيضاً في الجمع بين عضوية المجلسين الوطني والتشريعي وذلك للأسباب التالية:

  1. يُبقي هذا الجمع على التداخل بين المهام الوظيفية للمجلسين التشريعي والوطني، وتنسحب عليه الملاحظات التي سجلت على الجمع بين منصب رئاسة الدولة ورئاسة اللجنة التنفيذية .
  2. من الضروري إعادة التأكيد بان مهمة إعادة بناء م.ت.ف وفق نصوص اتفاق القاهرة عام 2005 تشكل الحلقة الأهم في سلسلة عملية إعادة بناء وترتيب البيت الفلسطيني، وهي معيار صدقية وجدية الدعوة لتحقيق الشراكة الوطنية تحت مظلة م.ت.ف الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا الفلسطيني.

وعليه فإن هذا الجمع علاوةً على ما تضمنته النقطة الأولى يعمل على إقصاء بعض الفصائل التي لها موقف يرفض المشاركة في الانتخابات التشريعية ارتباطاً برفضها لاتفاق أوسلو، هذا الاتفاق الذي أعدمته جرافات الاحتلال والمستوطنون والحكومات الصهيونية دون التنازل عن إلزام السلطة الفلسطينية باحترام وتنفيذ التزاماته، وهذا يتطلب من الأخ الرئيس أن يعلن بوضوحٍ أن المرجعية السياسية للانتخابات هي وثيقة الوفاق الوطني، لأن من شأن استمرار هذا الغموض توسيع دائرة مقاطعة الانتخابات في الوقت الذي نحتاج فيه إلى رص الصفوف وإنهاء الانقسام، وتحقيق الوحدة الوطنية، وهذا يشكل معيار جدية قيادة السلطة والمنظمة وامتلاكها الإرادة السياسية للاستجابة للاستحقاقات السياسية الوطنية التي يطرحها علينا الواقع الراهن. وفي مقدمتها استقلالية القرار الوطني الفلسطيني.

هذه أهم ملاحظاتنا على المراسيم الرئاسية، ونأمل من جماهير شعبنا وقواه السياسية كافة تمحيصها وإدراجها على جدول أعمال الحوار الوطني القادم، مع تأكيدنا بأن حرصنا على إنهاء الانقسام لا يقل عن حرص أي فصيلٍ إن لم يكن أكثر، وإن حماسنا لإنجاز استحقاق الانتخابات وبشكلٍ خاص الانتخابات لمؤسسات م.ت.ف لا يقل عن حرصنا على ضرورة إنهاء الانقسام وطي ملفه إلى الأبد.

أما موقفنا الملموس من المشاركة في الانتخابات العامة فسيجري تحديده بأعلى درجات الحرص والمسؤولية تجاه قضيتنا الوطنية على ضوء مخرجات الحوار الوطني الشامل.

:::::

“الهدف”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.