بإيجاز: تونس، عوامل الإنتفاضة قائمة ومُستمرة، الطاهر المعز

توقع صندوق النقد الدولي في تقرير بتاريخ 23 كانون الثاني/يناير 2021 أن يتجاوزَ عجز ميزانية الدّولة 9 % من الناتج المحلي الإجمالي، وحرّض الحكومة، في ذروة الإحتجاجات ضد سياساتها، على تطبيق الوصفة “التّقليدية” والمتمثلة في تنفيذ “خطة إصلاح” تتضمن “خفض كتلة الرواتب” (رواتب موظفي القطاع العام)، وإلغاء ما تبقى من دَعْم للسّلع الأساسية والخدمات، وخصخصة المؤسسات العمومية، و”تحسين مناخ الأعمال”، أي منح مزيد من الحوافز والهدايا المجانية للقطاع الخاص، وإعفاء الأثرياء من الضرائب، لعلّهم يستثمرون أموالهم بتونس، بدل تهريبها…

بعد ثلاثة أيام أعلن رئيس الحكومة برنامج حكومته لسنة 2021، ويتمثل في “تحرير الإقتصاد وتحسين مناخ الأعمال وتحفيز المبادرة الخاصة ودعم المستثمرين، وإصلاح القطاع الحكومي والعام، لتخفيف العبء على ميزانية الدّولة…”، ولم يحاول رئيس الحكومة الإجتهاد، بل استخدم نفس العبارات الواردة في تقرير صندوق النقد الدّولي، وحاز على ثقة نواب الإخوان المسلمين والدّساترة ورجال الأعمال، والمتحالفين معهم في مجلس النّوّاب، وكأن هذا التّقرير من “الآيات البَيِّنات”، “لا يأتيها الباطل من قبلها ولا من بَعْدها”

ألمْ ينتفض الشعب ضد هذه المخططات والبرامج والسياسات، منذ 1984؟

ألم ينتفض الفُقراء والمُهَمّشون والمُعَطّلون عن العمل، بنهاية سنة 2010 وبداية سنة 2011 (قبل أن تلتحق بهم فئات أُخرى وتُحوّل وجهة انتفاضتهم) ضد النظام الذي حَوّلَهم إلى فُقراء ومُعَطّلين عن العمل ومُهَمّشين؟

ألم يُضرِب الأُجَراء ضد التّسريح من العمل وخفض عدد الوظائف، وتجميد أو خفض قيمة الرّواتب، وما إلى ذلك؟

إن ارتفاع الأسعار وتخريب القطاعات والخدمات الأساسية (التعليم والصّحة والسّكن والنّقل والتأمين الإجتماعي…) وارتفاع قيمة الدّيْن العمومي، وارتفاع نسبته من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع حصة كل مواطن من الدُّيُون التي لم يستفدْ منها، هي عوامل تُشَرِّعُ الثورة ضد الحكومة والنواب الذين يدعمون سياساتها…

عندما يتضمّن برنامج رئيس الحكومة نفس العبارات والجُمَل و”الحُلُول” التي أمَر بها صندوق النّقد الدّولي، نستنتج، دون احتمال الوقوع في الخطأ، أن صندوق النقد الدّولي يحكم البلاد، بواسطة حكومة ونواب الإخوان المسلمين والدّساترة، وحلفائهم، ومن واجبنا التّذكير أن ارتفاع الدُّيُون الخارجية كان السبب المباشر الذي تعللت به الإمبريالية الفرنسية لاستعمار تونس سنة 1881، كما تعللت به الإمبريالية البريطانية لاحتلال مصر، سنة 1882، أما اليوم فإن الإمبريالية تُهَيْمِنُ على شُعوب وثَرَوات البُلْدان، بواسطة عُملاء مَحلِّيِّين، يمثّلون مصالح الشركات والدّول الأجنبية المُقْرِضَة، وهو ما يحصل في تونس، إذ يتوجّه أكثر من ثُلُث قيمة الإنتاج (أي جُهْد العاملين والمُنتِجِين المَحلِّيِّين) إلى الخارج لتسديد الدّيُون وفوائدها، ويتوجه جزء هام إلى الخارج لتوريد سلع أساسية (الغذاء والدّواء وغيرها) وغير أساسية كالسيارات الخاصة والعطور أو غيرها من السّلع الفاخرة، غير الضّرورية…

يفتقد الفُقراء لقوة تمثل مصالحهم في مؤسسات الدولة، كالحكومة أو مجلس النّواب، ولذلك فإن الشوارع والسّاحات ومواقع العمل والإقامة، هي المكان الطّبيعي للتّعبير عن غضبهم، ولإسماع صوتهم، والتّعبير عن مطالبهم، ليلاً ونهارًا، لا يَهُم، خارج المُؤسّسات الرّسمية، وهو ما حصل إلى غاية السنة الحالية (2021)، غير أن غياب التنظيم والتّأطير وغياب برنامج بديل للنظام الحالي وخطط عَمَلية لتركيز سلطة الكادحين والفُقراء، وتطبيق وتمويل برنامج اقتصادي وسياسي بديل، يجعل نظام الإئتلاف الطّبَقِي الحاكم ينجح في قَمْعِ الإحتجاجات، بدعم من القوى الإمبريالية التي يُمثل مصالحها، ويستمر في الحُكم، ونهب ثروات البلاد، منذ 1956، رغم تغيير وتَعَدّد الأسماء…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.