المغرب، محطّات تاريخية، على خُطى عبد الكريم وسعيدة، (الجزء 5)، الطاهر المعز

9

جرائم الإستعمار الفرنسي بالمغرب:

احتلت الإمبرياليةُ الفرنسيةُ الجزائرَ، منذ سنة 1830، ثم احتلت تونس سنة 1881، ولم تتمكّن من احتلال المغرب، وتقاسُمِهِ مع إسبانيا، سوى سنة 1912، مع بقاء مدينة وميناء “طنجة” تحت الهيمنة الدّولية المُشتَرَكة (إسبانيا وفرنسا وألمانيا وإنغلترا)، وتأخر استعمار المغرب بسبب الصراعات والمنافسة بين الإمبرياليات، وبسبب المقاومة التي أبداها السُّكّان، عند محاولة احتلال الدار البيضاء ومينائها، وكذلك بسبب بعض العوامل الأخرى…

قبل الإحتلال الرّسمي، احتج سُكّان الدّار البيضاء على مشروع الشركات الإحتكارية الفرنسية لاستغلال مقاطع منطقة “الصّخُور السّوداء”، ونقلها عبر خط سكة حديد إلى ميناء الدّار البيضاء، بعد توسيعه، وتوصيل الحجارة إلى فرنسا ومناطق أخرى، وقصفت البحرية الفرنسية المُحتجّين بميناء ومدينة الدّار البيضاء، طيلة يومَيْن كاملَيْن، في آب/أغسطس سنة 1907، وقَتَلَتْ قُرابة 1500 مغربي، وبعد حوالي خمس سنوات، استغلت الإمبريالية الفرنسية حَدَثًا داخليا، تَمثّل في احتجاج بعض القبائل ضد السلطان عبد الحفيظ بن الحسن العلوي، فاحتل جيشها وسط البلاد، في الثلاثين من آذار/مارس 1912، وبقيت مناطق الشمال الجَبَلِي والجنوب الصّحراوي تحت الهيمنة الإسبانية، لكن القوات الإستعمارية المُتنافسة تتعاون فيما بينها، لإخماد تمرّد الشعب الواقع تحت الإحتلال، ودَمّر الجيش الفرنسي العديد من القُرى بمنطقة الريف في السنوات الأولى للإحتلال الرسمي، واستغلت فرنسا (وكذلك بريطانيا والقوى الإستعمارية الأخرى) الشُّبّان المغاربة (وغيرهم) خلال الحرب العالمية الأولى، وزجّت بنحو 45 ألف منهم، ليموت حوالي 12 ألف في جبهات القتال، وجندت فرنسا جنود المُستعمرات، في الحرب العالمية الثانية، وكذلك في الحُروب الإستعمارية، ضد شُعوب إفريقيا وجنوب شرقي آسيا، وفي داخل المغرب، أطلق الجيش الفرنسي النّار، يوم 29 كانون الثاني/يناير 1944، على المُتظاهرين المُطالبين بالإستقلال، بمختلف مناطق البلاد، وفي الدّار البيضاء يوم السابع من نيسان/ابريل 1947، ويوم الخامس من كانون الأول/ديسمبر 1952، عندما تظاهر الشعب المغربي، وأضْرَبَ، احتجاجًا على اغتيال المليشيات الفرنسية بتونس الزعيم النقابي، “فرحات حَشّاد”، مُؤسّس اتحاد نقابات الأُجَراء “الإتحاد العام التونسي للشغل”، وارتكب الجيش الفرنسي مجازر ضد سُكّان مناطق “وجْدَة” و”بركان” (شرقي البلاد)، وقتل نحو ألف مغربي، يومَيْ 16 و 17 آب/أغسطس 1953، واعتقل المئات، كما ارتكبت القوات الإستعمارية مجازر ضد السكان المطالبين بالإستقلال، يوم 19 آب/أغسطس 1955، بمنطقة “خريبقة”، وما هذه الأمثلة سوى عَيّنَة من المجازر الإستعمارية، بالإضافة إلى الإعدامات والإغتيالات الفَرْدِيّة لرموز المُقاومة، وتعذيب الشاعر المغربي “محمد القري” حتى الموت ( كانون الأول/ديسمبر 1937)، و”محمد عبد النبي التزغيني” (سنة 1942 ) واغتيال “عَلاّل بن عبد الله” (أيلول/سبتمبر 1953)، و”أحمد الحنصالي” (تشرين الثاني/نوفمبر 1953)، و”حسن الفطواكي” (نيسان/ابريل 1955)، وغيرهم…

يسعى الإستعمار، بطبيعته، إلى تقسيم الشُّعُوب وتفتيت البُلدان، لإضْعاف جبهة المُقاوَمَة، وعمل الإستعمار الفرنسي على تقسيم الشعب التونسي، بواسطة سياسة التجنيس، وحاول تفكيك وحدة شعوب المغرب والجزائر، عبر التفرقة بين العرب والبربر، فأصْدر “الظَّهِير البَرْبَري” (30 أيار/مايو 1930) الذي يمنع سكان مناطق البربر من حل مشاكل الميراث والقضايا المحلية، وفق الشريعة الإسلامية، بل بالرجوع إلى العادات البربرية القديمة التي وقع تجاوزها منذ قُرُون، ومنع الإستعمار السكان البربر من تعلم اللغة العربية، في المغرب والجزائر، وتعاليم الإسلام في المغرب، وأنشأت مدارس مدنية وعسكرية تستخدم اللغة الفرنسية والبربرية، بهدف فصل جزء هام من سكان البلاد عن إخوانهم، من ذات الشّعب…

10

الوجه الآخر للمغرب المناهض للإستعمار والإمبريالية:

بعض الوقائع من مقاومة الإستعمار 

انطلقت المقاومة مُبَكِّرًا ضد الإستعمار المُزدوج الإسباني والفرنسي للبلاد، ويمكن تقسيم مراحل النضال الوطني المناهض للإستعمار إلى مراحل، بدأت أهمها سنة 1907، ضد الإستعمار الفرنسي الذي استولى على ميناء الدّار البيضاء، وقاد “محمد امزيان” جيش المُتَطَوِّعين لعدّة سنوات، بداية من سنة 1909، ويُعتبر أحد مُلهمي محمد بن عبد الكريم الخطابي (1883-1963) الذي قاد الكفاح المسلح ضد الإستعمار الإسباني، ثم ضد التّحالف الإسباني الفرنسي الأمريكي، في منطقة الريف، واتخذ كفاح تلك المرحلة بُعدًا أُمَمِيًّا، خاصة بعد إعلان جمهورية الريف (1921 – 1926)، ورَبْط النضال الوطني بالنضال الإجتماعي…

استخدم التحالف الإستعماري أسلحة الدّمار الشامل ضد سكان منطقة “الريف”، وأعلن محمد بن عبد الكريم الخطابي استسلامه، لإنقاذ السّكّان من الإبادة، ولم تتوقف المقاومة، بل مرت بفترة “جَزْر”، حتى سنة 1934، لتعود المقاومة المسلحة خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، وسقط العديد من المقاومين بالرصاص أو تحت التعذيب، مثل الكاتب والشاعر “محمد القري” في سجن كلميم، و”محمد بن عبد النبي التزغيني” في “بركان”، واستشهدت نساء قاومن الإستعمار، في مُدُن الدار البيضاء والرباط و”سلا” و”طنجة” و “فاس”، والعديد من المقاومين والمقاومات، بين 1942 و 1947…

في الذكرى الخامسة والسّتُّين لجيش التحرير (1955 – 2020)

حلت الذكرى الخامسة الستون لجيش التحرير في بداية شهر تشرين الأول/اكتوبر 2020، الذي تأسّس بشمال البلاد، في منطقة الريف، حيث وُلِدَتْ جمهورية عبد الكريم الخطابي (من سنة 1921 إلى سنة 1926)، في أقاليم “بولمان” و”تازة” و”الحسيمة” و”الناظور”، لمقاومة الإستعمار الفرنسي، في المغرب العربي، وليس بالمغرب الأقصى وحده، حتى الإستقلال وتحرير كافة الأراضي المغربية المُحتلّة، والتضامن مع الشعب وجيش التحرير الوطني الجزائري، وتقاسم شحنات السّلاح القادمة من المشرق العربي (بإشراف عبد الكريم الخطابي)، معه، وتعزّز جيش التحرير المغربي، بالمقاومين المُتطوّعين الذين عادوا من فلسطين، وبالجنود المغاربة، وبسلاحهم الذي حملوه معهم من الجيش الفرنسي، وحاول الإستعمار الفرنسي القضاء على هذه الثورة المُسلّحة، عبر إعادة “محمد الخامس” (الذي كان منفِيًّا) إلى المغرب، للتفاوض معه، من أجل استقلال شكلي، يُحافظ على المصالح الفرنسية في المغرب، وهو الإستقلال الذي وَصَفَهُ عبد الكريم الخَطّابي ب”المنقوص”، وقام النظام الملكي بمناورة، في تموز/يوليو 1956، تمثلت في زيارة الملك “محمد الخامس” لمنطقة تواجد جيش التحرير، وأدت المفاوضات والمُساومات والتّهديد بالتّصفية الجسدية، إلى إدماج عناصر جيش التحرير في وحدات “الجيش الملكي” وفي الدوائر والمؤسسات الحكومية الأخرى، واستمرت مُقاومة الرافضين للإندماج (في القوات العسكرية الرسمية) ضمن جيش التحرير بالجنوب، الذي تعرّض بدوره للتصفية، خاصة، منذ سنة 1958، بالتّآمر مع الجيش الأسباني الذي كان يحتل الصحراء الغربية (حتى سنة 1975)، ضمن “عملية إيكوفين”، وكانت هذه المؤامرة نقطة بداية الكفاح المسلح في الصحراء الغربية، التي ساهم النظام المغربي في تصفيتها، ثم أعلن بالتآمر مع أسبانيا، أن غزوها يعتبر “استكمالاً للوحدة الترابية المغربية”…

ارتبط جيش التحرير المغربي بمنطقة “الريف”، شمال البلاد، لكن النواة الأولى تشكلت من مقاومين من مختلف المناطق، وهو امتداد للمقاومة التي بدأت منذ سنة 1953، بالناظور وتطوان، ومناطق جبال “الأطلس”، وكانت المؤسسون يطمحون للتحرر ويستلهمون من تجربة محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي دعم المقاومة (في تونس والجزائر والمغرب)، سياسيا وعسكريا وماليا، من موقعه برئاسة مكتب تحرير المغرب العربي بالقاهرة.

أعلن قادة جيش التحرير، يوم 02 تشرين الأول/اكتوبر 1955، أنهم اختاروا “طريق الكفاح المُسلّح، بدَلَ  أسلوب المهادنة والدبلوماسية والمفاوضات وأنصاف الحلول”، وأعلنوا اعتمادهم على الشعب الذي يستمدون منه قُوّتهم وعزيمتهم، ولمّا بدأت المناورات الفرنسية للتفاوض مع “القادة المُعتدلين” في تونس (جناح بورقيبة) والمغرب (علال الفاسي ومحمد الخامس)، لمنح استقلال شكلي، بهدف عزل المُقاومة الجزائرية، رفض جناح من حزب الدستور في تونس (يقوده الأمين العام “صالح بن يوسف”) هذا الحل، واعتبره مؤامرة، كما رفض قادة جيش التحرير المغربي، وعملوا على استكمال تأسيس جيش تحرير المغرب العربي، بالإتفاق مع لجنة تنسيق بين جيش التحرير المغربي وجيش التحرير الجزائري…

عندما انطلقت عمليات جيش التحرير المغربي، في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر سنة 1955، في منطقة “الريف”، كان المؤسسون بعتبرون أنهم جزء من جيش شعبي لتحرير أقطار المغرب العربي، إلذي ورد ضمن ميثاق “لجنة تحرير المغرب العربي” التي أنشأها عبد الكريم الخطابي ( القاهرة، كانون الثاني/يناير 1948)، بمشاركة ممثلين عن كل بلد، بهدف “الكفاح من أجل استقلال كافة الأقطار”، وشارك المتطوعون المغاربة في حرب فلسطين (1948)، في تأسيس جيش التحرير، إلى جانب المجندين في الجيش الفرنسي، والطلبة المغاربة في الشرق العربي والحجاج المغاربة الذين التقوا عبد الكريم، وتدخّل عبد الكريم لإقناع مسؤولين عرب، ليتم تدريب هؤلاء المتطوعين، من تونس والجزائر والمغرب، في المعاهد العسكرية بسوريا والعراق ومصر، وتُشير الوثائق التاريخ إلى تقرير كتبه عبد الكريم، يوم الخامس من آذار/مارس 1949، بعنوان “خطة حرب التحرير”، إلى ضرورة التعبئة الشعبية، من أجل التحرير والإستقلال، بالتوازي مع العمليات العسكرية، لتحقيق نفس الأهداف، وأعلنت بعض قيادات حزب “الإستقلال” المغربي استنكارها للعمليات العسكرية، فيما استغلّها زعيمهم “عَلَّال الفاسي” لجمع الأموال، ولتحسين موقعه ضمن الرقعة السياسية المغربية، وضمن العلاقة مع المُسْتَعْمِر، ولما احتج قادة جيش التحرير، بعد توقيع اتفاقية الإستقلال الشكلي، على عدم جلاء القوات المُحتلة عن كل الأراضي المغربية، وعلى مُحاصَرة الثورة الجزائرية، تَمّت تصفية بعض زعماء الجيش (جسديا، مثل عباس المسعدي وحدو أقشيش، وكانا على اتصال بعبد الكريم الخطابي )، ثم وُجّهت تهمة الإرهاب إلى جيش التحرير، واستخدمها نظام الحُكم (الذي نَصّبه الإستعمار الفرنسي) وحزب “الإستقلال”، كذريعة للإستنجاد بالجيش الفرنسي، وتصفية جيش التحرير بكامله.

بعد الحرب العالمية الثانية، ارتفعت أصوات الوطنيين في العديد من بقاع الأرض، ضد الإستعمار، وعاد الكفاح المسلّح في المغرب، بأعمال فَرْدِية، بداية من سنة 1950، وأشهر هؤلاء المقاومين “أحمد الحنصالي”، صاحب مقولة “في زمن الذّل لا يُقاوَم الإستعمار سوى بالسّلاح”، والذي أُعْدِمَ سنة 1953، مع صديقه “محمد سميحه”، وشهدت مدينة “الدار البيضاء” مظاهرات صاخبة احتجاجًا على اغتيال المناضل النقابي والوطني التونسي “فرحات حشاد” (أحد مُؤَسِّسِي “الإتحاد العام التونسي للشغل”، يوم الخامس من كانون الأول/ديسمبر 1952، ولمّا بدأت المفاوضات لمَنْح استقلال شكلي يُبقي على الإستعمار الإقتصادي والثقافي، عرف المغرب مظاهرات واحتجاجات شعبية، سنتَيْ 1953 و 1954، وبدأ جيش التحرير نشاطه المُسلح، وفي بداية سنة 1953، أطلق الجنود الأمريكيون الذين يحتلون قاعدة “النواصر” النار على ثوار مغاربة، تسللوا بهدف الاستيلاء على أسلحة، فقتلوا “عبد القادر بن الكعطي” وأصابوا “محمد بن محمد”، واعتقلت سلطات الإحتلال الفرنسي، خلال مظاهر منتصف آب/أغسطس 1953، “محمد البقال”، وأُعْدِمَ، كما قتلت قوات الاحتلال عشرات المتظاهرين، سنة 1954، واعتقلت مجموعةً من المقاومين، وأصدر قُضاة الإستعمار حكماً بالاعدام، وقع تنفيذه بسجن “العادر” (أيار/مايو 1955) ضد “حمان بن العربي” و”رحال بن أحمد” و “علي بن العربي”، وقدّر الباحث المغربي “عبد الله رشد”، اعتمادًا على أخبار الصّحف الإستعمارية الفرنسية، عدد المُقاومين الذي أُعدِموا بأمرٍ قضائي استعمار، بأكثر من مائة، بين سنَتَيْ 1952 و 1955… وفي شرق البلاد، وخلال مظاهرة منتصف آب/أغسطس 1953، استخدم الجيش الفرنسي الدبابات والمدافع الرشاشة، وقتل مئات الشهداء، واعتقل العشرات، قُتِلَ منهم ما لا يقل عن أربعة عشر مقاومًا، تحت التعذيب، كما استشهد المئات خلال المظاهرات (120 خلال مظاهرة واحدة بالدار البيضاء تموز/يوليو 1955)، واستشهد عشرات آخرون تحت التعذيب، في مُدُن عديدة، بمختلف مناطق البلاد، وخلّد تاريخ مقاومة الشعب المغربي للإستعمار، أسماء العشرات من رُموز المقاومة والشّهداء، مثل النقابي والمقاوم الوطني “رحال المسكيني” الذي ساهم في تأسيس جيش التحرير بالصحراء، بعد فراره من السّجن، واغتاله بعض الخَوَنَة، يوم 16 شباط/فبراير 1956… أما بشأن شهداء جيش التحرير، فيعسُر وجود إحصائيات للمعارك التي خاضها ولا للشهداء والمُصابين، خلال الفترة 1955 – 1958، وحاول بعض الباحثين الإعتماد على شهادات المُقاومين، وعلى ما كانت تنشره الصحف الفرنسية والمغربية، كحصيلة (غير دقيقة) لأشهر المعارك، حيث استشهد حوالي ثمانين مقاوما، بالإضافة إلى استشهاد العشرات خلال هجوم الطائرات الفرنسية على فاقلة للمقاومين، قرب “تيزي أوسلي”، سنة 1955، لوحدها.

كان جيش التحرير يتمتع بسمعة طيبة وشعبية كبيرة لدى المواطنين، الذين أقاموا الحواجز وأغلقوا الطرقات في مدينة “سوس”، لمَنْع جيش الإحتلال الفرنسي من ملاحقة المقاومين، إثر إحدى المعارك التي دارت بنهاية شهر شباط/فبراير 1956، فاستخدم الجيش الفرنسي الطائرات التي قصفت المقاومين، وقتلت بعض قادة جيش التحرير…

تمكّن الإستعمار الفرنسي والأسرة الحاكمة من شق صفوف جيش التّحرير إثر اتفاقيات الإستقلال الشكلي مع المغرب وتونس (آذار/مارس 1956)، بهدف تفرّغ الجيش الفرنسي للعدوان على الثورة الجزائرية، وأعلن أنصار محمد بن عبد الكريم الخطابي، في منشور وُزِّعَ بالدّار البيضاء ” استمرار الكفاح لأن استقلال المغرب لن يكتمل إلا بتحرير شمال إفريقيا بأكملها”، وتعاونت السّلطة المَلَكية مع الإستعمار الفرنسي لاختراق صفوف المُقاومين، ولملاحقة ووأَسْر واغتيال قادة جيش التحرير، ما رفع خسائر المقاومة في مختلف مناطق البلاد، وعزلها عن في الجنوب، حيث اعترضهم الجيش الإسباني، الذي كان يحتل الصحراء الغربية، إلى غاية 1975، وتحالف الجيشان الإسباني والفرنسي (كما في العدوان على جمهورية الريف، سنة 1926)، في تشرين الثاني/نوفمبر 1957 (عندما كان المغرب “مُستقلاًّ”)، ضد جيش التحرير، بهدف القضاء عليه نهائيا، واستشهد حوالي ستمائة شهيد.

أما من خانوا المُقاومة وَوَشوا بعناصر جيش التحرير وبلّغوا جيش الإستعمار عن مواقعه وتحركاته، فقد احتلوا مناصب هامة في دولة الإستعمار الجديد، فارتفعت بعض الأصوات المُطالِبَة (منذ انعقاد المجلس الوطني للمقاومة – آب/اغسطس 1956) بمحاكمة الخونة والعملاء والمتآمرين، وتطهير الإدارة من الوُشاة، بالتوازي مع المطالبة بجلاء الجيوش الفرنسية والأمريكية والإسبانية. 

كان لجيش التحرير برنامج يتضمّن “توزيع أراضي الإقطاعيين والملاكين الكبار والمعمرين على الفلاحين الذين سلب الإستعمار أراضيهم”، لكن الدّولة الجديدة التي ورثت الحكم من الإستعمار المباشر، استحوذت (في المغرب كما في تونس) على هذه الأراضي المَسْلُوبة، ووزّعت بعضًا منها على الخونة والعملاء، وباعت بعضها الآخر إلى شركات أجنبية ومحلّيّة.

لاحقت سلطات حكومة الإستقلال المَنْقُوص، منذ ربيع 1956، المقاومين وقادة أحزاب المعارضة، والنقابيين، ووقع اختطاف واختفاء العديد منهم في السّجون السّرّية، واغتيال العشرات في الفضاء العام، في وضح النّهار، وتواصلت عمليات الإغتيال والإختطاف والإعتقال، من 1956 إلى 1965، كما قصف جيش الجو المغربي (بدعم من الجيش الفرنسي) انتفاضة سُكّان منطقة “الرّيف”، شمال البلاد، في بداية كانون الثاني/يناير 1959، وقَتل عشرات المواطنين، فيما فقد عشرات المواطنين حياتهم، خلال عقد ستينيات القرن العشرين، بسبب المطالبة بحياة أَفْضَلَ، وتمت تصفيتهم بالإغتيال والإختطاف والإعدام، بعد محاكمات صورية، وغير عادلة، مثل اعتقال ومحاكمة المتضامنين مع قادة الثورة الجزائرية الذين تظاهروا في الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 1961، بالدار البيضاء والرباط، دَعْمًا لقادة الثورة الجزائرية المضربين عن الطعام في سجون فرنسا، وأحرق المتظاهرون مبنى سفارة فرنسا ورفعوا فوق سطحها العلم الجزائري، واغتنمت السلطات المغربية الفرصة لمحاكمة بعض المُقاومين في آب/أغسطس 1961، وَوَرَدَ في العديد من الشهادات أن الجنرال محمد أوفقير (1920 – 1972) كان يُشرف بنفسه على رَمْي المناضلين المُعارِضين للحكم، من الطائرات العسكرية في البحر، بعد إثقال أجسادهم، وحصل ذلك في تموز/يوليو سنة 1963 بالرباط وأغادير والدارالبيضاء وغيرها، وصدرت خلال نفس السنة (سنة عدوان الجيش المغربي على الجزائر، بدعم الجيش الفرنسي) أحكام بالإعدام ضد المناضلين الوطنيين، وأشهرهم المهدي بن بركة ومحمد البصري وعمر بن جلون ومومن الديوري وعبد السلام الجبلي وعبد الفتاح سباطة، وفي السنة الموالية، سنة 1964، نفذت قوات القمع عمليات واسعة، اعتقلت على إثرها عشرات المناضلين، وأصدرت القضاء أحكامًا بالإعدام ضد أربعة عشر من المعتقلين، في حزيران/يونيو 1964، كما تم اعتقال المترشحين للإنتخابات التشريعية من حزب الإتحاد الوطني للقوات الشعبية (حزب المهدي بن بركة)، واختفى بعضهم، وتم اغتيال سبعة آخرين في الرباط ومراكش وأغادير وآسفي ووَرْزَازَات، فيما عثر المواطنون في شوارع الدار البيضاء (حزيران/يونيو 1964) على جُثَث بعض المُقاومين للإستعمار الفرنسي، منهم الحاج أحمد أشويط وعبد الله بن علي وبلحسن السويسي وعبد الله كاكاز. 

تزامنت سياسة القمع الرّهيب والإعتقال والإغتيال، مع سياسة التفقير التي أدت إلى انفجار شعبي في الثالث والعشرين من آذار/مارس 1965، بمدينة الدّار البيضاء، قبل أن يتوسع نطاق الإحتجاجات، وأدّى تدخل الجيش بالمروحيات وبالدبابات إلى قتل المئات، وربما يصل عدد القتلى إلى ألف من المتظاهرين (راجع الفقرة الخاصة باحتجاجات 23 آذار/مارس 1965).

تعدّدت محاولات المقاومة، وبناء المنظمات السّرّيّة، في ظل الإستعمار المُباشر، قبل جيش التحرير (دون الحديث عن ثورة وجمهورية الريف، بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي)، وأسَّسَ بعض مناضلي حزب الإستقلال، في آذار/مارس 1954، في ذكرى استعمار البلاد، منظمة مُسلّحة اسمها “الهلال الأسود”، تهدف استقلال البلاد، وكان “عبد الله الحدّاوي” و “الحسن الكلاوي” و”عبد الكريم بن عبد الله” وعبد الله العياشي” و”الطيب بقالي” من المؤسسين، وقاومت المنظمةُ الإستعمارَ، ونفذت عددا هاما من العمليات المُسَلَّحَة، ضد الجيش الفرنسي، وبعض المتعاونين معه، وضد المصالح الإستعمارية، وعند اختلافها مع حزب “الإستقلال” سنة 1956، وإصرارها على رفض نتائج المحادثات مع الإستعمار – المعروفة باسم محادثات “إيكس ليبان”، على إسم مكان اللقاءات- وإعلانها مواصلة الكفاح المُسلّح، حتى الحصول على استقلال حقيقي، لا شَكْلِي، عمد حزب الإستقلال إلى اختطاف وتصفية ما لا يقل عن 38 من قادتها الذين اختلفوا مع استراتيجيته المُهادِنَة للإستعمار وللأُسْرة المالكة، ورفضوا الإلتفاف على مطالب الإستقلال الكامل، منهم لحسن الكلاوي (حزيران/يونيو 1956)، واعمامو الزياني (30 حزيران/يونيو 1956)، كما تورّطت قيادات حزب الإستقلال في اغتيال المناضلين المقاومين الشيوعيين، منهم المهندس الجيولوجي (من أصل جزائري) “عبد الكريم بن عبدالله” (31 آذار/مارس 1956)، والدكتور عمر الإدريسي، ومحمد السطي، الأمين الجهوي للحزب الشيوعي بالمدينة الجديدة بالبيضاء، وقُتِلَ الإثنان يوم 21 نيسان/ابريل 1956، ومحاولة اغتيال عبدالسلام بورقية، وعبد الله العياشي، وإدمون عمران المالح، وغيرهم…

11

أحفاد محمد بن عبد الكريم الخطابي 1882 – 1963

جمهورية الرّيف:

قاد محمد بن عبد الكريم الخطابي (عُرف وشُهِرَ باسم عبد الكريم الخطابي، وهو في الواقع إسمُ أبيه) معركة “أنوال”، ضد جيش الإستعمار الإسباني، وألحق به الهزيمة، سنة 1921، ثم أسّس جمهورية مُستقلة في الريف، دامت من 1921 إلى 1926، أي إلى أن تحالف الجيشان الإسباني والفرنسي، واستخدما جيش الطيران، والقنابل الحارقة (نابالم) والمواد الكيمياومة، وغاز الخردل، واضطر جيش التحرير لوقف القتال، “حقنًا لدماء السّكّان”…

تتلخص أبرز محطات حياته كالتالي:

وُلِد سنة 1882 وتوفي سنة 1963

ورث العلم وثقافة المُقاومة عن أبيه

قاد حرب التحرير، بمنطقة “الرِّيف”، شمال المغرب من 1918 إلى 1926، وترأس الجمهورية من 1921 إلى 1926.

نَفاه الإستعمار الفرنسي بجزيرة “لارينيون” (مُستعمرة فرنسية، قريبة من مدغشقر) 1926 – 1947

أقام بالقاهرة 1947 – 1963، وانخرط بحركة مقاومة الإستعمار على صعيد عربي وعالمي، وأسّس وترأس مكتب تحرير المغرب العربي، حتى وفاته.

نُسبت إلى محمد بن عبد الكريم الخطابي مقولة:

“لا أدري بأي منطق يستنكرون استعباد الفرد، ويستسيغون استعباد الشعوب، ليس في قضية الحرية حل وسط”، وقيل أن إرنستو تشي غيفارا طلب من عبد الناصر تدبير موعد معه، وعندما التقاه بالقاهرة سنة 1960، خاطبه قائلاً: “أيها الأمير.. لقد جئت إلى القاهرة خصيصًا لكي أتعلم منك. إن الثورة الكوبية مَدينةٌ لك… لقد غمرتني السعادة وأنا ألتقي بك أيها الرفيق الكبير، فلطالما أعجبنا في كوبا بتجربتكم الثورية في حرب العصابات في كفاحكم ضد الاستعمار، لقد كنتَ ملهما لنا في ثورتنا ضد الاستبداد والدكتاتورية”، وعندما عَلِمَ “غيفارا” أن بعض العرب ينادون محمد بن عبد الكريم ب”غيفارا العرب”، قال: “أنا التلميذ والخطابي المعلم والأستاذ، وأنا من يجب أن ينسب إليه لا العكس”، ومهما كانت الحقيقة، حول صحة أو خطأ هذه المقولة، أو حقيقة نسبتها إلى تشي غيفارا، فإنها تُشير إلى المكانة التي احتلّها “عبد الكريم” في تاريخ الثورات، وفي ذِهْن الثُّوّار، من كافة أرجاء العالم، ومن مُختلف المشارب والعقائد…

استفاد ثوار كوبا وأمريكا الجنوبية من تجربة ثورة الريف التي قادها عبد الكريم، بواسطة حرب العصابات، التي تستمد قوتها من الدعم الجماهيري، ومن أسلوبها الذي يعتمد على الحد الأدنى من السلاح وتطبيق الضربات السريعة ومغادرة المكان إلى غيره، وهي قواعد حرب الغُوار الحديثة، التي اعتُبِرَ عبد الكريم مُصَمِّمُها ومُهندِسُها ومُطَوِّرُها، واستلهم الثّوار الليبيون، بقيادة “عُمر المختار” من هذه المبادئ التي طَوّرَها ثُوّار منطقة “الرّيف” بالمغرب، الذين ابتكروا أيضًا نظام حفر الخنادق والأنفاق الممتدة تحت الأرض، للوصول خُفْيَة إلى مواقع العدو، بحسب الزعيم الفيتنامي “هوشي منه”.

أما لقب “الأمير”، وهو ليس بالأمير ولا ابن أُمَراء، فقد سَبَغَهُ عليه مؤتمر مندوبي قبائل شمال المغرب، الذين التقَوْا  يوم 18 كانون الثاني/يناير 1923، وهو يوم الإعلان عن استقلال الريف وقيام الجمهورية الريفية وتشكيل مجلس ممثلي القبائل، بعد معركة “أَنْوال”، وبدل صفة “الفَقِيه” التي كان يحملها،  أصبح يُلَقّب بالأمير وبالرئيس…

كان المغرب محل منافسة شديدة بين القوى الإستعمارية الأوروبية، خلال القرن التاسع عشر، وأصبحت فرنسا، بعد احتلال الجزائر، ترى في المغرب (وكذلك تونس) امتدادًا جغرافيا واقتصاديا واستراتيجيا لوجودها في الجزائر، واستعمرت تونس سنة 1881، لكن المغرب لا يزال محل نزاع بين القوى الإمبريالية، وبعد احتلال “وجدة” (المُحاذية لحُدود الجزائر) سنة 1907، عملت على تحصين ميناء “الدّار البيضاء”، ثم أعلنت احتلال البلاد، تحت إسم “الحماية”، في الثلاثين من آذار/مارس 1912، وبذلك اكتمل اقتسام المغرب بين الإستعمارَيْن الفرنسي والإسباني، لكن ذلك لم يتم دون مقاومة شعبية، في جميع مناطق البلاد، وتندرج حركة وجمهورية الريف بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي ضمن هذه المقاومة المُسلّحة للهيمنة الإمبريالية المُزْدَوَجَة، الإسبانية والفرنسية، بالإضافة إلى تحويل منطقة وميناء “طنجة” إلى منطقة دَولية، تحت إشراف القوى الإمبريالية…

دامت المقاومة المسلحة في مرحلتها الأولى، في عدد من مناطق البلاد، حتى سنة 1934، وبعد ذلك لم تنقطع نهائيا، ولكنها خَفّت، وبعد قرابة عقدَيْن، انطلقت المقاومة المسلحة من جديد، في مختلف مناطق البلاد، سنة 1953…

ذاع صيت محمد بن عبد الكريم الخطابي، خصوصًا بعد معركة “أنوال” (17 تموز/يوليو 1921) التي سمتها وسائل الإعلام الإسبانية “كارثة أنوال”، ودامت المعركة أكثر من ثلاثة أسابيع (23 يومًا)، قبل أن يُلحِقَ نحو ثلاثة آلاف مُتَطَوّع، بقيادة عبد الكريم، هزيمة نكراء بأكثر من 25 ألف جُنْدِي نظامي من جيش الإحتلال الأسباني، وقع أَسْر سبعمائة منهم، فيما ارتفع عدد القتلى والجرحى إلى نحو 15 ألف، وأحصى عبد الكريم، في مذكراته، الغنائم بمائتي مدفع من عيار 75 أو 65 أو 77، وما يزيد عن عشرين ألف بندقية وكميات كبيرة من القذائف وملايين الخراطيش، وسيارات وشاحنات، وتموينا كثيرا يتجاوز الحاجة، وأدوية، وأجهزة للتخييم، وبالجملة، بين عشية وضحاها وبكل ما كان يعوزنا لنجهز جيشا ونشن حربا كبيرة…”، وأدّت الهزيمة إلى انتحار قائد جيش الإحتلال الأسباني، وقتل مساعده… أما الثُّوّار فقد خسروا ثلُثَ قواتهم، واستشهد منهم حوالي ألف شهيد.

كانت معركة أنوال مُقدّمة لمعارك أخرى عنيفة وانتصارات للمقاومة، وخسر الجيش الإسباني العغديد من المعارك الهامة، إلى أن تدخّل الجيش الفرنسي، خاصة منذ بداية نيسان/ابريل 1925، لنجدة الجيش الإسباني، وللقضاء على المُقاومة المُسلّحة التي رفعت مَعْنوِيّات الشعب المغربي، وأعلنت استقلال جزء من المغرب، وإقامة نظام جمهوري به، وبذلك تحالف الجيشان (ضد قوات جمهورية الرّيف) الفرنسي بقيادة الماريشال “فليب بيتان” الذي تعاون فيما بعدُ مع الجيش النّازي الألماني الذي احتل فرنسا، خلال الحرب العالمية الثانية، والجيش الإسباني بقيادة الجنرال “فرنسيسكو فرنكو”، الذي دعمته ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، خلال الحرب الأهلية 1936- 1939، للقضاء على الجمهورية، ولإقرار حُكم فاشي، حتى وفاته سنة 1975…

حصل عبد الكريم الخطابي وجمهورية الرّيف على تأييد أحزاب الأممية الثالثة، والرأي العام العالمي، ما دفع الجيش الفرنسي الذي يحتل بقية أراضي المغرب، منذ سنة 1912، إلى التحالف مع الجيش الأسباني، بدعم من الولايات المتحدة، للقضاء على ثورة وجمهورية الريف التي أصبحت تُهدّد المشاريع الإستعمارية، في المغرب، وفي بقية مناطق العالم، لأنها أصبحت رمزًا لانتصار جيش من بعضة آلاف من المتطوعين الفلاحين على عشرات الآلاف من جيش استعماري مُنظّم ومُجهّز ومُدَرّب على القتال.

استخدم التحالف الإستعماري الفرنسي الأسباني الأمريكي، الأسلحة البرية والبحرية والجوية، والأسلحة الكيماوية المُدَمِّرَة، بعد خمس سنوات من القتال، وعجز الجيش الأسباني على إلحاق الهزيمة بجيش المتطوعين، بقيادة عبد الكريم، وأدى استخدام “أسلحة الدمار الشامل”، وإلحاق أضرار فادحة بالسكان والحيوان والنبات، إلى إعلان عبد الكريم وقف القتال، يوم 26 تموز/يوليو 1926، “حفاظً على أرواح الناس من السّكّان”، ونفاه الإستعمار الفرنسي إلى جزيرة “لارينيون”، وهي مُسْتعمَرَة فرنسية  في المحيط الهندي، حيث بقي حتى سنة 1947، ولما كانت سفينة فرنسية تنقله إلى فرنسا، نزل بميناء بور سعيد المصري، ووافق الملك على بقائه في مصر، سنة 1947، حيث أعلن عبد الكريم تصميمه على محاربة الإستعمار الفرنسي، ورفض أي حوار، “فإما أن يخرج الفرنسيون وإما أن يفصل بيننا السيف”، وأنشأ خلال نفس السنة، مكتب المغرب العربي ولجنة تحرير شمال إفريقيا، وورد في ميثاق اللجنة: “رفض كل أشكال المفاوضات مع المستعمر ومواصلة الكفاح إلى حين حصول كل أقطار شمال إفريقيا على الاستقلال”، وعارض “علال الفاسي” (حزب الإستقلال بالمغرب) و”الحبيب بورقيبة” (حزب الدستور بتونس) هذا “التّطرّف”، فقد كان الخطابي مقتنعًا بنهج الكفاح المسلح لإنجاز الإستقلال في  المغرب العربي وفي غيره من المناطق…

أهملت المناهج المدرسية وكُتُب التاريخ ووسائل الإعلام حياة وإنجازات عبد الكريم الخطابي، لأنه أسَّسَ نظامًا جمهوريا، ولأنه حامل لمشروع تحرّر وطني واجتماعي، يؤمن بضرورة الكفاح المُسلّح، وحاول إنشاء جيش تحرير المغرب العربي، كبديل للمفاوضات التي تُفْضِي إلى “مُناورة تتمثل في الحصول على استقلال منقوص، ومسخ، يُمَدِّدُ من عمر الإستعمار”، لكن الأجيال المتعاقبة ظَلّت تذكُرُه، وترفع صُوَرَهُ وراياته في التظاهرات الثقافية، وفي الساحات والشوارع، خلال المظاهرات الاحتجاجية في كافة مناطق المغرب.

تقع منطقة “الريف” بشمال المغرب، وهي منطقة يسكنها البربر (أو الأمازيغ كما تريد بعض المنظمات أن نُسمِّيهم )، وكان عبد الكريم (وأبوه من قَبْلِهِ) من مُثقّفي وأعيان المنطقة، ولكنه لم ينطلق في ثورته من منطلقات انفصالية أو “أثنية”، بل كان حاملاً لمشروع تحرري، بتجاوز المغرب إلى شمال إفريقيا، وإلى البُلدان الواقعة تحت الإستعمار والهيْمنة، ولذلك لا زلنا نذكُرُهُ بالخَيْر، ونترحم عليه، فقد كان مناضلا ثوريا أمميا، وعمل على تحرير المغرب العربي، ودعم القضية الفلسطينية، وأطلق نداء لتحرير فلسطين، سنة 1948، أعلن ضمنه “إن فلسطين عربية وستبقى عربية”، وأشرف على إيصال المتطوعين من المغرب العربي، إلى ساحة الحرب، في فلسطين، وتلقى عبد الكريم مُساندة “أمين الحُسيني” و”عز الدين القسام”، وخصه عدد من الشعراء (ومنهم بعض شُعراء المهجر) بقصائد وأناشيد تُشيد بنضاله وبخصاله الثورية…

انتقم النظام المغربي من سُكّان منطقة “الرّيف”، التي بقيت منطقة مُهْمَلَة وفقيرة، يضطر شبابها إلى النزوح أو الهجرة، وجابهتهم قوات القمع الحكومية بالإعتقال والأحكام القضائية الثقيلة، كلما احتجوا على الأوضاع، رافعين صُور الرمز المَحلِّي للثورة “عبد الكريم الخطابي”، بعد عُقُود من وفاته (يوم السادس من شباط/فبراير 1963)، ولما أرادوا إحياء ذكرى وفاته، يوم الخامس من شباط/فبراير 2017، بمدينة “الحُسَيْمَة” (المدينة الرئيسية بمنطقة “الريف”، شمال البلاد )، منعتهم السّلطة السياسية، فتحول إحياء الذّكرى إلى احتجاجات قمعتها قوات الأمن بعنف شديد…

تذكر الوثائق التاريخية، أن عبد الكريم الخطّابي تَمَيّز بالثقافة الواسعة، وبالهدوء في مُعالجة القضايا وفي الحديث مع الناس، ويتميز بالخصوص بقًوّة العزيمة، وبالوضوح السياسي، وبحرصه على تقديم البديل للوضع القائم، حيث اقترنت قيادته لمقاومة الإستعمار، ببرنامج سياسي تمثل في إعلان الجمهورية التي يقع تسييرها وفق ميثاق ودستور ومبادئ وقوانين، ومؤسسات، بدل تأسيس حُكْمٍ مبني على الوراثة أو البَيْعة…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.