حين تفقد أوطانك الثلاثة تصبح ذئبا…أو نعجة، (حلقة 1)، د. عادل سماره

“وهي:الوطن الأرض، المشروع الوطني، لقمة العيش”​​

تحضرني هذه الأيام مقولة الشاعر الماركسي التركي ناظم حكمت: “وحينما تزلق الأرض من تحت قدميك، فإنك تصبح ذئباً”.

تنطبق هذه المقولة على فريق من الناس هو المتماسك نفسياً ، حامل وعي وقوة كامنة تنبثق فيه دون أن يدري كيف وما حجمها بل وكيف كان في داخله هذا كله.

من جرّب الحب الإنساني العميق بنوعيه على الأقل الحب الوطني الطبقي الأممي والحب البشري العشق يعرف:

أنه في الحالة الأولى ترتفع التضحية إلى مقام النبوة، وفي الثانية يرتفع الحب إلى العشق المتعالي لِيُطاول عنان السماء باحثاً عن الملائكة ليكتشف أنه هو الملاك، وحينها يتقاطع ويتلاقى مع الشهداء.

في الحالتين لا بد للمرء، إن كان فيهما أو في إحداهما، أن يمارس فعل طاقة صوفية هائلة بمعنى أنه يُنتج في ساعة عن يوم وفي يوم عن شهر، ولا يجد تفسيراً كيف كان بوسعه فعل هذا كله. كيف كان بوسعه وهو بين ايدي جلاوزة اقوى من عزرائلي أن يقهرهم ولا يُهديهم اي رفيق.

لا يمكنه فهم هذه الطاقة القوة الرهيبة وحتى لو كان عالم فيزياء متخصصا في علم الطاقة وتحولاتها وعدم فنائها، فهو في هذين العصفين في حالة يستحيل قياسها، فينتهي إلى : لا داع لتفسير، أنت هنا، أنت متمتع بكل هذا المجهول الهائل والجميل، وأنت بهذا قوي. إنتهى الجدل، واصل المسيرة، ف “لا بد من صنعاء وإن طال السفر”.

نعم، لكل امرىء أوطان ثلاثة:

الوطن الأول:

الوطن الأول هي البقعة الجغرافية التي تُدعى وطن مجموعة بشرية متقاربة أو متعارفة متوافقة على مشتركات “جغرافيا، تماسُك الوجود والبقاء،ثقافة، لغة، تاريخ وهدف مشترك ولا ينتهي” وتصل في هذا التماسك الداخلي حد الاختلاف عن مجموعة أخرى مجاورة و/أو بعيدة، إصطلحت على أنه وطنها واصطلحت مع الغير على وطنها وأوطانهم.

هو الزلزال إذن، حين تفقد الوطن الأول هذا. وهذا أنت أيها الفلسطيني. فمنذ 1916 و 1917، والحيِّز الجغرافي الخاص بك “وطنك” يُهلك في لحظات تدريجياً بتعبئة بعض مساماته بالمستوطنين، ويُهلك باتساع في لحظات أخرى عام 1948، 1967، 1993، 2019.

والإهلاك بمعنى، بل بفعل تحطيم وجودك وتماسُكك الفلسطيني:جغرافيا، اجتماعيا، طبقيا، إقتصاديا، ثقافياً وأُسَرِياً. وأساس الإهلاك هو إهلاك الحيِّز الجغرافي على النحو التالي:

·       إهلاك تدريجي ومحدود بتسريب أراضٍ للمستوطنين من بقايا أُسر إقطاعية فلسطينية وعربية.

·       إهلاك محيوي “من محى يمحو” كما حصل عام 1948

·       إهلاك تكميلي كما حصل 1967

·       إهلاك مغطى بما يسمى سلام الشجعان وهو سلام راس المال كما يحصل منذ 1993.

هذه الدرجات المتصلة، حتى لو بدت منقطعة/منفصمة عن بعضها تنفي الزعم بأن ما حصل ويحصل ضد فلسطين هو تطهير عرقي فالتطهير العرقي:

·       يحصل من طرف قوي ضد طرف ضعيف لكل منهما حق في الجغرافيا وهذا ليس حال فلسطين لأن الوطن “لنا كعرب”

·       ويحصل في فترة زمنية ما، لا بشكل ممتد بلا توقف

·       وفي بقعة ما وليس على حساب كامل الجغرافيا.

·       والتطهير العرقي ينظر للوطن كمكان وهذا يعني أن التخلي عنه أمر عادي كما صفقات بيع الدونمات.

·       والتطهير العرقي تناقض غير تناحري، فها قابل للتصالح والتسويات.

يستتبع فقدان الوطن الأول حالة من الضياع. وهذا لا ينحصر في الضياع الجغرافي والشتات الجغرافي فقط، بل ايضاً في ضياع الدليل، فقدان آلية ومعنى ما العمل وحتى معنى الذات الشخصية؟

وهنا، تحديداً، في هذه اللحظة النفسية تنقسم الحالة البشرية ، اي الناس إلى فئتين بالمعنى العام:

·       المقاومة/الذئب

·       واستدخال الهزيمة/النعجة

ويتبع هذا بالطبع:

·       تحوُّل المُقاوم إلى صيد طراد مقدس من قبل كافة أنواع الأعداء وليس العدو الصهيوني فقط

·       وتحوُّل النعجة إلى حالة سائلة تعرض نفسها لكافة أنواع الاستخدام.

ولذا، راينا تنوعات فلسطينيين لم نكن نتوقعها ذات زمن.

وهذا ينقلنا إلى الوطن الثاني.

الوطن الثاني المشروع الوطني:

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.