حين تفقد أوطانك الثلاثة تصبح ذئبا … أو نعجة/مطية، حلقة 2، د. عادل سماره

  • الوطن الثاني المشروع الوطني

قطع استهداف الغرب ضد الأمة العربية مراحله الثلاثة ولم يتوقف. لن أعود هنا إلى حروب الفرنجة، فرنجة الإقطاع كأوضح علائم كفاحنا ضد الغزاة الأوروبيين، ويكفي أن أوضح أن هذا الاستهداف بدأ مع تحول أوروبا الغربية خاصة منذ ثلاثة قرون، ولاحقا كل أوروبا: تحولها على دفعات  إلى الراسمالية بحروبها العدوانية ضدنا متخذة خطة وفعل:

·       الاستعمار

·       الإمبريالية

·       فالعولمة اليوم

لقد أنجزت أوروبا الراسمالية، فرنجة راس المال  تدمير أمتنا وهو ما عجزت عنه أوروبا فرنجة الإقطاع.  وما الدين سوى طربوش مزركش في الحالتين يجر البسطاء في حالة و تجربة مؤسِّسة لداعش في وطننا اليوم وهو ما اسميته “الاستشراق الإرهابي”.

 ما يهمني في هذا السياق أنه في  قلب هذا الاستهداف كانت ولا تزال فلسطين.

بعد فقدان الوطن الأول، أصبح الفلسطيني حالة مختلفة عن الأمة العربية لأنها جميعها أي كل عربي في قطرٍ  هو في وطنه باستثناء اقتطاع أجزاء من هذا القطر أو ذاك دون أهلاك كامل حيز اياً من الأقطار التي جرى اغتصاب جزء أو أجزاء منها. صحيح أن الحيز الجغرافي العربي باقٍ، ولكن الوطن كمشروع وطني قومي تحرري  متحد أو موحد جرى إهلاكه ولم يتوقف بعد، اي لم نوقفه نحن بعد.

بإهلاك الحيز الجغرافي أصبح الفلسطيني في حالة من الضياع، حالة تتوفر فيها اساسا وأولاً وربما أخيرا شروط الإنزلاق. حالة من السيولة والصدمة.

لذا، كان لا بد له من البحث عن طريق أو ملاذ، فكان الوطن الثاني أي المشروع الوطني في غياب الوطن الجغرافي كحيز، وغياب البُنى الاجتماعية والطبقية والاقتصادية وحتى غياب الأسرية في كثير من الحالات بينما بقي الجامع السياسي الثقافي كمرتكزات للمشروع الوطني للنضال والتحرير.

المشروع الوطني حالة افتراضية من حيث الجغرافيا لأنه مشروع تحرير واستعادة الوطن المادي الجغرافي، تحرير الحيِّز، أنت كمقاوم تعيش فيه خفية ويجب ان تكون مختفياً.

وهكذا بعد اغتصاب الأرض كان لا بد من مشروع التحرير، فاصبح التحرير هو الوطن السياسي للنضال الفلسطيني هو المشروع الوطني وشكَّل  آلية جمع وإجماع فلسطيني رغم تعدد الفصائل  وسلبية هذا التعدد.  إذن، صار المشروع الوطني أو وطن التحرير هو الوطن المعنوي للمناضلين.

صحيح، أن البعض كان في الصف الوطني ولكنه كان يغازل التسويات بشكل باطني. اي  لم يكن ليعلن ذلك في مرحلة ما حيث كان وهج التحرير والتضحيات طاغٍ ليس فلسطينيا بل عروبياً كذلك.

ولكن، وبقدر ما تم إهلاك الحيِّز الجغرافي للوطن، بدأ إهلاك الحيِّز المعنوي الافتراضي المقاوم للمشروع الوطني، أو التحرير كمشروع وطني.

ومن كان ذا بصيرة، كان يلاحظ ذلك وهو في  أوَّلياته وكان البعض يُلمِّح عليها ولكنه لم يكفر بها، ولذا فإن الانقضاض على تراثها اليوم “بعد خراب البصرة” هو مراثٍ أكثر مما هو دروس. لقد بدأ إهلاك الحيز الثاني منذ تغيير المثياق القومي الفلسطيني إلى الميثاق الوطني 1968.

لا أميل هنا إلى جردة تاريخية لمحطات إهلاك المشروع الوطني أو الوطن كمشروع كانت شعارات مثل:  “عدم التدخل في شؤون الدول العربية” ، “التعاطي مع مشاريع التسوية والحلول”، “السلطة الوطنية على كل شبر محرر” “الدولة الديمقراطية العلمانية ” “القرار الوطني المستقل”، “نقل القيادة إلى الداخل” إلى أن تم تتويج هذه جميعاً باتفاقات أوسلو وطلائها ب “سلام الشجعان” لإخفاء حقيقة كونها سلام راس المال.

اتضح كل هذا مع الوقت سواء من حيث اللقاءات والحوارات مع سلطات الكيان أو مع “اصدقاء” مشتركين لقيادة م.ت.ف والكيان مثل الرئيس النمساوي برونو كرايسكي أو الحوارات بين أكاديميين من الطرفين، أو قيام البعض بحمل رسائل سواء من قيادة الكيان أو الإدارات الأمريكية إلى قيادة م.ت.ف…الخ

هذا ناهيك عن ما تسمى مبادرات “السلام” مثل مبادرة بريجنيف، وفهد والعديد من هذه “المبادرات”.

وفي حقيقة الأمر كانت هذه آليات لتطبيع قيادات المقاومة على مغادرة المشروع الوطني للتحرير واستبداله بمشروع التسوية، اياً كان مضمونها من جهة، وتطبيع المقاتلين نفسياً من جهة ثانية.

وقد “اثمرت” هذه المحاولات الخبيثة، وخاصة مع الزمن، في مظهرين أساسيين:

الأول: قرار قيادة م.ت.ف القبول باتفاقات أوسلو  والعودة كقيادة إلى الأرض المحتلة دون خروج المحتل، اي استبدال حق العودة للشعب بالتحرير ب “فرصة” العودة للقيادة.

والثاني: قبول الكثير من كوادر المقاومة بالعودة ، بعد تطبيعهم الثقافي والنفسي ليعودوا دون عودة الشعب وها هو الكثير منهم شركاء مع محليين كجلادين حقيقيين ومنسقي أمن وفاسدين…الخ.

وفي هذه اللحظة تحديدا، كان قد تم شطب المشروع الوطني للتحرير بمشروع الاستدوال. اي تم تجريد الشعب الفلسطيني من الوطنين الجغرافي والافتراضي/السياسي الوطني.

والحقيقة، أن كل فصيل بقي في م.ت.ف منذ توقيع اتفاقات أوسلو هو موافق عليها رغم الكثير من حديث البعض بأنهم ضد الاتفاقات حتى بعد مجيىء قياداتهم إلى الأرض المحتلة عبر الجسور وموافقة العدو!

بعد فقدان/مغادرة الوطنين الحقيقي والافتراضي صار هناك متسعاً للكثير من التلاعب اللغوي السياسي في الحالة الفلسطينية وتجلى  ذلك في تحالف القشرتين/الخاصرتين الهشتين الثقافية والسياسية “الثقاسية”.  فكما اشرنا في غير مقالة أو حديث انتقلت القيادة من التحرير إلى الاستدوال، وبقي معظم المثقفين المنشبكين خلفها يُفسِّرون ويغطون تنازلاتها حيث انتقلوا من التنظير ل “غابة البنادق” إلى تبرير نضال الفنادق واللقاءات العلنية مع قيادات الكيان والحديث والكتابة العلنية بأن كل هذا نضالاً!

وبمرور السنوات تم ضخ حقن المال المسموم في البلد ومن عديد المصادر غربية وعربية وجميعها بهدف تمرير التسوية فكان تزايد اعتماد قطاعات شعبية واسعة على هذا المال ليصبح وطنها وظيفتها في السلطة مما سهّل عليها ممارسة أدوار قمعية وتبريرية للسلطة وكأن البلد بلداً طبيعياً!

وهكذا، جرى تذويب المشروع الوطني/التحرير في مشاريع دولة، دولتين، مفاوضات، حوارات…الخ. أو بتكثيف جرى استبدال التحرير بالاستدوال.

وعاماً بعد عام، جرى استدخال الهزيمة ليصبح مفخرة وتحدٍ وقمع.

وها نحن نشهد آخر تجليات هذا التحول بأن اصبح مشروع معظم فصائل م.ت.ف إجراء إنتخابات لشعب بلا ارض ما يعني التخلي عن الوطن الثاني اي مشروع التحرير.

وبمقدار ما يحضرك قول ناظم حكمت، كما في الحلقة الأولى، يحضرك فرانز فانون في كتابه معذبو الأرض، وخاصة في مقولته بأن المستَعمَر، قبل أن يتماسك ويصمد ويقاتل وينتصر، يعيش حالة أو فترة استبدال الانتصار على العدو باختلاق معارك بيْنيةٍ صغيرة وضيعة ليحقق كل فريق فيه انتصاراً على الآخر في حالة من الإسقاط النفسي بل الإشباع النفسي بانتصارات صغيرة وضد الشعب نفسه.

هذا ما اسميته من بين مصطلحاتي ب “إستدخال الهزيمة” التي وصل بها البعض حد الشعور  والاقتناع بأن الوطن هو سلطة وسيادة ومال!

صورة تقريبية لما جرى:

ضمن الوطن الافتراضي جغرافيا، المادي مقاومةً كان التفاف الفدائيين حول المشروع الوطني وكان يملؤنا ذلك بالرضى وحتى بالنشوة قبل الاعتقال، وخلال التحقيق وبعده وبعد السجن. أذكر في هذا السياق حينما كان عدوان الكيان على المقاومة في الأغوار إثر هزيمة 1967 وخاصة في معركة الكرامة التي شارك فيها الجيش العربي الأردني ببسالة ايضاً، أن ثلاثة من معتقل رام الله تغيبوا قبل المعركة ببضعة ايام وأعيدوا بعدها ببضعة ايام. كنت أعرف أن إثنين منهم كان دورهم الدليل الذي يعرف الطرق بين الضفتين الغربية والشرقية لنهر الأردن كي يتسلل منها الفدائيون إلى الأرض المحتلة في مجموعات أسميناها “دوريات”.

داخلني الشك بأن هؤلاء تم استخدامهم. جلست مع أحدهم في زاوية غرفة السجن وبدون اي عنف اقرَّ بأنهم أُخذوا كي يُرشدوا الكيان إلى قواعد المنظمات وتم وضعهم في الدبابات الأول. أخبرت الرفاق، وقررنا تأجيل محاكمتهم إلى حين انتصار “الثورة”. وبقيتُ ضد قتل العملاء في السجن بل محاصرتهم.

كان ذلك عام 1968 وها نحن في عام 2021، ولا ندري من يجب أن يحاكِم من!

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.