الاقتصاد السياسي كبوابة للثورة، الطاهر المعز

أدّى انهيار الدّولة العباسية إلى وضع حدّ لحقبة تاريخية عرف خلالها العرب والشعوب المجاورة تطورًا ازدهارًا علميا واقتصاديا، وكانت الحقبة الطويلة للإحتلال التّركي العثماني فترة مُظْلِمة، بدّدت المكاسب التاريخية للعرب وانتهت بتسليم المُحتل العُثماني البلدان العربية، من غربي الجزائر الحالية إلى العراق، للمستعمر الفرنسي والبريطاني، عندما بلغت أوروبا الرأسمالية مرحلة الإمبريالية، بفضل الثورة العلمية والصناعية، واستغلال ثروات وشعوب القارات الأخرى.  

هذه محاولة لتبسيط بعض مفاهيم الإقتصاد السّياسي، ولتصحيح بعض ما لحقنا من أذى جرّاء هيمنة الرّواية الأوروبية للتاريخ البشري، دون أن ننكر فضل الثّورِيِّين الأوروبّيِّين في مقاومة هذه الهيمنة الرأسمالية والإمبريالية الأوروبية، وفي دَعوة الشعوب المُضطَهَدَة والعاملين في العالم، للإتحاد ومقاومة الإستغلال الطّبقي والإضطهاد القومي…   

أدى انتشار الصناعة، منذ القرن الثامن عشر إلى إحداث تغيير جوهري (هيكلي) على مجتمعات أوروبا الغربية، ورافق انتشار الصناعة طغيان العمل الصناعي على العمل الزراعي، وبروز عبارات جديدة كالمعمَل (مكان العمل) أو المصنع (مكان الصناعة)، بدل المزرعة والمَرْعَى، حيث أصبحت الآلة أداة عمل بدل الحصان والعربة والمحراث اليدوي، وأصبح العامل يحصل على أجْرٍ، يومي أو أسبوعي أو شهري، بدل الحصول على جزء من الإنتاج بنهاية كل موسم، وأصبح صاحب المصنع (الرأسمالي) يحصل على الربح الذي لا يأتي من التجارة وإنما من إضافة قيمة للمادة الخام، عبر تصنيعها (من قِبَل العامل) لتصبح آلة أو أداة يحتاجها الإنسان، كفرد أو مجموعة، في حياته اليومية٬ وتُشكّل المواد الأولية والآلة (أداة العمل) وقوة العمل (جُهْد العامل) مصدَر القيمة الزائدة والرّبح، ما يعني أن جُهْد الإنسان العامل مُكَوّن أساسي لخلق الثروة…

يهتم الاقتصاد السياسي بالبحث عن القوانين الموضوعية التي تُحدّد قيمة السّلعة عند إنتاجها، وكيف يتشكّل ويتحدّد سعر الإنتاج وسعر البيع وكيف يرتفع أو ينخفض سعر المنتجات في الأسواق (فضلاً عن مسألة العرض والطلب)، وأجر العامل وهامش الرّبح وسعر الفائدة…

 إن القانون المَوْضُوعي الذي يحكم هذه الظواهر، هو ما سماه كارل ماركس “قانون القيمة”، وهو القانون الذي يُستخدَمُ لتفسير وتحليل ظواهر إنتاج الثروة المادّية وتوزيعها في المجتمع، وبين مختلف طبقاته، وتُشكّل النضالات العُمّالية، منذ منتصف القرن التاسع عشر، اعتراضًا على تقاسم نتيجة العمل (أو القيمة التي أنتجها العُمّال)، فجُهد العامل هو الذي يُضفِي قيمة زائدة على المُنتج النهائي، ولكن الرأسمالي يحتكر هذه القيمة لنفسه، ويُعيد منها جُزْءًا بسيطًا جدًّا للعامل، خالق القيمة والثّروة…

دَرَسَ “كارل ماركس” كيفية تحديد قيمة الإنتاج (السّلعة): هل يتحدّد بحجم الوقت الضروري للإنتاج، أم بمنفعتها، أو ما تُسمّى “القيمة التبادلية”، أي حاجة الإنسان لسلعةٍ ما، وتختلف المنفعة من مكان إلى آخر، فلا يحتاج من يعيش في الصحراء أدوات التّزحلق على الثّلج، ومن شخص إلى آخر، ولكن الرأسمالية تمكنت من الهيمنة على العالم، ومن خلق حاجات جديدة، غير ضرورية، ثم فرضتها على الجميع لتصبح ضرورية، كالهواتف المحمولة والحواسيب…

هل تمكنت الرأسمالية من تغيير عناصر الإنتاج؟

لا يزال الصراع قائما بين رأس المال والعمل، ما دام العامل يعمل بأجر (أسبوعي أو يومي أو شهري)، والرأسمالي يستحوذ على الرّبح المُتأتّي من جهد العامل (والجُهْد عمل واعي، وليس آلي)، وصاحب العقارات يحصل على ريع والمصرف (رأس المال المالي) يحصل على فائدة من عملية الإقراض، ويتمحوَرُ الصّراع، بين من يملكون ومن لا يملكون، حول حصة كل طرف من القيمة الزائدة، أو الفارق بين أجر العامل والربح، مهما كانت التسمية (ريع أو فائدة أو رِبح)، وهو يُخْفِي صراعًا بين مفهومَيْن: تحديد قيمة الإنتاج على أساس الجُهد والوقت الذي يبذله العامل، من جهة، أو تحديد القيمة بحسب المنفعة، ما يُيَسِّرُ عمليات المُضاربة، ويُيَسِّرُ كذلك محاولَةَ فَصْل الإنتاج عن المُنتج وعن عملية الإنتاج، وإلغاء (بشكل مُصْطَنَع) أسباب الصراع الطبقي والإجتماعي، عبر تجاوز قانون القيمة الذي ابتكَرَهُ كارل ماركس ( 1818 – 1883 )، رغم محاولات من سبقه مثل آدم سميث ( 1723 – 1790 ) ودفيد ريكاردو (1772 – 1823)، ويعتمد الإقتصاد السياسي البرجوازي على التّضليل، حيث يخلط عمدًا بين الوقت الذي يقضيه العامل لإنتاج سلعة والجُهد الذي يبذله، لتحديد القيمة، خاصة مع صعوبة تحديد قياس قيمة إنتاج “الخدمات” أو العمل الذّهني، ويبقى العامل المُشترك بين الأُجَراء وصغار المُنتجين هو الجُهد الواعي المبذول لإنتاج سلعة أو خدمة، وفائض للقيمة الناتج عن هذا الجُهد الإنساني، ويعتبر كارل ماركس أن عملية الإنتاج، في نمط الإنتاج الرأسمالي، تستهدف السّوق، وليس لتلبية الحاجة الشخصية، وتتم عملية بيع الإنتاج في السّوق في غياب المُنتجين، وتخضع لمساومة بين البائع والمُشتري، لتحديد السعر، أي أن السعر غير ثابت، ولا علاقة له بقيمة الإنتاج، كما تخضع اللاقة بين الأجير (العامل) والمُؤَجِّر (الرأسمالي) لمساومة، تتخذ في ظاهرها طابع “التعاقد الحُرّ”، أي أن العامل ليس مُجْبرًا (في الظاهر أو في الشّكل) على العمل وقُبُول شُرُوط رب العمل الرأسمالي، لتُصبح قُوّة العمل سِلْعَةً خاضعة للبيع والشّراء وللمساومة…

نمط الإنتاج خارج أوروبا:

حدّد كارل ماركس تطور نمط الإنتاج في أوروبا من العبودية إلى الإقطاعية ثم الرأسمالية، وكتَبَ وناضلَ من أجل تغيير نمط الإنتاج الرأسمالي إلى نمط إنتاج اشتراكي، وكان من مُؤَسِّسِي “جمعية الشغيلة العالمية” سنة 1864 (الأُمَمِيّة الإشتراكية ) مع رفيقه فريدريك إنغلس ( 1820 – 1895 )، وأشار ماركس، في بعض الدّراسات إلى ما سُمِّي “نمط الإنتاج الآسيوي”، ما يُشِير إلى وَعْيِه بأن ما ينطبق على أوروبا، قد لا ينطبق على مناطق العالم الأخرى، سواء آسيا أو إفريقيا أو أمريكا، وارتبطت هذه الإشارات بالإشارة إلى الإستعمار الذي يشكل مرحلة من مراحل تطور رأس المال، تتمثل في استكمال غزو الأسواق الدّاخلية ومحاولة تصريف الإنتاج في أسواق جديدة، باستخدام القُوّة المُسَلّحة، ونهب المواد الأولية وإجبار سكّان البلدان الواقعة تحت الإستعمار على العمل لصالح الشركات الرأسمالية الأوروبية في أسوأ الظروف، وهي المرحلة التي أطلق عليها فلاديمير إيليتش أوليانوف – لينين” ( 1870 – 1924 ) وصف الإمبريالية واعتبرها المرحلة العُليا للتطور الرأسمالي…

هيمنت وجهة النّظر الأوروبية (المَرْكَزانية الأوروبية) على الدّراسات والبُحُوث التاريخية والحضارية والإقتصادية، بحكم هيمنة أوروبا الإستعمارية على العالم، لِيُصبح تاريخ العالم جزءًا من تاريخ أوروبا.

مارست جميع شعوب العالم الزراعة والتجارة، منذ قديم الزّمان، وابتكر شعب ما بين النّهْرَيْن تقنية الرّي، وأنشأ الفينيقيون مصانع لتصبير الأسماك في موانئ سوريا ولبنان وتونس، وغيرها، كما بَرَع سكّان القارّة الأمريكية، الذين أبادهم المُحتلُّون الأوروبيون، في الزراعة، وبرعت شعوب عديدة في استخراج المعادن وتصنيعها لتتحوّل إلى وسائل إنتاج أو إلى أدوات تُخفف من أتعاب العمل في الزراعة أو تُساعد الإنسان في حياته اليومية، ولولا هذا التطوّر الذي حصل تدريجيا في تاريخ الشّعوب لما استطاع الإنسان بناء الأهرامات في مصر وأمريكا الجنوبية، أو جدار الصين أو المعابد والقُصور الضخمة في أوروبا كما في القارات الأخرى…

لم تقتصر ممارسة التجارة على حدود بلد ما أو امبراطورية، بل سافر التّجّار عبر البحار لشراء سِلَعٍ بأسعار منخفضة، ونقلها، بهدف تحقيق الربح من بيعها في منطقة أخرى، وتمكّنت الشعوب من تصنيع أغطية وملابس ومنسوجات من الصوف والقطن وشَعر الحيوانات، وتمكنت من تحويل الورود والزّهر إلى عُطور، وغير ذلك من الصناعات البدائية التي كانت تُباع في مناطق عديدة من العالم، كما مارس المُضاربون الربا عبر عمليات الرّهن أو الإقراض…

تطورت الرأسمالية في أوروبا، بعد هزيمة العرب، من بغداد إلى قرطبة بالأندلس، واكتشاف رأس الرجاء الصالح، وتوجّه إمارات ومملكات أوروبية إلى صناعة السفن الضّخمة وتنظيم رحلات استكشافية، وممارسة التجارة، مباشرة بين آسيا وأوروبا، ما هَمّش دور الوسيط التجاري للعرب، ويَسَّرت حركة السفن الضخمة، المُجَهّزة بالسّلاح النّاري (البارود) نَهْبَ ثروات شعوب أمريكا وإفريقيا وآسيا، وأدّى اصطياد سكان إفريقيا واستعبادهم في المزارع إلى تكثيف حجم الإنتاج الزراعي وتيسير عملية التّراكم الرّأسمالي، وتمثّل الولايات المتحدة الأمريكية نموذجًا لتحقيق التّطوّر الرأسمالي إلى درجة الإمبريالية، في زمن قياسي، وعلى جُثَث السّكّان الأصلِيِّين والمُسْتَعْبَدِين من سُكّان إفريقيا الذين وقع اصطيادهم وسوقهم قَسْرًا إلى قارة أمريكا…                 

كتب جَدُّنا “عبد الرحمان بن خلدون” ( 1332 – 1406 ) “الإنسان مَدنيٌّ بالطّبع”، أي إن الإنسان كائن اجتماعي، وكتب كارل ماركس أن عملية الإنتاج اجتماعية بطبيعتها، وهي عملية متجدّدة باستمرار، مُرتبطة بالإستهلاك وبالتبادل على المستوى المحلي والعالمي، لكن عملية التّبادل تتم في مرحلة الرأسمالية الإمبريالية بشكل غير متكافئ، حيث تنهب القوى الإمبريالية وشركاتها المواد الأولية والإنتاج الزراعي من البلدان الواقعة تحت الهيمنة، وتُصنّعها خارج مواقع الإستخراج، ثم تُعيد تصديرها إلى بلد المَنْشَأ بأسعار مُضاعَفَة، ما يعرقل تطور هذا الصنف الأخير من البلدان ويمنعه من الإستثمار في البحث العلمي والتّصنيع، ويدمجه في النظام الرأسمالي العالمي، كمفعول به وليس كفاعل، لتبقى هذه البُلدان في حالة تَبَعِيّة مُزْمِنَة، في حالة ضعف وواقعة تحت الهيمنة، ما لم تحدث بها ثورات مُظَفَّرَة ضد الهيمنة الخارجية (الإمبريالية، أو العدو الخارجي، بما في ذلك صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية) والطبقات التي تحافظ على مصالح الإمبريالية، أي طبقة البرجوازية الكمبرادورية، أو العدو الدّاخلي، تضع حدّا لعملية النّهب وتهريب الثروات، أي خُرُوج ما ينتجه العامل والمُزارع والكادح المَحَلِّي من قيمة زائدة، إلى أوروبا أو أمريكا الشمالية أو اليابان، بدل استثمارها في الدّاخل لتطوير البُنية التّحتية والبحث العلمي والخدمات وما إلى ذلك.

لن تتغير أو تَنْهارَ الأنظمة الرجعية والتابعة من تلقاء نفسها، بل بفعل العمل الجماعي والمُنظّم، ولكن لماذا لم تسقط الأنظمة خلال انتفاضات تونس ومصر، بل ضَحّت الفئات الحاكمة والإمبريالية التي ترعاها بأفْراد قلائل، يحتلّون مناصب رفيعة، لإنقاذ النظام واستدامة الهيمنة والنّهب؟ لأن المُنتفِضِين يُمثلون مجموعة أفراد، ولا يُمثّلون مجموعة لها برامج وأهداف وتصورات بديلة للوضع الذي انتفضوا ضدّه، ولم يكن للمنتفضين حزب سياسي يُمثّل طموحاتهم، وقادر على إنجازها، ما جعل الإمبريالية، وهي الحاكم الفِعْلِي في معظم البلدان العربية، تنجح في امتصاص الغضب والإلتفاف على مطالب المُحتجّين، ويبقى السؤال مطروحًا بإلحاح: ماذا هيّأنا للإنتفاضة القادمة، لكي تتحول إلى ثورة؟             

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.