حين تفقد أوطانك الثلاثة تصبح نعجة/مطية أو ذئباً، حلقة 3 والأخيرة، د. عادل سماره

نهاية المرجعية

أخطر مفاعيل إتفاقات أوسلو هو غياب المرجعية السياسية الوطنية للشعب الفلسطيني. فحينما كانت م.ت. ف عنوان المشروع الوطني، كان عمل أو موقف أي فلسطيني سواء كان فصيلا أو نقابة أو طبقة أو فرداً يُقاس على تطابقه مع رؤية المرجعية بما هي ممثلة للشعب الفلسطيني طالما هي على طريق التحرير بمعزل عن كونها بالحجم الذي طرحت به نفسها أم لا.

إن معنى تحول هذه المنظمة إلى الاعتراف بالكيان هو قلب كافة المواقف والمفاهيم وتفكيكها باتجاه الضياع وليس باتجاه إعادة بنائها.

حينما أعيدت م.ت.ف إلى الأرض المحتلة، حضرت، صدفة وبدون اتصال، إلى مكتب مجلة كنعان مجموعة رفاق ممن أتوا من الخارج: وعند الباب قال أحدهم بلهجة بين التردد والأمل: مقبولين ندخل!

جرحني السؤال، وهم يعرفون أن موقفي ضد أوسلو.

تحدثنا في الكثير ومما قاله:

قال لنا التنظيم، الآن : كل واحد يدبر حاله! لذا، تفرق الكثير من الكوادر بين من لا خيار له سوى العودة تحت مظلة السلطة وخاصة من كانوا قد قطعوا دراستهم وانخرطوا في المقاومة أو من ليست لديهم أية تخصصات مهنية ولا ثروة ولا جنسيات ثبوتية ولا اي مصدر رزق…الخ. كان على هؤلاء الانتقال من مقاتلي التحرير إلى كوادر الاستدوال. أما من كانت لديه فرصة البقاء في الخارج فبقي، علماً بأن الكيان لم يكن ليُدخل كل من رغب، وإلا لكان حقق حق العودة!.

يعني نهاية المرجعية نهاية مشروع التحرير أو الوطن الافتراضي الجامع للشعب الفلسطيني  بغض النظر عن مكان تواجده وعن الدور النضالي لكل فرد أو تجمع وحتى بغض النظر عن أسلوب الحياة .

إثر اتفاقات أوسلو يمكن تقسيم افتراق الفلسطينيين إلى قطاعات ثلاثة في داخل كل منها تفاصيل:

·       قطاع فلتان داخل المدار ولكن ب  “تناسل مشاريع وطنية! “

·       وقطاع فلتان خارج المدار

·       وقطاع المقاومة الفردية لبناء مدار أصلب.

اولاً: فلتان داخل المدار ولكن ب  “تناسل المشاريع/الوطنية/النعجة”

لذا، ما أن عٌقدت اتفاقات أوسلو حتى تناسلت العديد من “المشاريع الوطنية”.فلم تعد تسمع أو تقرأ رؤية أو مشروع تنظيم أو فصيل يشبه آخر، بينما يُطلق كل تنظيم على رؤيته “المشروع الوطني”. ورغم تعدد “المشاريع إلا أن اياً من هذه الفصائل غير اسمه طبقاً لمغادرته الفعلية مشروع التحرير أي لم ينزع يافطة التحرير التي لم تعد سوى يافطة. وللمثال لا الحصر:

·       المقاومة السلمية/الشعبية: وهي توجه ساسة وفصائل ومثقفين/ات يرفضون ويدينون الكفاح المسلح. بعضهم كتب بأن الكفاح المسلح أكثر عمل أصاب القضية الفلسطينية بالضرر. بعضهم كان في اي نقاش أو محاضرة عن القضية يقفز ليقول:”أنا ضد الكفاح المسلح” دون أن يسأله أحد رأيه وحتى لو كان النقاش عن السياحة أو الصحة! وكأن مهمة هؤلاء هي مطاردة هذا الشكل النضالي وتقديم تقارير لسادتهم..

ترتب على هذا الشكل من “المقاومة” الاحتضان الإعلامي الغربي والمحلي وكثير من إعلام المقاومة !بتضخيمه وإبرازه على أنه الشكل الوحيد المقبول دولياً والذي يوصل الحقوق الفلسطينية وخاصة عبر المفاوضات والتطبيع. بينما حقيقة الأمر هي طمس الكفاح المسلح وصولاً إلى التطبيع وتكريس الاعتراف بالكيان.

·       التفكير الجديد: وهو توجه قُصد به ايضاً نقد الكفاح المسلح وتأكيد عدم جدواه وطمس اي إنجاز لمحور المقاومة والتغطية على التطبيع بمستوياته اي الفلسطيني والرسمي العربي والقطاعي (اقتصاد، ثقافة، نسوي…الخ). لكن هذا التوجه لم يتمكن من تقديم أطروحة متماسكة لمعنى “التفكير الجديد” على اعتبار أن القديم هو التحرير.

والحقيقة أن هذا التيار قد تجسد في الطابور السادس الثقافي الذي يشتغل على فصل القضية عن عمقها العربي لكي يغطي على حقيقة أن الصراع عربي صهيوني وبالتالي فإن إمكانية الانتصار واردة في حالة بناء واقع عربي جديد. بمعنى آخر، هذا التوجه هو إقليمي فلسطيني مقصود به إشعار الفلسطيني أن لا حول ولا قوة له وعليه ان يأخذ ما يمكنه بالحوار! وضمن هذا التيار دُعاة الدولة الواحدة بمختلف طبعاتها أي: دولة علمانية، دولة ديمقراطية، دولة ثنائية القومية، دولة مع المستوطنين…الخ. وهذه جميعاً، لا تضع دعاتها أمام اي مشروع عملي سوى بث الإهلاك النفسي وقطع الطريق على أي عمل كفاحي لأنهم يَعِدون الناس ذات يوم بدولة واحدة هي ليست سوى رؤية للمستقبل ومشروطة بالتحرير والدولة العربية الواحدة.. بل إن جماعة المقاومة السلمية على سلبية طرحها أكثر عملياتية من هؤلاء.

·       قطاع أو فريق الإزدواجية: وقد يكون هذا الفريق هو الأشد خطورة، وهو موجود في مختلف تلافيف المجتمع. وهو باختصار ساسة ومثقفين ومحللين من الجنسين يتحدثون ويكتبون علانية عن الوطن والتحرير…الخ وفي جلساتهم الخاصة يقولون بأن اي نضال هو عبثي. أو يتحدثون بالعربية بشكل وبالإنجليزية والعبرية بشكل وموقف  مختلف.

·        صراع ايديولوجي: لقد تمكن فريق مما يسمى اليسار الصهيوني من تمرير مقولة أن الصراع في فلسطين بل على فلسطين هو صراع إيديولوجي، بمعنى: إذا أعلن الكيان جماعيا او فردانيا تخليه عن الإيديولوجيا الصهيونية فإن الصراع ينتهي إثر ذلك، أي ليأخذ الوطن ويطَّرح الإيديولوجيا! وفي ترويج هذا “ابدع” التروتسك.

هذا وكأن المسألة مجرد نقاش نظري في أمور مجردة! اي كأن الصراع لا  اقتصادي ولا  سياسي ولا ثقافي ولا نفسي، بل هو أكثر تركيبا وتعقيدا!

·       صراع ثقافي: يثرثر البعض اليوم بأن الصراع ثقافي، وبالتالي، كأننا في مدرسة ومن يحفظ الدرس أسرع يكن المتفوق. وهذا أكثر الطروحات ركاكة وبؤساً حيث يدعو للتتلمذ المطلق على  ما يُقال عنَّا في الغرب و في الكيان.

·       صراع ديني: وهذا ربما الأخطر لأنه يتناسى الجغرافيا تماماً وخاصة في حالة قوى الدين السياسي الفلسطينية، ولا أقصد الجهادية الحقيقية. ربما يعود هذا الزعم إلى حروب الفرنجة التي قامت كي تتخلص أوروبا من فائض الأمراء الإقطاعيين والسكان  فغزت المشرق العربي  قبل قرون من  غزوة الفرنجة الثانية باحتلال الفرنجة للأندلس واقتلاع العرب حضارة وشعبا ومحاولة لحاقهم في المغرب لولا أن تم صدهم.

كان شعار حروب الفرنجة إنقاذ قبر السيد المسيح! ومن يدري حقاً اين هو!

·       غزوات الأنجزةNGOs :  وهذه تمثل حالة وسطية وخبيثة تقود إلى إرباك التحليل. فمن حيث المبدأ، لا يرسل لنا الغرب الرسمي  أية منظمة هي حقا غير حكومية  لأنها جميعاً يتم تمويلها من دائرة تسمى  وكالة تنمية ما وراء البحار Overseas Development Agency  .

هناك استشناء هي بعض المنظمات ذات الاتجاهات التقدمية واليسارية التي تعمل بعيدا عن الحكومات، وربما يحصل بعضها على تمويل من حكومات بلاده.

المهم أن الأنجزة مقصود بها تمكين الغرب الرسمي كعدو  من الشغل مع قطاعات شعبية بعيدا عن الأنظمة الحاكمة في بلاد الفقر والتبعية. اي بكلام آخر اختراق النسيج الاجتماعي رغماً عن انف السلطات او برشى للسلطات.

ما يهمنا أن منظمات الأنجزة في الأرض المحتلة لا تقوم بتنمية وكثير منها يعمل بشكل مشترك مع فروع لها داخل الكيان مما خلق شبكة تطبيع مشتركة.

ولعل أطرف ما كتبت إحدى “الأنجوزات” معلِّمة في  جامعة بير زيت  قبل سنوات: “المطلوب أن تقوم المنظمات غير الحكومية بمراقبة السلطة “! فأي تنزيه هذا؟ جميل!!! فإذ ما تمت هذه المراقبة،  فإلى مَن ستُرسل تقارير الأنجزة!

ذات مرة كان تحريفي يلقي خطابا في اللجنة المركزية للحزب البلشفي فلم يكن من لينين إلا ان قال: “أنظروا إلى هذا الصبي الذي بلا لباس”

ومن جهة ثانية، هناك مؤخراً منظمات أنجزة تابعة وممولة من أنظمة الخليج قطر والإمارات والسعودية، وهذه تتخذ اسماء عدة سواء خيرية، أو زكاة او رعاية دوائر في الجامعات كما يفعل مركز عزمي بشارة  والمهم أنها لا تخرج عن سياسات حكوماتها المحكومة. أنظر الرابط أدناه عن مؤسسة تدعو لأبحاث عن اثر كوفيد 19 على ما يسمونه فلسطين ويقصدون المحتل 1967، واللافت جملة في نهاية الإعلان تقول بأن المؤسسة ترفض اي بحث تطبيعي!

ما هذه العفّة! والتمويل من أشد الأنظمة تطبيعا مع الكيان اي الإمارات بل التي تصطف عدوانيا مع الكيان ويقوم إعلامها بالترويج بأن الفلسطينيين هم المستوطنون!

حتى ما قالته العرب “هزُلت حتى سامها كل مفلسِ” لا يُعبر عن هزال الحالة.

ثانياً: فلتان خارج المدار/المطية/الأداة:

وهذه الظاهرة هي الأشد إيذاءً للنضال الوطني الفلسطيني وللقضية عموما لأنها نتيجة فقدان الأوطان الثلاثة اي:

·       الوطن فلسطين كجغرافيا

·       المشروع الوطني

·       ومصدر العيش

هذا الفقدان خلق حالة اجتماعية سياسية ثقافية نفسية  زَلِقة تدفع الشخص للتصرف بلا قيود ولا روادع وأحيانا بنفسية ممرورة وحاقدة.

 قابل هذه الحالة من الفلتان ، بل تلقفتها، عروض شراء فلسطينيين وتجنيدهم في المجموعات الإرهابية بغض النظر أين. فقد تمت “الاستفادة” من فلسطينيين ذوي خبرات قتالية لصالح مجموعات إرهابية ضد سوريا وليبيا والعراق وبالطبع كان الإغداق المالي من أنظمة النفط العربية التي انتقلت بل وسَّعت دورها في تقويض القضية الفلسطينية من:

o      رشوة م.ت.ف لتحويلها من الخندق إلى الفندق

o      إلى رشوة/ شراء أي فرد فلسطيني لتوظيفه في اي عمل مهما كان دنيئاً.

 صحيح أن اعداد الفلسطينيين الذين شاركوا في هذه الجرائم محدود، ولكن خطورة ذلك في التضخيم الإعلامي المقصود من أعداء القضية الفلسطينية وعروبتها لتكفير الطبقات الشعبية العربية بالقضية. ولعل أحد الأمثلة على هذا الاستثمار الأسود ما كتبه نوري المالكي رئيس وزراء العراق الأسبق تحت الاحتلال الأمريكي الذي لم يُقتلع بعد بأن أكثر العمليات الانتحارية ضد الشعب العربي في العراق هي من  فلسطينيين!

وباختصار، تساقط كثير من الفلسطينيين في صفوف الإرهاب، فتح الإسلام، داعش، القاعدة المنظمات التابعة لتركيا مع ما يسمى الثورة السورية…الخ .

ثالثاً: الخروج الإيجابي عن المدار/ الذئب:

لا تفترق التناقضات في اية بنية، هذه قاعدة في الطبيعة والمجتمع والفكر.

لذا، في حين قاد سقوط المرجعية إلى تناسل إما الاستسلام أو الارتزاق أو التحول إلى أدوات، قاد ايضا إلى بروز حالات العمليات الفردية، قتال الذئاب المنفردة التي سواء بوعي وخطة، أو بالضرورة هي روافع لتجاوز الأزمة.

لقد شكلت هذه الحالات مصدر حرجٍ للمرجعية المتهالكة وقلق للكيان معاً لاسيما وأن اكتشاف  هذه الحالات الفردية أمر في غاية الصعوبة.

هكذا يقوم الفلسطيني المختلِف كذئب: بمبادرة بعمليات فردية (أنظر كتابنا المثقف المشتبك والعمليات الفردية:روافع لتجاوز الأزمة)  ما أمكنه الموقف والأدوات، سكاكين، استشهادية، إضراب حقيقي طويل، نقد القوى وبانضمام لقوى ثورية عربية او أممية.

أخيراً، وعلى ضوء صفقة القرن، ووراثة بايدن لها، وعلى ضوء قرارات منظمات أل 14  شباط في القاهرة وتقزيم النضال الفلسطيني إلى مجرد إنتخابات، حتى لو شرعية، فإن الطريق إلى إعادة خلق مرجعية ثورية جبهة وطنية تنضم إلى محور المقاومة.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.