التطبيع يخلق نقيضه … لا حصراً في الأرض المحتلة، عادل سماره

إلى الرفاق العروبيين في تونس وأي قطر عربي،

الرفيق محمد الجبلّي والرفيق ابو علي العربي

نعم، والتطبيع يخلق نقيضه، لا باس من إعادة هذا الأمر كثيرا. فهو رد الحدث على الحدث أو نقض الحدث بالحدث. ولعل هذا أمضى سلاح في رفضنا للتطيع ومن يتهالكون إليه من مدخلنا ورؤيتنا بأن أي تحدٍّ  لأمتنا هو عدواني والتطبيع أحد وأحدُّ أشكال العدوان، حالياً على الأقل،  والجميل أنه يستفز ويستنفر القوة الشعبية الكامنة لتقاوم ومن هنا أهمية التركيز ضده. ولذا، فموجة التطبيع الثانية من قبل اربعة انظمة عربية حاكمة تابعة اي “الحكام المحكومين” تُواجَه اليوم برفض واسع ويزداد إتساعا من المغرب إلى المشرق.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن الكيان يتابع كل ما يُنشر في الوطن العربي سواء من قبل سلطاته او مؤسسات خاصة تصب في خدمة الكيان وإيديولوجيته. ولذا تجدون في مؤسساته الأكاديمية، ناهيك عن الأمنية وغيرها بالطبع والضرورة،  كل ما يُنشر من العرب سواء في الوطن أو المهاجر أو الشتات وذلك ضمن مفهوم تابع عدوك، وهذا ما يجب أن نفهمه جيدا ونشتغل ضده.

وهنا يجب التفريق بين ما يقوم به العدو في متابعته لنا كعرب فيترجم ويسرق ويشوه  وبين التواصل مع العدو من بعضنا بقصد أو تلبية البعض بتواصل من العدو سواء مباشرة أو من خلال متساقطين من أوساط فلسطينية وعربية وخاصة متساقطين من الداخل المحتل 1948 و 1967 والخارج المحتل بالتطبيع الرسمي.

كما يجب الانتباه إلى أن مؤسسات التطبيع العربية وتيار الصهينة العربية ايضا ليست ضِّيقة ولا هامشية في المسألة الثقافية/السياسية الثقاسية:

  • الخاصرة السياسية الحاكمة
  • والخاصرة الثقافية /الطابور السادس الثقافي المنشبك بالسياسية

ولديها إمكانيات الأنظمة التابعة والمطبعة والتي تروِّج للتطبيع بل وتُحاكم رافضي التطبيع في حالة الأنظمة وخبث الطابور السادس في السادس ضد رافضي التطبيع في المستوى الثقافي ناهيك عن امكانات الصهيونية والإمبريالية، اي الثورة المضادة عموما.

وفيما يخص الحالة التي يتابعها الرفاق  العرب من العروبيين واليساريين في تونس، فهي كما يبدو مؤكدة  اي أن صاحب الرواية كان قد طلب وألح كثيرا على  عدة جهات في الكيان لتترجم وتنشر عمله، وبالتالي فهو متورط طوعاً ، كما ان من ترجم وساعد على نشر عمله هو ايضا متورط في التطبيع، ولا إخالُ أن لا مال وراء كل هذا. والمال لدى الكيان ليس سوى ضغطة زرٍّ في الاحتياطي الفدرالي الأمريكي لتتناسل منه مليارات الورق الأخضر الذي لا يكلف شيئا، لكنه يشتريييييي.

جدير بنا أن نتنبه إلى أُحبولة “الاعتراف” وهي حبكة أو شَركْ ثقافوي مركزاني غربي يقوم على اغتصاب وعي مثقفين من المحيط عبر إغوائهم أو الإيحاء لهم بأنه يعترف بقدراتهم في هذا المجال أو ذاك. ولأن ذاك الذي من المحيط مصاب بالدونية فردياً وهو ضمن فريق استدخال الهزيمة ثقافيا/سياسياً ضمن عدد من الآخرين، فهو لا شك يلهث طويلا كي يُمنح الإعتراف.

وهنا نتذكر كم كافح محمود درويش وإميل حبيبي وأدونيس للاعتراف بهم كي يحصلوا على جائزة نوبل “الخطيرة والملغومة” ولم يُختاروا! ونجح في ذلك الراحل نجيب محفوظ حصراً لأنه أيد اتفاقات كامب ديفيد وليس لإبداعه ليرحل “نوبلاً” في نظرهم ومطبِّعاً في ذاكرتنا.

والاعتراف بهؤلاء المساكين ، وخاصة ممن في الأرض المحتلة، مشروط بشرطين أو قيدين:

  • شرط ان لا يُغترَّ هو/هي ابداً فيعتقد أنه سيرتفع شأواً ليبلغ موقع المثقف الغربي ، مثقف المركز، ولا سياسي المركز
  • وشرط ان يتعالى على نظرائه في المحيط في وطنه أو غير وطنه.

وبهذا يخلقون شريحة ثقا/سية تابعة من جهة ومتعالية على محيطها من جهة ثانية. وعبر هذين الشرطين يندفع هذا المخلوق المشوه بكراهية واحتقار لمحيطه كونه مصاب بمرضين:

الأول: مرض إذلال الغربي له

والثاني: مرض تنفيس وضاعته وذله في أهله

لذا، لا تأخذكم الفجأة من مفردات وضيعة يستخدمها تلامذة شيخ المطبعين، فمن يُتابع مفردات الراحل إميل حبيبي شيخ المطبعين بلا منازع، فهي من اسوأ المفردات في وصفه القوميين ب “الحمير القومجية” كما كتب ضدي في جريدة الاتحاد في حيفا تموز/آب 1987 قبل واثر قيام المطبعين باغتيال ناجي العلي في لندن  عصر الأربعاء 22 تموز 1987 . وشاركه الموقف حينها بلال الحسن في مجلته “اليوم السابع” التي كانت تصدر في باريس ،  ورجاء النقاش في ملحق صحيفة في مصر “نسيت هي آخر ساعة كما أعتقد “. وكتب حينها محمود درويش في جريدة الاتحاد في أبو ظبي كلاما  بما معناه: “لا بد في الهجوم على القضية من استخدام قلم يساري، وإن من يغار من المطبعين ” وهنا كتب بالحرف”كمن يستمني أمام أمه”. وطبعاً كانت مجلة “فلسطين الثورة” تنشر مقالات درويش في صفحتيها الوسطيين مع صورة له ولياسر عرفات” وكان رئيس تحريرها حينها الراحل أحمد عبد الرحمن.

وإذا كان النقد واجبنا، لا النميمة، فلا بد من ذكر ما حصل قبل ثلاثة أعوام حينما احتفى واحتفل بعض إعلام المقاومة بالسينمائي محمد بكري الذي يعيش من التطبيع السينمائي مع سينما الكيان حيث احتفلت به جريدة “الأخبار” وفضائية الميادين وحتى السيدة نضال اشقر وهي من حزب عريق ومناضل. ورفضوا جميعا  تعديل موقفهم وغضبوا من نقدنا. هذا ناهيك عن المطبع الدويري.  في المسألة الوطنية، لا يصح أن تأخذ البعض “العزة بالإثم”. أمَّا ونحن نواجه  مدرسة المطبعين، انصح الجميع حينما يردون على الصغار أن لا ينسوا “الأخطر وهم من اسَّسوا لذلك.

لذا يقوم الصهاينة ب “تثقيف” هؤلاء وأمرهم باستخدام مفردات إميل حبيبي بما هم تمفصلات موقفه التطبيعي من جهة وبما هم متصهينون مثله من جهة ثانية، وهذا ما تجدونه في ردود هؤلاء وهاتيك على أي نقد ضدهم.

هنا تجدر الإشارة إلى أن هؤلاء ليسوا متهودين لأن اليهودية تشترط علاقة دموية أمومية، ولا متاسرلين لأن الأسرلة “جنسية” مفروضة على العربي وإن لم يفعل يُهجَّر، لذا هم صهاينة عرب لا سيما وأن الصهيونية إيديولوجيا معولمة، ولعل أحدث توضيح للصهينة ما قاله الرئيس الأمريكي الحالي بأن الصهينة لا تشترط أن تكون يهودياً.

يردُّ البعض بأن فلسطينيين/ات يسقطون في الإغراء المالي من المؤسسات الصهيونية لترجمة وطباعة ونشر مؤلفاتهم/، أو إشراكهم/ن في أفلام ومسلسلات…الخ وذلك نظراً لحاجتهم المالية!

وهذا تفسير تبريري بامتياز، فمن يحمل جنسية الكيان، ويدفع ضريبة لسلطة الكيان له حق توفير العمل أو تعويض البطالة. صحيح أن العرب يخضعون لتمييز ضدهم مقارنة باليهود، ولكنهم لا يعانون الفقر. وبالتحديد، بوسع اي فلسطيني عربي في الكيان طباعة كتابه أو ديوانه الشعري كما ان هناك ناشرين في المحتل 48 و 67  لا يرتبطون بالكيان. وهم ربما رفضوا بعض الأعمال إما لمستواها الهابط أو لأن جوهرها تطبيعي.

هذا علاوة على أن الأمر هو الموقف وليس المعيار المالي ابداً، بل إن أعلى المبدعين كعبا، هم غالباً أكثر من عانوا ضائقة العيش بما هم ملتصقين بالطبقات الشعبية.

ولكي ارد الأمر إلى اساسه، فإن التطبيع الفلسطيني في مرحلتيه هو فرَّاخة التطبيع الجاري فلسطينياً وعربياً.

لن أعود تاريخياً إلى سرد مسلسل التطبيع، ولكنه بدأ مع مؤامرة سايكس –بيكو حيث خُلقت انظمة تحكم كيانات وحافظت هذه الكيانات على ثلاثة أمور خطيرة:

  • علاقة التبعية مع صانعها الاستعماري وهو طبعاً من جزَّء الوطن العربي وأسس الكيان الصهيوني
  • علاقة مع الكيان الصهيوني مخفية قدر الإمكان، أخطر تجلياتها تسهيل خروج اليهود العرب للاستيطان في فلسطين
  • دور قمعي ومعيق للتطور والتنمية في بلدانها نفسها.

في هذا المناخ كان التطبيع الفلسطيني في المحتل 1948 من خلال عضوية الكنيست والمشاركة في الانتخابات بقيادة الحزب الشيوعي الإسرائيلي ولُحاق “حُزيبات” عربية أخرى بهذا النهج، وتفشي هذا النهج في أوساط قيادة م.ت.ف حيث تم تضخيم اعضاء الكنيست كابطال  إلى أن كان التطبيع العربي الرسمي المعلن.

هذا المناخ جعل من السهل على اشباه المثقفين عبور هذا المحفل محميين بدعم السقوط الرسمي وكثير من الثقافوية العربية وخاصة الفلسطينية.

وإن كان الراحل وديع حداد قد أرسى مقولة تاريخية: “ورءا العدو في كل مكان”، نقول نعم وراء التطبيع في كل مكان وفي عين المكان.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.