حوار مع عبدالمنعم تليمة زلزال تاريخي، الجزء الأول

يتميز المنهج النقدي للدكتور عبد المنعم تليمة بالعلمية التاريخية، فهو في تفسيره للظاهرة الأدبية أو الجمالية ينحاز للمنهج العلمي الموضوعي، ويرصد الظاهرة في سياقها الاجتماعي والتاريخي، فلا ينساق وراء نظرات جزئية منقوصة تفتقد الكثير من الدقة.

في كتابه «مقدمة في نظرية الأدب» يرصد تليمة عنصرين أساسين في الأدب وتاريخه: الأول يتعلق بتأصيل مصدر الأدب ومراحله تارة في اغترابه عن الواقع وتارة أخرى في اغترابه في المجتمع، متطرقًا للحديث عن التجريد والتعميم عند الإنسان وارتباطهما بالبعد الفني للغة، وراصدًا لتأثير العلاقات السحرية الأسطورية بالعالم في حضارات المجتمعات البدائية في الفلسفات المثالية والأصول الأولى للفنون، واغتراب الإنسان في المجتمع الطبقي في المجتمع الذي دفعه للوعي بجذور الاستغلال والاغتراب فكان ذاك الوعي مضمونًا أساسيًا في فن هذا الإنسان وخضوع الفنون لقوانين الاستغلال في النظم الرأسمالية.

في كتابه «مدخل إلى علم الجمال الأدبي» يتناول تليمة طبيعة الصلة الجمالية مع الواقع وصورة الانتقال من التقويم العلمي لفلسفة الفن إلى الأصول الفلسفية لعلم الفن، كاشفًا عن الصلات ما بين التعرف الجمالي والمثل الأعلى الجمالي وما بين التشكيل الجمالي وخبرة الجماعة الجمالية والتكنيكية، والعلاقة ما بين العمل الفني وحقائق التاريخ الفني، فضلًا عن مؤازرة العمل الفني للواقع رمزيًا وعلاقة ذلك بحقائق الواقع ذاتها.

بعد تخرجه في قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة عام 1960، نال تليمة دبلومة عامة في التربية وعلم النفس سنة 1961، وحصل على الماجستير في الأدب العربي الحديث عام 1963، ودرجة الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث عام 1966، ثم ليسانس في الآداب الكلاسيكية اليونانية واللاتينية سنة 1985 من جامعة عين شمس. وعمل كمعيد بقسم اللغة العربية في كلية الآداب حتى عام 1967، وتدرج من مدرس إلى أستاذ مساعد فأستاذ، ثم رئيس قسم منذ عام 1994 وحتى عام 1997.

قدم تليمة عبر سنوات عمله في مجال النقد الأدبي والفني، وعمله الثقافي العام الذي أسس له من خلال صالونه الثقافي ونشاطه في جمعيات ثقافية أهلية، فضلًا عن إشرافه على رسائل الماجستير والدكتوراه في مجالات النقد الأدبي والفني، الكثير من العطاءات القيّمة للساحة الثقافية المصرية بل العربية ككل، ليقدم حفرًا عميقًا في الساحة الأدبية يستحق الكثير من التأمل والوقوف عندها.

«الجديد» حاورت الدكتور عبد المنعم تليمة، في منزله الذي طالما استقبل الكثير من المثقفين والفنانين، لنقاشات دارت على مدار 60 عامًا في صالون «الخميس» الثقافي، لتقترب أكثر من مشواره الإبداعي الذي بدأ باكرًا منذ الطفولة ولا زال مستمرًا حتى اللحظة في عطاءات لا تنضب.

الجديد: سأبدأ معك من نقطة محددة لنصل سريعا إلى الوقائع العربية الراهنة ومن ثم نحاورك كناقد ومؤرخ للأدب. في تحليلك لتاريخ النضال المصري، قسّمته إلى أربعة أقسام أولها: وقفة المصريين لمواجهة الحملة الفرنسية، وثورة عرابي، وثورة 1919، وثورة يوليو.. هل من قاسم مشترك بين الأقسام الأربعة لم يقبله المصريون طوال تاريخهم؟

تليمة: العرب هم المجموعة من البشر الذين يتوسطون عالماً عتيقا، هو عالم الحضارات الكبرى الخالدة، ما بين النهرين، ووادي النيل، وأودية الأنهار العظمى في الهند والسند والصين، وعالما حديثا يجرى تشكله وسترى السنوات الآتية ملامحه ومؤسساته ومنظماته، وتحالفاته ومراكزه الأساسية في عمليتي الإنتاج والتوزيع وقضاياه الكبرى في حقائق ما هو راهن وما هو آت: الطاقة البيئة، السوق.. إلخ.

أما عرب اليوم فهم ليسوا عرقاً أو سلالة ترتد إلى دماء واحدة: إنهم ليسوا عرب شبه الجزيرة العربية الذين خرجوا يحملون ألوية الإسلام، ليسوا العرب البائدة، ولا العاربة ولا المستعربة، إنما هم كل هؤلاء متفاعلين مع الذين أبدعوا الحضارات والثقافات العتيقة. هم ورثة عتيق ومشاركون في تأسيس وليد يدرج، ولذلك فإن عرب اليوم على قاعدة كل جديد عصري: متعددون، يتسع رداؤهم لأصول وأعراق جمة: الكردي، والأمازيغي، والزنجي.. إلخ نشأت آخذاً بهذه العقيدة.

العروبة ثقافة والعرب متعددون ولهذا فإن ثورة مصر في التاريخ الحديث قد مضت تاريخياً ثقافية تعددية: على الحملة الفرنسية أول القرن 19، على الاحتلال التركي والإنكليزي، عرابي على الاحتلال الإنكليزي 1919، من أجل تحرير مصر وضد كل استعمار 1952.

ثورة مصر في التاريخ الحديث أربع مراحل اتسعت لكل الأصول والاتجاهات بل واتسعت لتحرير كافة الأوطان من كل استعمار.

صحوة جذرية

الجديد: وكيف ترى ثورات الربيع العربي بعد مرور خمس سنوات على اندلاعها، هل انحرفت عن مسارها بغير رجعة أم إن ما يحدث في الدول العربية انتكاسة ستنتهي مستقبلًا، وما المؤشرات الدالة على ذلك؟

طه حسين هو والدي المباشر ومعلّمي الخالد، فقد حمل كل أيامه لواء (العصر)، أما أنا فأجعل (المستقبل) هو رهان هذا الزمان

تليمة: ما يجرى على الساحة العربية صحوة جذرية غايتها تصفية التخلف ومحو آثار كل استبداد داخلي وخارجي. هذه الصحوة زلزال هائل تجرى عملياته وفق نواميس التاريخ وقوانينه، في هذه الصحوة تتخذ قوى التخلف من الدين ستاراً لغاياتها النفعية الضيقة وآفاقها المعرفية العاجزة.

وكل القرائن المرئية والمرصودة تدل قطعاً على هزيمة هذه القوى وبداية تراجعها، وفي هذه الصحوة لا يزال الثوار والعلمانيون يعدلون في المواقع، وسطح سبيلهم الوحيد: المجتمع المدني العصري. وعماده المؤسسية والتعددية.

الجديد: برأيك.. لماذا فشل الثوار والمثقفون العلمانيون في تطبيق مبادئهم العلمانية أو الإقناع بها، ولماذا نجحت التيارات الإسلامية في تصدر المشهد في الدول العربية؟

تليمة: الثوار والعلمانيون في محاولات مستمرة للتعديل في الواقع، لكنهم واقعون تحت تأثير الاستبداد الداخلي والخارجي، ففي تاريخ العرب الحديث تعرض العرب لأشكال عدة من الاستعمار الخارجي أما الاستبداد الداخلي فتمثل في عرقلة جهود إقامة المجتمع العصري من قبل الحكم القبلي أو العسكري أو البيروقراطي وغيرها.

ما يحدث لا يمكن أن نطلق عليه فشلًا؛ لا شيء يفنى من عمل الإنسان، الليبراليون العرب قاموا بثورتين من أمجد الثورات في وجه الاستبداد الداخلي والخارجي، وهي انتفاضة لا يمكن أن نتجاوزها بأيّ حال.

أما التيارات الإسلامية فهي لم تنجح على مستوى العالم العربي، فشلت فشلًا ذريعًا، أخذت السلطة وفشلت بشكل كامل، لم تنجح ولن تنجح. وصولها إلى السلطة لا يعدّ نجاحًا، نجاحها جماهيريًا وليس سياسيًا ومن ثم فهي غوغائية لن تنجح في السياسة بأيّ شكل من الأشكال.

مجتمع العدل

الجديد: هل تعتقد بأن الرأسمالية في الدول العربية في طريقها نحو النهاية؟ وما البديل الحتمي آنذاك؟

تليمة: في العصر الصناعي كانت الجدلية بين الرأسمالية والاشتراكية، هذا الجدال يتراجع بشكل كبير في الوقت الراهن، فينشأ مجتمع جديد يأخذ ثمرات نضال الشعوب من أجل الحرية والعدل تحت رايات الرأسمالية أو الاشتراكية بغض النظر عن التيار الذي تندرج تحته، للتأسيس لمجتمع العدل والحرية.

سأظل اشتراكيًا حتى نهاية حياتي وفي جدال مع بقايا الرأسمالية، ولكن الآتي في البشرية هو مزيج من التيارين ولكن تغلب عليه طوابع الاشتراكية في العدل والحرية.

نظرية موحدة

الجديد: هل توجد نظريات نقدية عربية حديثة أم إننا لازلنا نقتات على نظريات أجنبية وأخرى من التراث العربي، وإن كان هناك غياب فما السبب وكيف نتجاوز تلك المشكلة؟

تليمة: تصدق، في العوامل القديمة، مقولة الملامح الذاتية والخصوصية المحددة حتى للأنشطة الإنسانية الأساسية وفي صدارتها الفن. ذلك أن تلك العوالم كانت أشبه بالجزر المنعزلة لهذا يصدق علمياً القول: حضارة مصرية، حضارة هندية، صينية، فارسية، يونانية.. الفن الفرعوني، الفارسي، الصيني، الهندي.. الفلسفة المصرية القديمة، الفارسية، اليونانية.. إلخ.

أما في عالم اليوم، فإن العلماء والدارسين لديهم جملة من نتائج الدرس والنظر، صاروا يعتمدونها ويقيسون عليها ويصدرون عنها؛ فلا يمكن القول اليوم: نظرية نقدية أميركية، أو هندية، أو عربية، فضوابط الدرس واحدة: المنهج العلمي. ومعايير الإبداع واحدة: التشكيل الجمالي.

ولأن الأدب فن لغوي فإن عطاء علماء كل لغة هو مشاركة جماليات لغتهم في تأسيس علم الفن ولهذا فإننا في ثقافتنا العربية الراهنة، لا نسأل ولا نسعى إلى نظرية عربية في النقد، إنما نسأل ونسعى إلى جهد علمي عربي يحدد جماليات اللغة العربية، ويكون هذا الجهد المرموق هو المشاركة العربية في تأسيس نظرية إنسانية واحدة للفن، ومنهج علمي واحد لدراسته.

الجديد: وما هو تقييمك لحجم المشاركات العربية ودورها في تأسيس نظرية موحدة للفن؟

تليمة: بالطبع للعرب مشاركات في ذلك لكنها ليس بالقدر الكبير أو الكافي، مثلًا طه حسين له مشاركة كبيرة وواسعة، وإدوارد سعيد، وفي العالم العربي الراهن على مستوى العراق وتونس وسوريا والمغرب يوجد العديد من المشاركات لكنها ليست كافية.

النقد الانطباعي

الجديد: كثير من النقاد يهاجمون ذلك النوع من النقد الانطباعي، في حين يرى البعض أن العمل الأدبي أو الفني لا بد أن يلامس النفس أولًا ومنهم غنيمي هلال الذي آمن بضرورة الارتقاء بالجانب الانطباعي لأنه أساس ميل الناقد إلى النص وانطلاقة نحو البحث عن منهج، إلى أيّ الفريقين تميل ولماذا؟

ثورة مصر في التاريخ الحديث أربع مراحل اتسعت لكل الأصول والاتجاهات بل واتسعت لتحرير كافة الأوطان من كل استعمار

تليمة: النقد الانطباعي لا يعد نقدًا، ما تمتلئ به الصحف والمجلات من انطباعات ليس نقدًا بل يشتت الأنظار بعيدًا عن الأعمال الإبداعية الهامة، ولكن ما يتحدث عنه غنيمي هلال من ضرورة ملامسة العمل الأدبي للنفس أولًا لا بد منه لأيّ ناقد، ولا يعني أن الناقد انطباعيّ لأنه للوهلة الأولى يعرض العمل على صفحة النفس ولكن في النهاية لا بد من عقلنة الانطباعات في شكل علمي.

الجديد: في ظل الهجوم الكبير من قبل النقاد على النقد الصحافي الانطباعي وتبريرهم ذلك بأنه يرسّخ لنقد هشّ غير فعال، يبشر كُتّاب بموت الناقد بعد أن حلّ القارئ غير المتخصص محل الناقد المتخصص بسبب نزوع الأخير نحو نقد نخبوي غير مفهوم لغير المتخصصين.. هل تؤمن بتلك الفرضية؟ وما السبيل نحو التخلص من تلك الإشكالية؟

تليمة: الحديث عن نخبوية النقد يأتي بسبب غياب الفلسفة عن المجتمعات العربية ما أدّى إلى فقر الرؤية لدى الكثير من النقاد، أما ما يتعلق بموت الناقد وموت المؤلف والأب وغيرها، فهذه أفكار أقرب إلى الرومانتيكية وتسميات دخيلة على العلم، وشيوع النقد الانطباعي لا يمكن أن يؤدي إلى نهاية النقد الأدبي، فالمزدهر في الوقت الحالي هو النقد الأكاديمي الرصين، وما ينتشر في الصحف لا يعد نقدًا على أيّ حال.

النظرية الغربية

الجديد: بعض النقاد يميلون إلى تطبيق النظرية الغربية على النص العربي دون مراعاة لخصوصية ذلك النص، معتبرين أن استجابة النص لمعطيات النظرية الغربية هو الدليل الأساسي على جودته، ما رأيك في هذا الاتجاه؟

تليمة: لا توجد نظرية غربية أو شرقية أو غيرها، نؤسس علمًا منضبطًا للفن يراعي ضوابط المنهج العلمي في النقد ومبادئ التشكيل الجمالي ويُطبّق على النصوص الأدبية، نؤسس علمًا للفن يشترك فيه الجميع وهو ما يتم تطبيقه حاليًا في الدراسات الأكاديمية.

النقد الجمالي

الجديد: في كتابه «النقد الثقافي « يرى الناقد السعودي عبدالله الغذامي أن النقد الأدبي بمدارسه القديمة والحديثة بلغ سن اليأس ولم يعد قادرًا على تحقيق متطلبات التغير المعرفي العربي والعالمي واتساعه، ويطرح بدلا منه «النقد الثقافي».. هل تتفق معه في هذا الطرح؟

تليمة: كل نقد جاد للفن أطلق عليه «النقد الجمالي»، فكله ثقافي، وبالتالي التسميات ليس لها معنى، فالنظر إلى المنتج الأدبي أو الفني تكون في إطار شامل متكامل له وهو علم الجمال، فتفسير الظاهرة الفنية كان شغل البشر منذ نزولهم إلى الأرض، وتعددت العوامل التي أكّدت على ضرورة نشأة علم منضبط للفن والجمال.

وظيفة جمالية

الجديد: اللغة في الأدب وظائف تعريفية وتوجيهية وجمالية في المقام الأول، كيف تنظر إلى النص الأدبي الذي تتحقق فيه الكثير من المعايير والأهداف لكن ينقصه العنصر الجمالي، هل ينتفي عنه صفة الأدب؟

تليمة: لكل لغة جمالياتها التي هي ثمرة السياق الاجتماعي التاريخي للجماعة البشرية التي تبدع وتتعامل بهذه اللغة. ونتائج الدرس المنهجي لجماليات هذه اللغة هي المشاركة الحضارية العلمية التي تمنحها هذه اللغة للبشرية، في حركة تأسيس علم الفن وهو واحد، لذلك لا بد من توفر العنصر الجمالي في كل نص أدبي لأن الأدب لغوي محكوم في عناصره بلغته.

أساس فلسفي

الجديد: تحمل أطروحاتك النقدية مزاوجة ما بين الأدب والفلسفة، ما الذي تمنحه الفلسفة للنقد الأدبي من أبعاد ضرورية؟ وما الذي يميز منهج المادية التاريخية التي تعتمده في نقدك الأدبي؟

ما يجرى على الساحة العربية صحوة جذرية غايتها تصفية التخلف ومحو آثار كل استبداد داخلي وخارجي. هذه الصحوة زلزال هائل تجرى عملياته وفق نواميس التاريخ وقوانينه

تليمة: وراء كل نشاط إنساني أساس معرفي، فلسفة، والمادية التاريخية هي هذا الأساس المعرفي في العصر الحديث، الفن أعلى مدارج الأنشطة الإنسانية، ولذا فإن دوره في مقدمة كل الأدوار، وبالضرورة قاعدته الفلسفة.

لقد مرّت البشرية بثلاث مراحل هي: المجتمع الزراعي والمجتمع الصناعي ومجتمع ما بعد الصناعة في ظل ثورة الاتصالات؛ بدأت مرحلة الصناعة مع نشأة الطبقة الوسطى وفكرها الليبرالي والبرجوازي، وفلسفتها المادية التاريخية التي كان أقوى ظهور لها في كتاب «رأس المال» لكارل ماركس، إذ كانت بمثابة التحليل العلمي المنهجي للمجتمع الصناعي، فتتيح المادية الجدلية رصدًا شاملًا للموضوع الأدبي في سياقه التاريخي برباط جدلي، ومن ثم فالفن من أحوج الأنشطة إلى قاعدة فلسفية تستند عليها.

طه حسين آمن بمقولة العصر، أمين الخولي آمن بمقولة البيئة، فالأدب المصري بيئة داخل الأدب العربي، محمد مندور جاء بمقولة المجتمع، وأنا قلت إن الفنان لا يعكس الواقع أو المجتمع ولكنه يعيد بناء واقع جديد مواز ولا ينقله.

الجديد: وما هي رؤيتك للنظرة «الوضعية المنطقية»، في ضرورة مطابقة النص للواقع بشكل تام، في تحليل النصوص الأدبية أو الفنون بصفة عامة؟

تليمة: كان آخر من يمثلها الفيلسوف الراحل زكي نجيب محمود، وكل تلامذته في العالم العربي غير موجودين، وتلك النظرة ليست قائمة في الوقت الراهن، جاءت من الآداب الغربية تحت مسمى «النقد الجديد» الذي قام على جثة الرومانتيكية فكانوا أكبر مناوئين لها.

ثورة نقدية

الجديد: إلام تعزو غياب فن «نقد النقد الأدبي» الذي شاع في عصور سابقة؟ وكيف ترى الحركة النقدية في العالم العربي في الوقت الراهن؟

تليمة: النقد العربي واقع تحت نفس الظروف السيئة التي تؤثر بالسلب على الثقافة ككل من حد الحريات والاستبداد الداخلي والخارجي، نعيش ثورة إبداعية وليس ثورة نقدية، لدينا الكثير من المبدعين على مستوى العالم ككل في كل المجالات سواء الشعر أو الموسيقى أو الأدب لا يوازيها نقاد على نفس الدرجة أو المستوى، أيضًا، لا يوجد في الحياة الثقافية الحديثة منظرون على وعي كامل بحركات التطور في العالم العربي، ليس لدينا حتى الآن معاهد وكليات وأكاديميات متخصصة في دراسة الفن، وهو ما نحتاجه بشكل كبير لدفع المشهد النقدي نحو التقدم.

وفيما يتعلق بغياب فن نقد النقد الأدبي فهو أيضا مرتبط بازدهار الحريات؛ فلا زالت لدينا الكثير من القيم البالية والقديمة التي تحكمنا؛ على مستوى المجتمع ككل، فعندما ينتقد أحد أطروحات ناقد كبير تتحول المسألة إلى عداء شخصي ولا توجد حالة من التقبل لاختلاف الأفكار في المجتمع.

تجليات التطور

الجديد: أثمر التجريب في الفنون الأدبية عددًا من المستحدثات مثل «قصيدة النثر» و»القصة القصيدة» وهي نوع من الكتابات أطلق عليها إدوار الخراط اسم «الكتابات عبر النوعية».. ما رأيك في تلك الأشكال الجديدة التي نجم عنها تداخل كبير بين الفنون؟

تليمة: كل فن يتسع للتطور والتجديد، بحسب التطور التكنولوجي. اختراع الراديو أثّر في الفنون الأخرى وكذلك السينما والتلفزيون، وصلنا إلى أن هناك قصة قصيرة من سطر واحد، وهي ظاهرة إيجابية جدًا، وخصوصًا قصيدة النثر فهي آخر تجلّ من تجليات تطور الشعر في العصر الحديث والتي أظهرت الكثير من المواهب الشعرية في العالم العربي، فكل فن يتسع للإضافة والتطوير.

الجديد: من خلال رؤيتك للنوع الأدبي بأنه «محكوم في نشأته وتطوره بوضع تاريخي اجتماعي محدد، ومحكوم في طبيعته ووظيفته بالوفاء باحتياجات اجتماعية معينة، يحددها ذلك الوضع التاريخي-الاجتماعي الذي أثمر هذا النوع»، كيف تنظر إلى الفنون الجديدة التي نشأت في ظل الحداثة؟

تليمة: الفنان ينظر إلى الطبيعة والبيئة من حوله ويخرج منها بمادة فنية جديدة، كل فنّ يسعى نحو التغيير الاجتماعي ويتأثر به، فتظهر فنون جديدة مع كل تطور جديد في المجتمع بلا نهاية، والكل يندرج تحت راية الإبداع، والفنون الجديدة ظاهرة صحية بلا شك لأنها ناجمة عن التطور.

:::::

موقع مجلة “الجديد”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.