حوار مع عبدالمنعم تليمة زلزال تاريخي، الجزء الثاني والأخير

الأدب المقارن

الجديد: برأيك.. هل أدى الأدب المقارن دورًا في تحقيق بعض العالمية للأدب العربي؟

تليمة: في العام 1931 ألقى طه حسين محاضرة مشهورة قال فيها إن الآداب العتيقة تنقسم إلى خمسة: أولها الأدب اليوناني ثم الأدب العربي ثم الأدب الفارسي ثم الهندي ثم اللاتيني، وبشّر بالمقارنة وقال إن الأدب العربي هو الوحيد الذي لا يدرس إلا بالمقارنة، لأنه في وسط الآداب القديمة ولا زال حيًا ومتفاعلًا ومؤثرًا في الآداب الحية ولا زال كذلك حتى الآن، ولا شك أن المقارنة حققت الكثير من الازدهار إلى الأدب العربي.

في ثقافتنا العربية الراهنة، لا نسأل ولا نسعى إلى نظرية عربية في النقد، إنما نسأل ونسعى إلى جهد علمي عربي يحدد جماليات اللغة العربية

اغتراب المبدع

الجديد: قلت إن «الفنان المغترب قد يستسلم لظروف القهر، التي تحوّل طاقته الإبداعية إلى سلعة وتحوّل حريته إلى وهم، فلا يقف ضدها، ويجد ملجأه في التجريب الشكلي العقيم».. إلى أيّ مدى ينطبق ذلك الوصف على الفنان العربي في الوقت الراهن؟

تليمة: في مجتمعات القهر والاستبداد، الفنان يُغلب على أمره بالاستبداد، فيستشعر أنه فعلًا غريب في محيطه الفكري الثقافي لأنه مجدد ومغير، وكل الظروف القاهرة والجامحة تدفع به نحو الاغتراب، وسبيله في التخلص من هذا القهر ومواجهته هو الإبداع، ومن ثم فما يحدث الآن ليس اللجوء إلى التجريب الشكلي العقيم ولكنه محاولات لمواجهة هذا القهر بالإبداع.

الكائن الفنان

الجديد: كثيرًا ما احتدم الخلاف بين المفكرين والمصلحين الاجتماعيين حول دور الفن، فشاع في تاريخ الفن اتجاه يؤمن بأن «الفن للفن» واندرجت تحته مذاهب مثل الشكلانية والبنيوية والتفكيكية وغيرها، ما الذي قدمه هذا المذهب للأدب وهل استطاعت أن تنجح في مواجهة اتجاه آخر يرسّخ لفكرة «الفن للمجتمع»؟ وهل تعتقد بهامشية دور الفن في التغيير المجتمعي الحقيقي؟

تليمة: مثل هذه الأفكار أعتقد أنها قد انتهت، الإنسان هو المنتج للجمال ومتذوّقه؛ فهو الكائن الفنان، عندما نقول «إن الله جميل يحب الجمال»، فإن الإنسان على كوكب الأرض جميل لأنه هو الكائن الفنان؛ فالفن مصاحب للإنسان سواء كان منتجًا أو متذوقًا، والحد الأدنى لإنسانية الإنسان أن يكون متذوقًا للفن، الفن يعدّ من أخطر الأمور في دفع المجتمع للتقدم؛ لأنه يقدم نموذجًا للآني والمتخيل. لقد تطور الفن من العمل منذ بدايته ولم ينفصل عنه في أيّ وقت من الأوقات عبر تاريخه، وهنا جاء تطور الجميل من النافع.

أعمال إبداعية

الجديد: تكتب رواية بعنوان «القمر على جدارها» تحمل مقتطفات من سيرتك الذاتية، ولك عمل آخر بعنوان «عرفتهم نساء ورجالا.. فهل عرفت نفسي؟».. حدثنا عنهما.

تليمة: هي أعمال قيد الكتابة لم أنته منها بعد، ومن المتوقع أن تصدر روايتي «القمر على جدارها» في الخريف المقبل، وفيها أكتب بعضا من فصول سيرتي الذاتية في أفقها الجمالي، أما «عرفتهم نساء ورجالا.. فهل عرفت نفسي؟» أضع فيها صورة من سيرتي في سير الآخرين مع مجموعة من الشخصيات التي أثّرت في تكويني مثل الناقد البارز محمد مندور والكاتب الكبير طه حسين وغيرهما.

تلخيص اليابان

الجديد: كثيرًا ما تتحدث عن دور رحلتك إلى اليابان التي استمرت عشر سنوات على اتساع أفقك، إلى الحد الذي جعلك تؤلّف كتابًا عن ذلك، هل لك أن تذكر لنا أبرز المحطات التي غيرت من تكوينك الفكري والثقافي؟ وما أبرز الأفكار هناك تعتقد بأن العالم العربي في أمس الحاجة إلى تطبيقها؟

تليمة: كانت تجربة السفر إلى اليابان بمثابة الالتقاء ما بين العتيق مع المستحدث في أهم تجربة بشرية تبدع وتعيش أصول هذه الثورة الراهنة، ثورة التوصيل والاتصال وتدفق المعلومات.. مجتمع المعرفة. كان جد النهضة الخالد رفاعة الطهطاوي قد رحل إلى الغرب في فتوة الثورة الصناعية وكتب، وعيناه على نهوض مصر «تخليص الإبريز في تلخيص باريس»، وها هو أحد أحفاده يرحل إلى الشرق مع بواكير الثورة الراهنة بقيادة اليابان فيكتب، وعيناه على نهوض مصر، «تلخيص البيان في تلخيص اليابان»، ساهمت حياتي في اليابان التي استغرقت عشر سنوات في اتساع أفقي على ديانات عدة ونموذج حضاري فريد لازلت متأثرًا به حتى اللحظة الراهنة.

بدأ عصر النهضة في اليابان عام 1868 مع حكومة ميجي، عندما أرسلت اليابان بعثاتها إلى مصر وبعض الدول الأوروبية لمعرفة سبل تكوين دولة حديثة في اليابان تحت شعار «دولة قوية وشعب غني»، فاستخلصوا تجارب الأمم في تحقيق النجاح وهو ما نحتاجه في وطننا العربي في الوقت الراهن.

ثلاث مراحل

الجديد: ما المراحل الفكرية التي مررت بها في عملك بالنقد الأدبي؟ وما أبرز القيم الثابتة التي حافظت عليها طوال عملك في مجال النقد؟

تليمة: مررت بثلاث مراحل متميزة، المرحلة الأولى بطبيعة الحال أقرب إلى الكلاسيكية، فبدأت بدراسة القرآن الكريم وتفاسيره المتعددة، ومنه إلى علوم اللغة العربية والموروثات الشعبية في كُتّاب القرية، وهي مرحلة مؤثرة جدًا؛ لأنها ساهمت في تأسيسي في علوم القرآن والعلوم الدينية وعلوم اللغة، أما المرحلة الثانية فهي الدراسة الجامعية والتي اتصلت فيها مع التكوينات الثقافية والإبداعية لليونانية واللاتينية القديمتين والحضارات الحديثة، وبعد ذلك جاء اتصالي بالإبداعات الشرقية المختلفة بعد سفري إلى اليابان، وخلصت جهودي للبحث بشكل متعمق في علم الجمال ونظريات الأدب.

ولا شك أن هناك عددًا من القيم التي حافظت عليها طوال عملي في النقد الأدبي، على رأسها الدقة المتناهية فلا أقول قولًا إلا إذا تأكدت تمامًا من صحة كل معلومة أقولها ولا أسترسل في أقوال غير دقيقة، فضلًا عن إيماني المطلق بقيمة المستقبلية فلا أعمل شيئًا إلا بالنظر في مستقبله.

معارك فكرية

الجديد: شاع في تاريخ الأدباء والمثقفين العرب خوضهم في معارك أدبية فيما بينهم كانت تصل إلى حد الخصومة، هل ثمة معارك أدبية خضتها؟

تليمة: لا أطيق هذا الأمر، لأن المعارك قبل جيلي كانت تتحول إلى معارك شخصية قوامها العراك والمنافسة بين أشخاص، ولكني خضت معارك مع أفكار أدبية أو مذاهب؛ فأخوض معركة كجمالي مادي ماركسي مع الشكلانيين على سبيل المثال، ولا أدخل في معارك شخصية قط، وأرى نتائج معاركي الفكرية في تبني الكثير من الأكاديميين الجدد لأفكاري ومذاهبي في النقد الأدبي.

نعيش ثورة إبداعية وليس ثورة نقدية، لدينا الكثير من المبدعين على مستوى العالم ككل في كل المجالات سواء الشعر أو الموسيقى أو الأدب لا يوازيها نقاد على نفس الدرجة أو المستوى

لواء المستقبل

الجديد: تتلمذت على يد طه حسين، أين يلتقي منهجك النقدي مع منهجه وأين يفترقان؟

تليمة: طه حسين هو والدي المباشر ومعلّمي الخالد، فقد حمل كل أيامه لواء (العصر)، أما أنا فأجعل (المستقبل) هو رهان هذا الزمان. يلتزم طه حسين بمقولة العصر في كل أطروحاته ولكنّي أترك العصر إلى المستقبل. هو يضع عينه على ما يجري وأنا أضع عيني على ما سيجري.

عندما كان طه حسين يُدرّس لنا المعلقات في العصر الجاهلي يتحدث عن العصر، وعندما يتحدث عن الشعراء العذريين في صدر الإسلام يتناوله من منظور العصر، وعندما يتناول المعاصرين له يركز على العصر، ولكني أعتقد أن الأهم من رصد ما يجري هو صورته في المستقبل، ولذلك كنا نعشق كلام أرسطو ونجادل به طه حسين في قوله إن علم التاريخ مرتبط بلحظتين: بما كان ويكون، أما الفن فمرتبط بأربع لحظات: بما كان وما يكون وما سيكون وما ينبغي أن يكون، ولذلك الفن أكثر فلسفة من التاريخ.

نضال سياسي

الجديد: لك باع كبير في تاريخ النضال السياسي والذي على إثره تم اعتقالك مرتين، اذكر لنا أبرز محطات هذا النضال.

تليمة: في عام 1977، وعقب ما سمّاه الرئيس الراحل أنور السادات «انتفاضة الحرامية» تم اعتقالي أربعة أشهر ونصف مع أعداد كبيرة سيقت إلى المعتقلات دفاعًا عن نظام السادات، ولكن لم أحاكم في هذه المرة لأنني وضعت في المعتقل دون ارتكاب أيّ جرم، وفي ديسمبر 1966 وحتى يناير 1987، جرى اعتقالي في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك وقت مشاركة الرئيس في المؤتمر الإسلامي بالكويت، وفي محاولة منه لخدمة المشاركة المصرية في المؤتمر الإسلامي قام وزير الداخلية باعتقال مجموعة من التيار الثوري ليوصل رسالة مفادها أن مصر ضد الشيوعيين.

كان نضالي في الأساس ضد بعض سياسات الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، والراحل أنور السادات، ولكني أعتبر الرئيس مبارك خارج السياسة، فقد أقحمه السادات فيها عندما عيّنه نائبًا له.

في نضالنا مع عبدالناصر كنا نقول إن مقتله هو غياب الحريات الاجتماعية والشخصية والسياسية وغيرها، ومع الرئيس السادات كان مأخذنا عليه هو فتح الحريات على آخرها وسياسات الانفتاح ولكن لمن يقدر، وبالتالي كان الأغنياء هم المستفيد الأكبر وليس الفقراء.

الجديد: إذن أنت تؤيد ضرورة بقاء المثقف على يسار السلطة بشكل دائم؟

تليمة: ضروري، وإلا انتفت عنه صفة الثقافة تمامًا، فالثقافة تعني أن يرنو الإنسان إلى ما هو متقدم وما هو أكثر عدلًا ونبلًا، ولكن السياسة غير ذلك.

الضرورات الشعرية

الجديد: تشيع في مجال الشعر فكرة الضرورات الشعرية، هل من تعريف دقيق تسوقه لذلك، وهل ترى أنها مبرر لتجاوز قواعد اللغة، وإلى أيّ مدى تؤثر سلبيًا على اللغة والأدب؟

تليمة: الضرورة الشعرية تقول إن «مقتضى المقام يدعو الشاعر إلى بعض التدخل في القاعدة اللغوية إلى أن تصير قاعدة شعرية»، والكثير من الإبداعات ولدت من رحم الضرورات الشعرية وهي خاضعة لضرورات فنية، ولا مشكلة في ذلك، الضرورات الشعرية ليست دخيلة؛ فهي جزء من قواعد الفن.

اللغة خاضعة لتطوير أهلها، وعلى رأسهم المثقفون والشعراء، ومن ثم فلهم الحق الكامل في إضفاء تجديداتهم وابتكاراتهم، وعلى النقاد تقنين ما يقوله الشعراء في آخر الأمر.

اللغة العامية

الجديد: استطاع الشعر العامي أن يثبّت أقدامه بشكل كبير في الآونة الأخيرة.. ألا تعتقد بأن ذلك يشكل نوعًا من التهديد لمكانة اللغة العربية؟

تليمة: العامية المصرية ليست لهجة، إنما هي في الواقع كما في المنجز العلمي الراهن، لغة تامة كاملة من حيث الهيئات والمقررات والتراكيب والقواعد. ويستخدم العلماء والدارسون اليوم تسمية: العربية المصرية.

لقد صارت هذه العربية المصرية لغة عامة في كل الأصقاع العربية ثمرة للاتصال والتواصل وتقنيات التلقي والتعلم العصرية، ولقد نهض علم اللغة نهوضاً عميقاً شاملاً في العقود الأخيرة.

جمود المناهج

الجديد: هل تعتقد بأن اللغة العربية تعاني من الجمود في الوقت الراهن خاصة مع عدم تداولية ألفاظها ومصطلحاتها في الحياة العامة؟ وهل ترى أن رغبات مقاومة الغزو الثقافي الغربي ودعوات الحفاظ على الهوية قد أدت باللغة العربية إلى مزيد من الانغلاق؟

تليمة: اللغة العربية تعاني معاناة شديدة في طرق تدريسها، لا توجد مناهج جيدة لتدريسها لغير الناطقين بها، ولكن اللغة نفسها تتطور وتقفز قفرات كبيرة جدًا مقارنة بالماضي ولا أرى أنها تعاني من الجمود بأيّ حال من الأحوال.

ثمة خلاصات مفيدة في النظر إلى العربية ومشكلاتها الحالية وآفاق مستقبلها. لقد قفزت العربية في العصر الحديث قفزات مرصودة وملموحة في المنتج العربي، ثمرة لإبداعات رواد النهضة واجتهاداتهم، كما أن ثمة مسعى يتصدر الجهد العربي اليوم: مجمع لغوي واحد مركزي، يكون فيه المصطلح من حق صاحب الابتكار إذا كان تسمية عامة وإلا فالرأي لأهل النظر والاختصاص والدوائر العلمية.

مجمع مركزي

الجديد: تعاني ترجمة المصطلح النقدي إلى اللغة العربية من عدم الدقة ما أدى إلى ظهور تعريفات متعددة للمصطلح النقدي الواحد.. ما السبيل نحو التخلص من تلك المشكلة؟

تليمة: في الوطن العربي توجد خمسة مجامع للغة العربية، أقدمها في دمشق، يليها القاهرة ثم بغداد ثم عمان وأخيرًا الرباط، ومن هنا يحدث التفاوت، فكل مجمع يصدر ترجمة مختلفة عن المجامع الأخرى، الحل يكمن في إنشاء مجمع لغة عربية مركزي يصدر ترجمات موحدة تمثل خلاصة لجهود المجامع الخمسة.

المترجم المبدع

الجديد: تعاني الترجمة الإبداعية وخاصة ترجمة الشعر من العديد من المشكلات تتعلق بعدم جودة النص المترجم وعدم قدرته على نقل المعنى الفني المقصود في اللغة المترجم منها.. هل ترى سبلا محددة للتخلص من تلك المعضلة؟

تليمة: الترجمة باب البشرية إلى العيش المشترك مع الاعتداد بأن بعض الأنشطة، الشعر، لها ضوابطها في الترجمة، لا بد أن يكون مترجم الشعر شاعرًا متميزًا، على سبيل المثال الشاعر الإنكليزي البارز فيتسجيرالد لم يترجم أيّ أشعار سوى لعمر الخيام، أيضًا عندما أراد أحمد رامي أن يترجم الشعر بدأ بتعلم اللغة وإتقانها، نقل المواهب يحتاج إلى موهبة مماثلة.

الجديد: كانت دراساتك الأولى في مرحلتي الطفولة والمراهقة مرتكزة على حفظ القرآن ودراسة قراءاته، متى بدأ شغفك بالأدب واختيارك لدراسته في القاهرة خلال المرحلة الجامعية؟ وما أبرز المحطات التي تلت تلك الدراسة؟

تليمة: جئت إلى هذه الحياة الدنيا يوم الجمعة أول يوليو 1937. أسرتي ليست فقيرة ولا ميسورة، ولكنها في كل أطوار حياتها مستورة. جدول حياة مثل هذا الطفل من هذه الأسرة كجزء أساسي من يومه بالمدرسة الأولية حيث مبادئ الحساب واللغة والجغرافيا والتاريخ، وجزء أساسي آخر للكُتّاب حيث القرآن الكريم وعلومه كالقراءات والتجويد وحفظ النص الخالد.

تنتقل الأسرة من القرية «أوسيم» التي صارت مدينة ومركزاً فيما بعد، إلى جنوب القاهرة بحيّ مصر القديمة، كان هذا الناشئ حول العاشرة، وفي المدينة التاريخية الكبيرة جرت كبار الحوادث، وحظى فيها بنصيب وافر وفرص لم تتوفر لسواه، نحو الآفاق الأوسع والآماد الأبعد.

كانت أمّي رحمها الله تشتعل بالوطنية كما أحب الناس إليها أحد أخوالها وكان من مجاهدي ثورة عرابي المؤثّرين، وكان يحتضنها ويبثّ في روعها رحيقا، فلما انتقلت وأسرتها إلى المدينة وجدتها ساحة هائلة للعمل الوطني الجماعي.. نشطة مسؤولة في مكافحة وباء الكوليرا 1948، وزعيمة شعبية.

التحقت بالجامعة سنة تأميم القناة، وكانت أول محاضرة تلقيتها على يد طه حسين: لن تنهزم مصر، لأنها الوعاء الحافظ لكل الحضارات والثقافات البشرية، متفاعلة. وأنتم تعملون بالعلم وإن للعلم وطناً فاحموا وطنكم وحافظوا عليه لتتواصل المسيرة البشرية.

المنظمات المستقلة

الجديد: أسست صالونك الثقافي منذ 60 عامًا، حدثنا عن ظروف تأسيس الصالون، عن أبرز الإنجازات التي حققها، وأهمية تلك الصالونات.. وهل تقوم بدور فاعل وحقيقي في المشهد الثقافي أم أنها مجرد نقاشات نخبوية بعيدة عن الواقع؟

تليمة: كان الطلاب الجدد زملائي في الجامعة في حدود الخمسين، معظمهم من البلاد العربية والإسلامية، وكان من بينهم الذي له بيت في القاهرة: اتفقوا على قضاء النهار بالتدريب العسكري في الحرس الوطني، وعلى الالتقاء ليلاً في بيتي لمتابعة تطور الأمور. ولما انتهت المعارك الساخنة، اتفقوا على أن يكون اللقاء مساء كل خميس، وكان هذا اللقاء الذي بدأ عام 1956 هو الصالون الجهير الذي استمر واتسعت آماده إلى يوم الناس هذا.. العمل الثقافي متجادلاً مع العمل العام، تآزر الفنون والعلوم والأشكال الثقافية.

صار البيت مساء كل خميس محلاً لكل صاحب عطاء من المفكّرين والعلماء والمبدعين، ومقصداً لكل طالب تحدوه أشواقه الروحية وذائقته الجمالية وحاجاته المعرفية، وبعد التخرج استمرّ الصالون في نشاطه الثقافي، وناقشنا من خلاله أشكالا عدة من الإبداع سواء الأدب أو السينما أو الموسيقى، وحضرته شخصيات بارزة من النقاد والموسيقيين والشعراء.

كانت هذه التجربة قاعدة هائلة للإيمان بالعمل الجمعي الديمقراطي المستقل، وكان رواد النهضة حولنا يشدون من أزرنا وأهم ما في توجيههم أن نستقل عنهم «تعلموا منا ولا تلتزموا بنا». كان أحمد لطفي السيد يستقبلنا بمجمع اللغة الذي يرأسه، بقوله الشهير «إن أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإن أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإن أردتهما معاً فعليك بالعلم». وكان الدكتور هيكل يفرغ لنا عصر كل خميس، وكان سلامة موسى يجعل لنا كل ثلاثاء، وكان العقاد يستقبلنا صباح كل جمعة، أما طه حسين فكان معنا كل وقته.

الجديد: كنت عضواً مؤسساً لعدد من الكيانات الثقافية المستقلة مثل اتحاد الكتاب، الجمعية المصرية للأدب المقارن، الجمعية المصرية للنقد الأدبي، ما الدور الذي فعلته مثل هذه الكيانات في دفع المشهد الثقافي المصري نحو التقدم والتطور؟ هل تؤسس مثل هذه الكيانات بأحلام عظيمة سرعان ما تتكسر على صخرة الواقع؟

تليمة: كان المناخ الحيّ الثري السائد آنذاك هو الأفق الذي يؤهلنا تأهيلاً رفيعاً لخوض معارك تأسيس المجتمع الحديث.. مجتمع المنظمات الديمقراطية المستقلة، تأسيس الجماعات والجمعيات والنقابات والاتحادات، التي تتفاعل فيها كل التيارات والاتجاهات والمدارس والمذاهب.

العصر الحديث يقوم على المؤسسية، سواء مؤسسات حكومية أو أهلية، ولكن الأصل هو المؤسسات الأهلية، لأنّ من طبائع الأشياء أن البشر هم الأصل، النشاط الحكومي يأتي لما اتفق عليه الأغلبية، ومن ثم الصالونات الأدبية والجمعيات الأدبية أكثر فعالية من وزارات الثقافة لأنها متحررة من البيروقراطيات الحكومية، وهي عمل تطوعي بشكل كامل، وعطاؤها مجاني؛ فمصر الحديثة كلها ثمرة لهذه المؤسسات الأهلية، وكل شيء يمُتّ إلى المجتمع الحديث قام على أكتاف العمل الأهلي والتطوعي.

أجري الحوار في القاهرة

موقع مجلة “الجديد”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.