إفريقيا في ظل الهيمنة الإمبريالية وتراجع التضامن العربي الإفريقي (الجزء 2 من 3)، الطاهر المعز

النهب الإمبريالي لثروات إفريقيا:

تحتل إفريقيا موقعًا استراتيجيا، بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي والمحيط الهندي والبحر الأحمر، وتفوق مساحتها ثلاثين مليون كيلومتر مربع، فيما يتيح لها موقعها مناخا استوائيًّا ومداريا، يُساعد على تربية المواشي، وبها ثروة مائية هائلة تُساعد على زراعة العديد من الأشجار المثمرة والغابية، والنباتات والخضار المتنوعة، ما يوفر لمواطنيها غذاءً وفيرًا ومتوازنًا، لكن عشرات الملايين من مواطني إفريقيا يعانون من الجوع ومن الحروب، ومن عدم الإستقرار…

كانت هذه الثروات، وهذا الموقع الجغرافي المُمتاز، خاصة بعد اكتشاف الأوروبيين للطريق التجارية البحرية التي تمر برأس الرجاء الصالح، نحو المُحيط الهندي وقارة آسيا، وبعد حفر قناة السويس، التي تربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر ثم المحيط الهندي، أي الربط بين أوروبا وآسيا، أحد أسباب تكالب القوى الإستعمارية على القارة، لاستغلال الموارد، وللتحكم في المعابر المائية وطُرق التجارة الدّولية، ولا يزال سكان قارة إفريقيا يعانون إلى غاية اليوم من آثار الإستعمار الذي انتقل من استعمار عسكري مباشر، إلى اقتصادي وسياسي وثقافي، بعد أن عانى سكان غربي إفريقيا من اصطيادهم وتهجريهم لبَيْعِهم كالحيوانات، في الأسواق، ولاستعبادهم بأمريكا.

يعيش أغلب سُكّان منطقة “السّاحل” الإفريقي، في المنطقة المُلاصقة للمغرب العربي، تحت خط الفقر، ويعانون من الإرهاب وعدم الإستقرار وعدم توفّر المياه والغذاء، ويعيش أكثر من 45%  من مواطني القارّة في فقر مدقع بأقل من دولارَيْنِ في اليوم وفق بيانات البنك العالمي لسنة 2018، ولا يحصل نحو 630 مليون شخص في جنوب الصحراء على الكهرباء، ولا يحصل 61% من سكان افريقيا على خدمات المياه النّقِيّة والصّرف الصحي، بينما تزخر المنطقة المُحيطة بالصحراء الكبرى بالعديد من مصادر الطاقة (الغاز والنفط) والمواد الأولية، كاليورانيوم والبوكسيت والماس والحديد، وهو ما جعل المنطقة ميدانًا للتنافس بين القوى الإمبريالية، التي تستخدم قُوى محلّيّة، سواء كانت حُكومات عميلة أو منظمات إرهابية، ولا تقتصر هذه الحروب بالوكالة على منطقة الصحراء الكبرى (الساحل) بل تتعداها إلى غرب ووسط وشرق إفريقيا، من أجل نهب ثرواتها، إذ تُنتج إفريقيا نحو 98% من الإنتاج العالمي من الماس و55% من الذهب و22% من النحاس، ومعادن أخرى كاليورانيوم والمنغنيز والكْرُوم، مع احتياطي ضخم من النفط يقدّر بأكثر من 17 مليار طن، بحسب “الاتحاد النفطي السويسري”، أو أكثر من 15% من احتياطيات النفط العالمية و40% من احتياطات الذهب ونحو 30% من الموارد المعدنية العالمية، وأكثر من 60 معدنًا مختلفًا(البلاتين والكْرُوم والماس والكوبالت واليورانيوم والذهب…)، وتنتج نحو 70% من كاكاو العالم و 60% من زيت النخيل، كما يُنتج المُزارعُون مواد عديدة، مثل الدخن والذرة والقلقاس والبطاطا الحلوة والموز والفول والقهوة، بالإضافة إلى صيد السمك من البحر والبُحَيْرات والأنهار، وتربية الحيوانات لإنتاج اللحوم أو البَيْض أو الألبان، وإنتاج القُطن وغير ذلك، لكن الشركات العابرة للقارات تحتكر مساحات واسعة مُخصصة من الأراضي الخصبة، لزراعة إنتاج مُعدّ للتصدير باستخدام الآلات والتجهيزات الحديثة، والأسمدة الكيماوية، والمبيدات السّامة والبذور المُعَدّلة وراثِيًّا، بالإضافة إلى ضعف التجهيزات والإستثمارات للفلاحين الصغار، ما يؤدّي إلى إتلاف كميات كبيرة من هذا إنتاج صغار المزارعين، بسبب العوامل الطبيعية وغياب المخازن والطاقة، وسوء الطرقات، ومسالك التوزيع، وغير ذلك، بالإضافة إلى شروط صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية، التي تَحْظُر دَعْم الفلاحين والإنتاج الزراعي ( لو افترضنا أن العزيمة متوفرة لدى الفئات الحاكمة)، جعل القارة تستورد العديد من السلع الغذائية، منها الحُبُوب، كالقمح من أوروبا وأمريكا الشمالية، والأرز من آسيا، وتستورد الزيت النباتي والحليب، رغم وَفْرة المياه وخُصُوبة الأرض (خاصة في وسط وجنوب القارة) وتنوع المناخ والإنتاج…

يُشغّلُ القطاع الزّراعي نحو70% من قوة العمل في قارة إفريقيا، ولكنه لا يساهم سوى بنحو 15% من إجمالي الناتج المحلي، وتستورد افريقيا أغذية بقيمة تقارب ثلاثين مليار دولارا سنويا…

لا يقتصر النّهب على المعادن أو الأراضي الصالحة للزراعة، بل يشمل العديد من الموارد، ومن ضمنها تهريب الأموال إلى الخارج، حيث قدَّر تقرير نشره مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية – “أونكتاد” – يوم الإثنين 28 أيلول/سبتمبر 2020، أن مبلغًا لا يقل عن 89 مليار دولارا سنويا، يخرج من إفريقيا بطُرُقٍ غير مشروعة، كالسّرقة والتّهرّب الضّريبي، أو ما يُعادل 3,7 % من الناتج الإجمالي لقارة إفريقيا، وتُهَرِّبُ الشركات العابرة للقارات نحو نصف المبلغ الإجمالي، بينما لا تتجاوز قيمة الإستثمارات الأجنبية المباشرة 54 مليار دولارا، وبلغت قيمة الدّيون الخارجية للقارّة 770 مليار دولارا، بنهاية سنة 2018، وتتمثل عمليات التحايل في عدم التصريح بالقيمة الحقيقية للثروات والسّلع الخارجة، من صادرات بعض المواد الأولية، مثل الذهب والألماس والبلاتين، وتضخيم قيمة الواردات، بالإضافة إلى المناجم غير النّظامية، والرشوة وغسيل الأموال وهشاشة أنظمة الرقابة المصرفية، وتتجه هذه المبالغ المُهَرّبة إلى مصارف الدّول الغنية والملاذات الضريبية ومعظمها مستعمرات أوروبية وأمريكية، واحتلت نيجيريا (أكبر منتج للنفط في إفريقيا والبلد الأكثر كثافة سُكّانية) المركز الإفريقي الأول في مجال تهريب الأموال إلى الخارج بطرق غير مشروعة، تليها مصر ثم المغرب والجزائر…

أصبحت ثروات قارة إفريقيا وموقعها الإستراتيجي مَحَلَّ منافسة بين مختلف القوى الرأسمالية والإمبريالية، وأقرّت إدارة الرئيس “باراك أوباما” (2009 – 2016) منافسة الصّين، فارتفعت الصادرات الأمريكية خلال نفس الفترة وارتفع استثمار الشركات الأمريكية في مجالات مُحَدّدة كالطاقة والإتصالات والبُنية التّحتية، بالإضافة إلى الأمن والسلاح، ضمن برنامج “أفريكوم”.

أما الصين فقد بدأت تعزيز الإستثمارات والعلاقات التجارية، منذ سنة 2000، مع نحو 45 دولة افريقية (من إجمالي 53) فنمت التجارة الثنائية بين إفريقيا والصين، من 10,6 مليارات دولار سنة 2000 إلى 160 مليار دولار سنة 2011، وحوالي 200 مليار دولارا سنة 2016، خلافًا للدول الأوروبية التي تفرض سيطرتها في افريقيا عبر اللغة (الإنغليزية والفرنسية) والقواعد العسكرية والتدخل في الشؤون الداخلية وتنظيم الإنقلابات، والتركيز على بعض القطاعات التي لا تستفيد منها سوى الشركات الأوروبية، وارتفعت حصة الصين في مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا إلى أكثر من الضِّعْف سنة 2016، وارتفعت قيمة الاستثمارات الصينية وقيمة التجارة بين الصين وإفريقيا بنسبة 17% خلال سنة 2017، ويُقدّر البنك العالمي قيمة الإستثمارات الصينية بنحو خمسين مليار دولارا سنويا، لكن الشركات الصينية تُخصّص أكثر من مليون وظيفة في إفريقيا للمواطنين الصينيين. 

عندما كان الخطاب الرّسمي الصيني يُؤَكِّدُ على مناهضة الإستعمار وعلى التضامن مع الشعوب الإفريقية ضد الاحتلال، قامت الصين الفقيرة آنذاك ببناء خط سكة حديد تنزانيا الذي يبلغ طوله قرابة 1900 كيلومتر، ويربط بين زامبيا وساحل تنزانيا، أما اليوم فإن الشركات الصينية مهتمة باقتناص الفُرَص المُرْبِحَة، وبالمواد الأولية التي تحتاجها الصين مثل النفط  (أنغولا ونيجيريا والسودان ) والنحاس (زامبيا والكونغو الديمقراطية ) والكوبالت، الضرورى لإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية، من الكونغو (أكبر منتج عالمي) واليورانيوم من ناميبيا، وخام الحديد، وغير ذلك، ثم توسّع اهتمام الشركات الصينية  في افريقيا ليشمل بلدانًا أخرى منها ليبيا وزامبيا وغانا وموزمبيق والحبشة، وجيبوتي (حيث تمتلك أول قاعدة عسكرية مُعْلَنَة) والمغرب والجزائر، وتنوعت الإستثمارات لتشملَ شراء أو تأجير الأراضي واستخراج المعادن مقابل إنجاز بعض مشاريع البنية التحتية والمالية، مع توظيف عدد قليل جدا من السكان المحليين والإفراط في استغلالهم وإذلالهم وإساءة معاملتهم، وتعزّز نفوذ الصين مع مشروع “طريق الحرير الجديد” (أو الطريق والحزام) الذي يتضمن إنشاء الطرقات والموانئ والسكك الحديدية، وتُسيطر الشركات الصينية تُسَيْطِرُ على شبكات البث ومراكز البيانات ومبيعات الهواتف “الذكية” منذ 2016…

بدأت الهند تهتم بالإستثمار في قطاع الزراعة ف والصناعات الغذائية في بلدان مثل زامبيا وبوتسوانا وتنزانيا وجنوب إفريقيا، مستغلة إرث “عدم الإنحياز”…

يكمن الفارق بين الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، من جهة، ودول الإتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة من جهة أخرى، أن المجموعة الثانية تحتل مناطق في إفريقيا، ولها قواعد عسكرية، وتُساهم في قَتْلِ المواطنين المَدَنِيِّين، أما المجموعة الأولى (البلدان الآسيوية) فهي تكتفي (لحدّ الآن) بالإستغلال ونَهْب الثروات، بشروط أقل إجحافًا من شُرُوط الإمبرياليات “الغربية”.

برنامج “أفريكوم”، رمز الهيمنة الأمريكية

المُقدّمات، أو تزامن احتلال العراق مع الهيمنة على إفريقيا:

  بعد ثلاثة أيٌام من تفجيرات 11 أيلول/سبتمبر، أي في 14 أيلول/سبتمبر 2001، دعت وزارة الخارجية الأمريكية سفراء الدول الإفريقية بواشنطن، لإعلامهم بوُجُوب دخول الدّول التي يُمثلونها في تحالف “لمحاربة الإرهاب”، بالتعاون الكامل مع وكالات الإستخبارات الأمريكية، وفرض مزيد من الرقابة على المواطنين وتحركاتهم داخل بلدانهم وعلى الحدود، وتسليم المشتبه فيهم إلى أمريكا، ومراقبة كل من له “نوايا عدوانية ضد أمريكا ومصالحها…”، على أن يكون الرّد، بعد 72 ساعة على أقصى تقدير، وخلال اجتماع ثان يوم 18/09/2001، أعلنت معظم الدول الإفريقية قُبُولها ومُشاركتها (الإجبارية) مع بعض التحفٌظات لجنوب افريقيا ونيجيريا والجزائر، وضغطت الولايات المتحدة على 34 دولة افريقية، اتهمتها بعدم “التعاون الكامل لمحاربة الإرهاب”، ومنها ليبيا والجزائر والسودان وكينيا وتنزانيا وليبريا…
تَجَلّت المُخطّطات الأمريكية، سنة 2002، لما طرحت أمريكا “مبادرة السٌاحل الافريقي والصٌحراء”، خلال اجتماع ضم رؤساء أركان جُيُوش كل من موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس ومالي والسنغال والنيجر ونشاد ونيجيريا، بهدف “التعاون في مجال مكافحة الإرهاب”، وشارك، خلال نفس السّنة، حوالي ألف جندي أمريكي في تدريبات عسكرية مشتركة بأفريقيا، وخصٌصت أمريكا 6,25 مليون دولار لتعزيز القدرات العسكرية لسلاح البر في مالي وموريتانيا وتشاد والنيجر، وإشراف ضُبّاط أمريكيين على تدريب الجنود “للبحث عن الإرهابيين الفارِّين من أفغانستان”، ثم عزز الجيش الأمريكي صفوفه في قاعدة “جيبوتي” بألْفَيْ جندي (سنة 2002)، وصادق الكونغرس على ميزانية إضافية بقيمة خمسمائة مليون دولار “لمكافحة الإرهاب بشمال وغرب افريقيا”، وزار مدير المخابرات الأمريكية “مايكل هيدن” عَدَدًا من الدّول الإفريقية المرشٌحة لاحتضان القواعد العسكرية وقيادة “أفريكوم”، فيما بعد، وقام مساعد وزير الحرب الأمريكي لشؤون التخطيط والسياسات، بجولة شملت المغرب والجزائر وليبيا ومصر وجيبوتي والحبشة، وزار وزير الحرب “دونالد رامسفيلد” ارتريا والحبشة وجيبوتي، وهي الدول التي وافقت حكوماتها على “التعاون الكامل مع القوات العسكرية الأمريكية، وتقديم المعلومات لها”، كما وافقت، في كانون الأول/ديسمبر 2002، على استخدام أراضيها جوٌا وبحرا (جيبوتي وإرتريا) لضمان أمن البحر الأحمر”، وكانت سنة 2003، سنة احتلال العراق، سنة حاسمة للهيمنة العسكرية الأمريكية على قارة إفريقيا، ونكتفي بسرد بعض الأحداث:

تدخٌلت أمريكا عسكريا في ليبيريا (آب/أغسطس 2003)، وعزلت “شارلز تايلور” الحليف السٌابق، وفرضت على المتخاصمين وقف الحرب الأهلية (التي استمرت حوالي 15 سنة)، ثم أنشأت مطار “طروبرتسفيلد” الذي تستخدمه القوات العسكرية الأمريكية، للتموين، كما أنشأت قاعدة “أوميغا”، وهي إحدى أكبر القواعد البحرية آنذاك، ومحطٌة تجسٌس لوكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) تغطٌي القارة الافريقية، بثٌا وإرسالا والتقاطا، وقامت القوات الأمريكية بحماية أكبر مزرعة للمطٌاط في العالم، قريبًا من المطار الدولي ب”منروفيا”، عاصمة ليبيريان الذي استخدمته المخابرات الأمريكية في السابق، لِنَقْلِ الأسلحة إلى الحركات اليمينية المسلٌحة في افريقيا مثل “يونيتا” الأنغولية، وجزء من المتمرٌدين الطوارق الموالين للإمبريالية الأمريكية وللكيان الصهيوني، بحسب تصريحات بعض قادَتهم…

وقّعت الولايات المتحدة، سنة 2003، اتفاقيات مع حكومات الكامرون والغابون وغينيا الإستوائية، لاستخدام مطاراتها لأغراض عسكرية أمريكية، واتفقت مع حكومات نيجيريا وبينين وساحل العاج بشأن استخدام قواعد جوية بأراضيها…

على المستوى الإقتصادي، بلغت استثمارات شركات النفط الأمريكية بإفريقيا، سنة 2003، نحو عشرة مليارات دولارا، في “مناطق التٌوتٌر” التي تتذرّع بها الولايات المتحدة للتدخّل العسكري في إفريقيا، واتفقت وسائل الإعلام الأمريكية على التّركيز على “عدم الإستقرار بمناطق كثيرة في افريقيا، ما يُوسّع مجال نشاط المجموعات الإرهابية وتجارة المُخدّرات والهجرة السّرّيّة”، لذا أعلن الجنرال “جيمس جونز”، أعلى مسؤول عسكري أمريكي في أوروبا ( نيسان/ابريل 2003)، إنشاء مراكز للتدخٌل السريع في افريقيا والعالم، لتعزيز قدرات الجيش الأمريكي على التحرٌك، وبعد سنتَيْن أصبح هذا الجنرال، سنة 2005، مُنسّقًا عسكريا بين سلطة أوسلو، في رام الله، والكيان الصهيوني، كما عمل في مصر والصٌومال…

زار الرئيس الأمريكي “جورج بوش الأبن” خمس دول افريقية: السنغال وجنوب افريقيا وبستوانا واوغندا ونيجيريا، وأعلن، خلال الزيارة (تموز/يوليو 2003) اهتمام أمريكا ببؤر التوتر في ليبريا وساحل العاج والسودان ومنطقة البحيرات الكبرى، وأعلن اعتزام أمريكا تأمين احتياجاتها من الطاقة من الخليج العربي وبحر قزوين وخليج غينيا الإستوائية، ولو بالقوة، ولذلك وجب تواجد الجيش الأمريكي بقواعد عسكرية تُؤمّن ضرب أي قوة “معادية” لها، أو حتى القوى المنافسة، وتُؤمّن السيطرة على المعابر البحرية التجارية، خاصة المحيطة بافريقيا، وتلا هذه التصريحات إعلان “مبادرة (عسكرية) ضد الإرهاب عابر الصٌحراء”, واختارت هيئة أركانها مدينة “داكار” (عاصمة السينغال) مقرًّا لها، وخصٌصت لها ميزانية تٌدّر بمائة مليون دولار سنويا لفترة خمس سنوات، كما ارتفع نَسَق “التعاون” العسكري مع موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا والسنغال والنيجر ونيجيريا ومالي، بتعلٌة مقاومة الإرهاب والعصابات الخطيرة وقطٌاع الطٌرق الحدودية، المحاذية لمنابع النفط، وأشرف الجيش الأمريكي على مناورات عسكرية، بمشاركة جُيُوش هذه الدّول، وكذلك دول أوروبية من حلف شمال الأطلسي، فرنسا وبريطانيا والدنمارك والبرتغال…كما نشطت القاعدة العسكرية الأمريكية الضّخمة ب”سيغونيلا” (إيطاليا) في استقبال وإرسال بعثات مراقبة وتجسٌس، وعمليات سرٌية “لمحاربة الإرهاب”، وزادت أهمٌية القواعد العسكرية الأمريكية بايطاليا وأسبانيا والبرتغال واليونان منذ احتلال أفغانستان والعراق، وبشكل عام كثٌفت أمريكا من الزيارات العسكرية والمناوات المشتركة مع بلدان كان تأثيرها فيها ضعيفا أو منعدما، كالجزائر التي صرح بوش عام 2004 انها “حليف استراتيجي”، بمناسبة إجراء مناورات بحرية مشتركة، قبل زيارة وفد عسكري جزائري إلى واشنطن، وقبل توقيع اتفاق حول التكوين والتدريب والتجهيز العسكري الخ، وتزامن تعزيز العلاقات العسكرية الجزائرية الأمريكية، مع مصادقة مجلس النّوّاب الجزائري على قانون يمكٌن الشركات الأجنبية (منها الأمريكية) من دخول السوق المحلٌيٌة في مجال استغلال وتجارة وصناعة المحروقات…

عمومًا تمكّنت الولايات المتحدة من إجهاض محاولات حلفائها الأوروبيين، ومحاولات منظمة الوحدة الإفريقية والأمم المتحدة، “لخلق آليات إقليمية وجهوية (افريقية) لحل النزاعات…”، وضغطت لكي تقبل حكومات الدول الإفريقية وجود قيادة عسكرية أمريكية خاصة بإفريقيا (أفريكوم).

الوقائع:

تمتلك الولايات المتحدة قاعدة ضخمة، ودولة كاملة في إفريقيا، أي “ليبيريا”، في الساحل الغربي لإفريقيا، على ساحل المحيط الاطلسي، التي أسّسَها العبيد المُحَرَّرُون من الولايات المتحدة، سنة 1822، بتمويلٍ ودعمٍ أمريكي رسْمِي (عَلَمُها مُستوحى من العَلَم الأمريكي)، ولا يتجاوز عدد سكانها خمسة ملايين نسمة، سنة 2019، وكانت قارة إفريقيا، كما مجمل بلدان “المُحيط”، محل صراع بين الإمبرياليات الأوروبية، وخلال النصف الثاني من القرن العشرين، أصبحت إفريقيا ساحة للصراع بين المعسكرين “الغربي” بزعامة أمريكا، و”الشرقي” بزعامة الإتحاد السوفياتي (الكونغو، أنغولا والموزمبيق, افريقيا الإستوائية, مصر وغيرها)، وبعد انهيار الإتحاد السوفييتي، أصبحت أمريكا تطرح استراتيجيا شاملة، توٌجتها بتنصيب قيادة لأفريكوم (القيادة العسكرية الأمريكية الموحٌدة في افريقيا – يونيتد ستايتز أفريكا كوماند)، أي تكوين “القيادة السٌادسة” الخاصة بمراقبة افريقيا.

تم إقرار نقل القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا من “شتوتغارت” (ألمانيا) إلى إفريقيا، وهو برنامج خطير، وقع إقراره خلال فترة رئاسة جورج بوش الإبن، ووقع تنفيذه خلال فترة رئاسة باراك أوباما، ولعبت تركيا، عضو حلف شمال الأطلسي، منذ تأسيسه، دورًا هامًّا في التّرويج “للأمن والإستقرار الإقليمي” في المغرب العربي، بواسطة الحوار المتوسّطي/الأطلسي الذي جَمع دولاً عربية، منذ سنة 1994، دولاً عربية ( موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس ومصر والأردن ) مع الكيان الصهيوني، وأدّى هذا “الحوار المتوسّطي” إلى قرار قمة إسطنبول، التي جمعت 26 دولة، إدماج الكيان الصهيوني في عمليات التدريب والمناورات المشتركة بين الحلف الأطلسي وبعض البلدان العربية، التي تجري منذ سنة 1995، بذريعة “حماية البيئة البحرية، والتدريب على عمليات الإنقاذ، خلال الكوارث، وحماية البيئة البحرية…”، ولم يُشارك جيش الجزائر سوى منذ سنة 2002، وكانت تلك مُقدّمات برنامج “أفريكوم”، الذي سبقه برنامج “ميبي” (مبادرة الشراكة للشرق الأوسط، أو “ميدل إيست برتنارشيب انيشيتف” ) ومقرّه الرئيسي بتونس، منذ 2002، وتندرج هاتان المبادرتان ضمن مشروع “الشرق الأوسط الكبير”، وضمن الهيمنة على قارة إفريقيا، بعد انهيار جدار برلين، وبدأت تنفيذ هذا البرنامج بالعدوان العسكري واحتلال الصومال، سنة 1992، والتّدخّل المباشر في ليبيريا وسيرا ليوني، وقصف مصنع أدوية بالسّودان، سنة 1998، بدعوى أنه مصنع للمواد الكيماوية…

الجيش في خدمة الإحتكارات- عسكرة الإقتصاد الأمريكي والسياسة الخارجية:

يندرج برنامج “أفريكوم” العسكري، وما سبقه وما لحقه من برامج، ضمن مخطّط أقْدَم وأشمل، يتمثل في “عَسْكَرَة” العلاقات الخارجية، ويتجاوز قارة إفريقيا، ويشمل آسيا وأمريكا الجنوبية وأوروبا الشرقية أيضًا، وتسارعت وتيرة تنفيذ هذا المُخطّط بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، وطموح الإمبريالية الأمريكية فَرْض هيمنة القُطْب الواحد على العالم، وتوفير الحماية العسكرية (إلى جانب الحماية السياسية والإقتصادية، والدّعم المالي المُتواصل) للشركات العابرة للقارات، ذات المَنْشأ الأمريكي، ومنها شركات المحروقات (النّفط والغاز) والطاقة، وحماية المُجمّع الصناعي العسكري الأمريكي، وشركات الإتصالات والتكنولوجيا الأمريكية، وما إلى ذلك.   

أعلن نائب الرئيس الأمريكي، وممثل مصالح الإحتكارات النفطية، “ديك تشيني”، في أيار/مايو 2001، قبل تفجيرات نيويورك: “يجب أن نخفٌف من اعتمادنا على نفط الدٌول المعادية مثل فنزويلا شافيز، ونعوٌضه بنفط خليج غينيا”، وخلال نفس الشهر، صرح الجنرال “شارلز واد”، قائد القوات العسكرية الأمريكية في أروبا، في حديث لصحيفة “وول ستريت جرنال”: ” تقع على عاتق قواتنا المسلٌحة في افريقيا مهمٌة أساسية تتلخٌص في ضمان السٌيطرة الكاملة على المناطق النفطية في نيجيريا وما حولها، لأن 25% من حجم الواردات الأمريكية للنفط ستأتي من هناك في المستقبل القريب”، وأظهرت الوقائع ارتفاع واردات أمريكا من النفط الإفريقي من 1,6 مليون برميل يوميا سنة 2000 إلى 2,7 مليون برميل يوميا سنة 2007، سنة تركيز “أفريكوم”، وبالربط بين الأحداث والتصريحات، يبدو أن الهدف الحقيقي لبرنامج “أفريكوم” هو الهيمنة على مصادر إنتاج الطاقة (ولو لم تكن أمريكا هي المُستورِدَة)، والهيمنة الإقتصادية، بواسطة القُوّة العسكرية.

كانت نسبة النفط الذي تستورده أمريكا من خليج غينيا تبلغ 10% من جملة وارداتها، سنة 2001، وارتفعت النسبة إلى 15% عام 2007 على أن تتضاعف سنة 2025، بحسب “ناشينال إينرجي بوليسي”، لكن تغير الأمر بارتفاع إنتاج النفط والغاز الصّخرِيّين الأمريكيّيْن، ما أضرّ كثيرًا بنيجيريا التي انعدمت صادراتها من الغاز إلى الولايات المتحدة، منذ سنة 2019.

وقع الإعلان لأول مرة، عن برنامج “أفريكوم” يوم العشرين من كانون الأول/ديسمبر 2006، بهدف “تعزيز الأمن والإستقرار في خليج غينيا”، وفي السابع من شهر شباط/فبراير 2007، وقع الإعلان عن إنشاء القيادة العسكرية الأمريكية السادسة، “أفريكوم” أو القيادة العسكرية الأمريكية الموحٌدة في أفريقيا، بهدف “تطوير التعاون العسكري مع الدول الافريقية، والقيام بعمليات عسكرية حربية في قارة إفريقيا، عند الإقتضاء، بقرار من الحكومة الأمريكية، لضرب قدرة المتطرٌفين المسلٌحين على قتل المدنيين الأبرياء…” ويرتبط رئيس قيادة افريكوم مباشرة بالرئيس الأمريكي ويقدم له تقاريره…

بعد عام من بداية تركيز “أفريكوم”، عزٌزت الشركات النفطية الأمريكية وجودها، سنة 2008، في كل من الجزائر وأنغولا والكامرون وتشاد والكونغو بجزئيه وغينيا الإستوائية والغابون وليبيا ونيجيريا، وصرّح وزير الطٌاقة “سامويل بودمان” (2008) إن الحكومة الأمريكية تشجع الشركات النفطية على توسيع نفوذها في كل من مدغشقر وبينين وساو تومي وغينيا بيساو، بالتوازي مع تعزيز العلاقات العسكرية مع مجمل الدول الإفريقية، وارتفاع المبيعات المباشرة للسلاح الأمريكي (لم يقع الإعلان عن القيمة المالية) إلى أنغولا والجزائر وبستوانا وتشاد وساحل العاج والكونغو (برازافيل) وغينيا الإستوائية واريتريا والحبشة والغابون وكينيا ومالي وموريتانيا والنيجر ونيجيريا وأوغندا، مع تركيز قواعد عسكرية جديدة (بعضها غير مُعْلَن) بكل من السنغال ومالي وغانا، بالإضافة إلى القواعد البحرية بساو تومي (في عرض ساحل الغابون)… وأعلن الجنرال “جيمس جون” قائد القوات العسكرية الأمريكية في أوروبا، أن البحرية الأمريكية قد تخفض تواجد بوارجها في البحر الأبيض المتوسٌط (الأسطول السادس) لتعزٌز حضورها في الساحل الغربي لأفريقيا وخليج غينيا (حيث حقول النفط وطريق مرور النٌاقلات)…

ارتفعت قيمة الإستثمارات الأمريكية بإفريقيا، خلال ثمانية سنوات من رئاسة جورج بوش الإبن، ثلاثة أضعاف، خصوصا في مجال الطٌاقة والمناجم، ووقٌعت الولايات المتحدة عددا من المعاهدات العسكرية مع عدٌة دول أفريقية، لحماية مصالحها ولمواجهة المنافسة الصٌينية، ولتوفير إسناد لوجيستي لاحتياجاتها الإقتصادية، وقواتها العسكرية التي تحمي الشركات الأمريكية العاملة في افريقيا…

تُجسّد هذه الوقائع التي بدأت قبل أكثر من عِقْدَيْن، مقدّمات العدوان الحالي على ليبيا والمنطقة المُحيطة بالصّحراء الكُبرى، وهي المنطقة المُستهدفة، بدرجة أولى، بمشروع “أفريكوم”، وتكمن أهمٌيٌة الصحراء في اتساع مساحتها وثراء باطن أرضها، وقلة عدد سكانها وقربها من منابع النفط والعديد من المعادن الثمينة الأخرى، وهي على مسافة واحدة بين أروبا والمشرق العربي، وكذلك على نفس المسافة بين نيجيريا وأنغولا والجزائر، أهم منتجي النفط  في افريقيا، بالإضافة إلى عودة الشركات النفطية الأمريكية إلى ليبيا، منذ سنة 2004، وتوقيعها عقودا هامة في مجال البحث والإستكشاف واستغلال الطاقة… أما موضوع الإرهاب فإنه يساعد البلدان المتاخمة للصحراء والإمبريالية في نفس الوقت، للتموية وتحويل الأنظار عن المشاكل الحقيقية الداخلية والإبقاء على الأوضاع القائمة كما هي: الفقر (في نيجيريا رغم النفط) والمجاعة (في النيجر رغم اليورانيوم والمعادن الأخرى) والفساد واستثراء أقلٌية على حساب الأغلبية…

يقول “مارك فرانشر”, عضو المجلس الأمريكي للمحامين السٌود (أن سي بي أل) :”إن القيادة العسكرية الأمريكية في افريقيا – أفريكوم- ليست سوى وسيلة لضمان الموارد النفطية للشركات الأمريكية، وكل من يعارض هذا الهدف أو يحاول عرقلته يصبح إرهابيٌا، ويضاف إسمه إلى قائمة اهداف الجيش الأمريكي…” وجاء في الموقع الإلكتروني لأفريكوم ” إن هدف هذه البرامج العسكرية والمدنية، هو تركيز مناخ قار، يكون سندا لسياستنا الخارجية وتوجهاتها وبرامجها التي تعمل بدورها على تركيز مناخ سلمي يساعد على تطور الأعمال والمبادلات والتعاون, فالعلاقة بين الأمن والتطور لا تحتاج إلى برهان…” إن أفريكوم هي الذراع العسكري للسياسة الخارجية ولمصالح الإحتكارات الأمريكية…

مرحلة الإنجاز:

أشرف الجنرال “وليام وارد” (ذو الأصول الافريقية)، مساعد قائد القوات الأمريكية في اروبا، آنذاك، والذي أصبح قائدا لأفريكوم على ندوة بداكار، عاصمة السينغال، خلال نفس يوم إعلان جورج بوش الإبن عن تأسيس “أفريكوم” (07/02/2007) بعنوان “مكافحة الإرهاب العابر للصحراء”، بمشاركة رؤساء أركان كل من المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا والنيجر ومالي وتشاد ونيجيريا والسنغال…

يقول روبرت غيتس وزير الحرب الأمريكي آنذاك ان برنامج أفريكوم يُمثل تحديثًا للإستراتيجية الامريكية، لتصبح اكثر تماسكا وفعالية، بعد انهيار الإتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة… ورصدت آنذاك موازنة سنوية لأفريكوم بحوالي 90 مليون دولار، و392 مليون دولار لمركز القيادة، المتركٌبة من حوالي 500 خبير في الإستخبارات والاتصالات والتحاليل والتقارير الاستشرافية، وخبراء من وزارات الخارجية والمالية والأمن والتجارة والطٌاقة والزراعة، ومن مكتب التحقيقات الفدرالي أف بي آي (من المفروض أن لا يكون له نشاط خارج الولايات المتحدة)،  وارتفع عدد الموظفين الدٌائمين إلى 1300 بعد مدٌة قصيرة…

لا يقتصر برنامج “أفريكوم” على الجانب العسكري، بل يدمج في نشاطه هياكل وموظفين مدنيين من “يو آس آد” (الوكالة الأمريكية للتعاون الدولي) ومؤسسات الإغاثة والعمل “الإنساني” والمنظمات “غير الحكومية”…”لخلق مناخ مناسب للتطور الإقتصادي, والحكم الرشيد والتصرف السليم في الموارد الإقتصادية والبشريةن والوقاية من الأمراض والأوبئة والآفات، مما يعود بالمنفعة على المواطنين في ميادين التعليم والصحة والتأهيل…ليتمتٌعوا بظروف عيش أفضل”، بحسب موقع أفريكوم، وتدّعي السيدة “هنريتٌا فور”, مديرة “يو آس آد” : “إن دور أفريكوم هو الوقاية من النزاعات، وتقديم المعونة للسكان، ومساعدة الحكومات والمواطنين زمن الكوارث الطبيعية، بالتعاون مع شركائنا في القطاع الخاص، والمساعدة على تجاوز الصعوبات الإقتصادية والنزاعات العرقية والمرض والجريمة، وهي آفات يُعادل خطرها خطر الحروب والنزاعات…”. 

إنه برنامج عسكري, يستعمل المعونات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية “والعمل الإنساني”, لتلميع صورة الولايات المتحدة لدى المواطنين, الذين تظاهروا بكثافة ضد احتلال افغانستان والعراق وضد االجرائم الصٌهيونية المتكررة، كما يُمثّل العمل “الإنساني” محاولة لتغطية الحضور العسكري…

تعدّدت زيارات الوفود الأمريكية، المتكونة من رجال أعمال ومخابرات وموظفين سامين بوزارتي الحرب والخارجية، طيلة سنتي 2007 و2008 , إضافة إلى الجولة الافريقية الثانية للرئيس جورج بوش (2008)… كما تعددت المناورات العسكرية التي شملت كافة المناطق الافريقية من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها, وشملت كافة أعضاء الإتحاد الافريقي، وأشرف الجيش الأمريكي على تدريب وتأهيل 45 ألف جندي و3200 مدرٌب عسكري افريقي، وشاركت 21 دولة إفريقية في مناورة عسكرية ضخمة في تموز/يوليو 2008 ، وزار الجنرال “ويليام وارد” قائد أفريكوم، ثلاثين دولة افريقية ضمن جولة واحدة في شباط/فبراير 2008، بمناسبة مرور سنة واحدة على تركيز “أفريكوم، وقام خبراء عسكريون بمهام تدريب وإغاثة ووقاية في معظم الدول الافريقية، إلى جانب “المنظمات غير الحكومية”، في ميادين عديدة كالصحة والمياه الصالحة للشرب والتموين الغذائي، لتلميع صورة أمريكا وجيشها، و”تلطيف” الحضور العسكري…

تمثلت رغية الولايات المتحدة في إقامة قواعد عسكرية في المغرب العربي، وفي غربي إفريقيا والسّيْرة المباشرة على المنطقة المتاخمة للصحراء الكبرى، ورفضت بعض الدّول الإفريقية كالجزائر وليبيا وجمهورية جنوب افريقيا ونيجيريا إنشاء قواعد عسكرية على أي أرض افريقية، لتفادي غضب السكان وعدم الإستقرار، وردّت الولايات المتحدة بالضّغط على هذه الحكومات واستخدام ورقة “انعدام الحريات الدينية” في الجزائر وعدم احترام حقوق الإنسان والأقلٌيات،  و تعدّدت استفزازات السفراء الأمريكيين العاملين في هذه الدّول، ونَظّمت سفارات أمريكا في خمسين دولة إفريقية ندوات صحفية لموظفين سامين بوزارتَيْ الحرب والخارجية الأمريكيّة، لشرح “النويا الأمريكية الطيبة تجاه إفريقيا، والأهداف السلمية والتنموية لبرنامج أفريكوم” ( العسكري)، وأصبحت كل سفارة أمريكية في أي دولة إفريقية تضم مكتبًا لأفريكوم، ما زاد من عدد الملحقين العسكريين وضباط المخابرات من “سي آي أي” وضبٌاط الشرطة من مكتب التحقيقات الفدرالي “أف بي آي”، الذين يفترض فيهم أن لا يحققوا في قضايا خارج تراب الولايات المتحدة، بالتوازي مع تكثيف عمل البعثات “الإنسانية” والمنظمات “غير الحكومية” الأمريكية، التي مَهّدت الطريق للعديد من الشركات التي ترغب في الإستثمار بإفريقيا، بذريعة “تطوير التعاون الإقتصادي”، لكم ما ظهر للعيان هو مضاعفة وتيرة المناورات العسكرية المشتركة، ودورات التدريب المشبوهة “لفائدة” النسوة والطلبة والصحفيين ورجال الأعمال، في بلدانهم، لتكوين نخب موالية لأمريكا، بأبخس الأثمان، كما تضاعف عدد الدّعوات التي توجّهها السفارات الأمريكية إلى “النخب” وأحزاب المعارضة والنقابيين بمناسبة الأعياد القومية الأمريكية أو النشاطات الإعلامية والدعائية، مع دعوة بعض القيادات لزيارة أمريكا على نفقة وزارة الخارجية، بمناسبة الإنتخابات أو لمعاينة الحياة والممارسة الديمقراطية في أمريكا، بغرض تحضير البدائل الممكنة للأنظمة القائمة، كما حصل في تونس وفي مصر، حيث اعتبرت الدّراسات والبحوث الأمريكية أن القاعدة الشعبية لهذه الأنظمة اهترأت وتقلّصت، ما قد يؤدّي إلى هبوب رياح معاكسة لمصالح الإمبريالية، ولذلك بقيت الولايات المتحدة تدعم أنظمة الحكم، وتحافظ على علاقات “ودّية” مع بعض اتجاهات المعارضة، وانتهجت سياسة الوقاية والتضحية ببعض الرموز الموالية للسياسة الأمريكية، من أجل المحافظة على  مصالحها، وتشير معظم التقارير الأمريكية الصادرة منذ 2007، والتي تخص قارة إفريقيا، أن الولايات المتحدة مصمٌمة على احتلال المكانة الأولى في افريقيا اقتصاديا وعسكريا، ومواجهة حلفائها الأروبيين والصين وأي منافس آخر، باستخدام ذريعة محاربة الإرهاب والمخدرات والجريمة المنظمة، والهجرة “السّرّية” التي أصبحت جريمة في نفس مقام الإرهاب…

تُشكل المنظمات “الخيرية” و”الإنسانية” و”غير الحكومية” أدوات لسياسة الهيمنة “الناعمة”، عبر ترويج المواد والتقنيات والثقافة الأمريكية، وتلطيف وتزْيين الحضور العسكري الأمريكي، لتلبيسه قناعًا “إنسانيًّا”، رحيما بالشعوب وبالفُقراء، والمرضى والنساء والأطفال والأقليات الأثنية والدينية… 

ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية:

كان الحزب الديمقراطي، قبل انتخاب “باراك أوباما” ينتقد “عسكرة السياسة الخارجية” الأمريكية، لكن، وبعد الإنتخابات، قلٌ الحديث عن أفريكوم، بسبب الأزمة المالية والإقتصادية، لكن زاد نسق المناورات العسكرية بإفريقيا، بالتوازي مع إعادة توزيع وانتشار القوات الأمريكية بين القواعد العسكرية في أروبا، وتواصلتْ زيارات الوفود العسكرية والمدنية لإفريقيا، لتثمين “العمل الإنساني” للجيش الأمريكي التي تكثّف في أكثر البلدان الافريقية فقرا، ورغم رفض الجزائر تركيز قواعد عسكرية أمريكية بإفريقيا، فإنها تستقبل جنودا وبوارج أمريكية للقيام بمناورات بصفة مستمرة، وتقيم علاقات عسكرية وأمنية واقتصادية وثيقة مع الولايات المتحدة، كما رضخت ليبيا لكل الطلبات الأمريكية (والأوروبية)، لكن ذلك لم يمنع العدوان والإطاحة بالنظام السابق واغتيال رئيسه…

يعود اهتمام الإمبريالية الأمريكية بالنفط الافريقي إلى منافسة الصين في القارة، وإلى انخفاض تكاليف نقل النفط والغاز من غرب افريقيا، عبر الأطلسي إلى السواحل الأمريكية، مقارنة بنفط الخليج العربي، ولا تمثل إفريقيا سوى 2% من حجم التجارة الأمريكية، ويشكل النفط ومشتقاته نحو 87% من المبادلات التجارية الافريقية/الأمريكية، وترغب أمريكا في وضع اليد على الإحتياطي الضّخم للنفط في ليبيا، واحتياطي الجزائر ونيجيريا وخليج غينيا عمومًا والمناطق المحيطة بالصحراء، وتكمن الأهمٌية الإستراتيجية لأفريقيا في معابرها التجارية وموانئها البحرية التي تطل على المتوسط والمحيطين الأطلسي والهندي، وفي ثروتها النفطية التي تقدر ب8% من الإحتياطي العالمي، إضافة إلى الغاز الطٌبيعي والثروة المعدنية الهائلة والمتنوعة، وسوقها الإستهلاكية، إذ يعد سكٌانها قرابة مليار نسمة، ولذلك تحاول الولايات المتحدة السيطرة على هذا الموقع الإستراتيجي بثرواته وسوقه، وتستغل “الإرهاب”، وهو بمثابة النار التي قد تشعلها الإمبرياليات عنوة، لتبرير تدخلها فيما بعد “لإعادة الأمن والسلم”، يبنما تُبيّن التجارب أن الجيوش الأجنبية تكون مصحوبةً بتكاثر السلاح المُهَرّب والمليشيات وبالفقر والنزوح وزيادة عدد اللاجئين, والقتل الجماعي “على وجه الخطإ”, وتفكيك الدولة والمجتمع، وتقسيم السٌكان إلى أثنيات وقبائل وأديان ومذاهب وطوائف، لم يكن المواطنون يولونها اهتمامًا يُذكَرُ في يوغسلافيا والعراق وسوريا وأفغانستان وغيرها، بالتوازي مع تدمير البلاد، مع غياب المرافق الضرورية والخدمات الإجتماعية والصحية، وتفشي الأمراض الفتاكة، بسبب ظروف العيش وانعدام المياه النقية والصرف الصحي، إضافة إلى النسب المرتفعة لوفاة الرضع والأمهات أثناء الولادة، ونسبة الأميين والعاطلين عن العمل، وتدني معدل الأمل في الحياة عند الولادة الخ. 

وقّعَت خمس دول متوسطية (موريتانيا والمغرب وتونس ومصر والكيان الصهيوني)، اتفاقية الحوار المتوسطي مع الحلف الاطلسي، سنة 1994، والتحقت بها الأردن سنة 1995، وانضمت لها الجزائر سنة 2000، وتعلّل حلف شمال الأطلسي بتفجيرات 11 أيلول/سبتمبر 2001، لتنفيذ خطة إعادة توقع قُواته في حوض البحر الأبيض المتوسط، وخلال سنة 2003، تبنى اعضاء الحلف خطة عمل في البحر المتوسط تحت عنوان “المبادرة الامنية لمكافحة انتشار اسلحة الدمار الشامل”، وتتمثل أهم أهدافها في مراقبة سواحل البلدان العربية المُطلّة على المتوسط، لتوسّع نفوذ الحلف إلى كافة دول المنطقة، سنة 2004، ونشرت مواقع اليسار الماركسي المغربي بيانات عن “الوجود العسكري الامبرايالي” في المغرب (04/04/2005)، حيث توجد قاعدة عسكرية جوية أمريكية في مدينة “طان طان” بجنوب المغرب، وذلك قبل الإعلان عن مخطط أفريكوم، ويشارك الجيش المغربي في عدة مناورات برية وبحرية، مع الجيش الأمريكي ومع قوات حلف الأطلسي، في مناطق مختلفة من المغرب (طانطان، ورأس درعة، وتارودانت في الجنوب المغربي، ثم القنيطرة سنة 2010) وقد جاء في بيان للسفارة الأميركية أن هذه المناورات تجري تحت إشراف القيادة الأفريقية «أفريكوم»، وتكثفت هذه المناورات منذ سنة 2008، وراجت أخبار عن إقامة قاعدة عسكرية بالجنوب المغربي بين كلميم وطاطا، إضافة إلى قاعدة “طانطان”. 

بدأت مشاركة الدول العربية المُطلة على البحر الأبيض المتوسط (بالإضافة إلى الأردن)، في المناورات العسكرية في حوض البحر الأبيض المتوسٌط بإشراف الحلف الأطلسين على جانب الكيان الصهيوني، منذ 1995، وصرٌح دونالد رامسفيلد (وزير الحرب الأمريكي آنذاك)، في شباط/فبراير 2006، بمناسبة انعقاد اجتماع قمة الحلف الأطلسي بصقلٌية (إيطاليا)، وبحضور ممثلي ست دول عربية مع الكيان الصهيوني : ” تمثٌل دولة اسرائيل مشكلة لعدد من البلدان، لكن ليعلم الجميع ان أمن دولة اسرائيل هام وأساسي بالنسبة لنا كلنا”(أي جميع أعضاء الحلف الأطلسي)، وما قيل سنة 2006، لا يزال يُقال عَلَنًا سنة 2021، حيث يُحيط الرئيس جوزيف بايدن بغلاة الصهاينة، من نائبة الرئيس إلى وزير الخارجية، وما لا يقل عن ست مسؤولين آخرين، يحتلون المواقع الإستراتيجية، في البيت الأبيض وفي الحكومة الإتحادية، مثل مديرة المخابرات القومية، ومديرة الأمن السيبراني بوكالة الأمن القومي، ونائبة وزير الصحة ورئيس الأركان ووزير الخارجية ونائبته، ووزير الأمن الداخلي ووزيرة الخزانة (التي تُقِرّ فرض العقوبات على الدول الأجنبية) ونائب مدير المخابرات المركزية (سي آي إيه) ومنصب المُدّعي العام…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.