مقابلة مع يحيى الحسين، رئيس حزب «البعث» السوداني

  • التطبيع حصل بموافقة الحكومة ولن يجني السودان منه شيئاً
  • حكومة حمدوك ملتزمة بما تطرحه مؤسّسات الرأسمالية العالمية
  • العسكر يستعدّ للانقضاض الكامل على السلطة



يعتقد رئيس حزب «البعث» السوداني، يحيى الحسين، أن العسكر، الذي يستعدّ للانقضاض الكامل على السلطة في أيّ فرصة تتاح له، أراد، من خلال الهرولة إلى التطبيع، تشكيل درع حماية لقياداته المتورّطة في جرائم بحق السودانيين، عادّاً كلّ ما يُحكى عنه من «فوائد» ستجنيها البلاد من التطبيع مجرّد دعاية غير واقعية. وإذ يلفت الحسين، في مقابلة مع «الأخبار»، إلى أن حكومة عبد الله حمدوك ملتزمة تماماً بما تطرحه المؤسسات الدولية، فهو يعرب عن اعتقاده بأن «الثورة» التي أطاحت عمر البشير باتت بحاجة إلى جولتَين إضافيتَين

 هل ترون في اندفاع العسكر نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، محاولة لتوفير الحماية لقياداته، وإفلاتهم من العقاب عن الجرائم التي ارتُكبت إبّان الأحداث التي أدّت إلى إطاحة نظام عمر البشير؟
– نعم، يعتقدون أن التطبيع واحد من الملاذات الآمنة التي يمكن أن يحموا بها أنفسهم؛ فإسرائيل الحليف الدائم لأميركا، ومعنى ذلك أنها ستُوفّر لهم الحماية، لا سيما أن الولايات المتحدة الأميركية غير مُوقّعة على «ميثاق روما». العساكر يريدون دخول هذا المحور، ولذا بادروا في ملفّ التطبيع، وهو ما تلقّفته إسرائيل التي أدركت أن الحكومة في حالة ضعف، وبالتالي من المناسب جداً تمرير الملفّ حتى يصل إلى التطبيع الكامل. إن أخطر مدى يمكن أن يصله نظام في العلاقات الدولية ضدّ الثوابت هو أن يُطبِّع مع إسرائيل. فإسرائيل الآن تُعلن أنها دولة يهودية، والقدس عاصمة للدولة اليهودية، فهي دولة عنصرية صهيونية دينية، ودولة مغتصبة أبادت شعباً بأكمله، وهي أسس تناقِض أهداف الثورة. ويجب التأكيد، هنا، أن ملفّ التطبيع تمّ بتنسيق كامل بين مجلس السيادة ومجلس الوزراء، وبموافقة كاملة من الحكومة.

 هل تمضي وزارة العدل في اتجاه إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل؟
– نعم، شرعت وزارة العدل في إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل، لكن حتى الإلغاء اللاحق لا يعطي مشروعية لاتّخاذ قرارات في ظلّ وجود هذا القانون. بمعنى أن القرار الذي يُتّخذ في ظلّ وجود قانون يُصنّفه جريمة، يظلّ جريمة قائمة حتى وإن تمّ إلغاؤه لاحقاً. لكن من غير المستبعَد أن تُدرج وزارة العدل، بعد إلغاء مادّة التعامل مع إسرائيل، مادة تنصّ على أن القانون الجديد يجُبّ ما قَبله. مِثل هذا الفعل ينقلنا من ثورة شرعية وعظيمة إلى دولة قائمة على انتهاك العهود والمواثيق الدولية والمبادئ الأصولية في القانون وهي عدم رجعية القوانين، وعدم تعديل أيّ قانون إلّا في ظلّ شرعية دستورية. فإذا أُلغيت كلّ تلك المبادئ بتفصيل قوانين لمقتضى المرحلة، معنى ذلك لا يوجد فَرْق عن حكومة الإنقاذ.

 تَعِد السلطة، في محاولاتها الترويج للتطبيع، بدعم تقني زراعي واقتصادي ستُقدّمه إسرائيل للبلاد، هل تُصدّقون تلك الوعود؟
– إسرائيل لم يَحدُث أن قَدّمت أيّ دعم لأيّ دولة، والنشاط الزراعي الإسرائيلي تحديداً هو نشاط الفلسطينيين، أمّا ما تُمكن الاستفادة منه عبرها فهو أسلحة دمار، لكن حتى ذلك لم نرَه في الدول التي طَبّعت قَبلنا كجنوب السودان وتشاد. إسرائيل دولة مُتلقّية للدعم في المقام الأول، وهي دولة مُتسوّلة بما للكلمة من معنى، وتبتزّ دولاً أخرى.

 في ظلّ مُضيّ السلطة في إتمام ملفّ التطبيع، كيف ستتصرّفون كحزب حيال ذلك؟
– نحن في الحزب سنظلّ نقاوم التطبيع بكلّ الوسائل. ونعتقد أن الشعب السوداني بأجمعه ضدّ التطبيع، وما يجري من قِبَل الحكومة هو عمل من مجموعة من العملاء يقومون بتسديد فواتير لأنظمة تتبنّاهم. أمّا بالنسبة إلى الأحزاب التي أعلنت تأييدها للتطبيع، فإن عضويتها في الحقيقة ضدّ التطبيع، لكن العناصر التي تقود تلك الأحزاب هي التي قرّرت بالإنابة عن عضويتها، وهي عناصر معلومة لدينا بتاريخها القديم في العمالة لإسرائيل، وللدول التي تربطها علاقة مع إسرائيل.

 طغى طابع المحاصصات الحزبية على الحكومة الثانية في عهد ما بعد سقوط عمر البشير، هل يمكن أن تنجح القيادات الحزبية في ما فشلت فيه الكفاءات؟
– لا نستطيع وصْف هذه الحكومة بأنها حزبية كاملة الدسم، كما أنها ليست حكومة مكوّنة من كفاءات مستقلّة، بل هي خلطة نتيجة محاصصات بين مكوّنات جزء ضئيل من الحرية والتغيير وبعض ما تبَقّى من الحكومة الأولى، وهي محاولة تصفية تمّت لحساب محاور أجنبية. لو تمعّنت في تشكيلة الحكومة الجديدة، تجد أن غالبية الوزراء مرتبطون بمحاور إقليمية أو دولية، ومَن أُبقي عليهم من الحكومة الأولى ظلّوا نزولاً عند رغبة تلك المحاور. الحكومة الجديدة تمّ تشكيلها لتنفيذ برنامج هو قطعاً ليس برنامج الحرية والتغيير، والدليل على ذلك حديث رئيس الوزراء عن أن لديه برنامجاً، ومَن يُوقّع عليه هو مَن سيشاركه في التوليفة الحكومية الجديدة، وفعلاً اعتكف رئيس الوزراء مع حكومته لمدّة ثلاثة أيام، خرج بعدها ببرنامجٍ تفاصيله غير معلومة لدينا، لكن من المؤكد أنه برنامج يؤكد تبعية السياسة الاقتصادية للمؤسّسات الدولية – صندوق النقد الدولي والبنك الدولي -، وللرأسمالية العالمية التي تتعارض مع برنامج الحرية والتغيير الاقتصادي الذي يهدف إلى إقامة دولة رعاية اجتماعية، تضع يدها على وسائل الإنتاج والخدمات. وأصبح من المعلوم أن معظم مكونات الحرية والتغيير صارت خارج التشكيلة الحكومية الجديدة، سواء الأحزاب أو المهنيين أو المجتمع المدني، والمشاركون هم نسبة ضئيلة من مكوّنات الحرية والتغيير.

 تُتّهم الأحزاب المشاركة في الحكومة بأنها تتبنّى خطّ «الهبوط الناعم» والمصالحة مع بقايا النظام السابق، بدعوى أن إقصاءهم سيتسبّب بدخول البلاد في أزمات عديدة؟
قد تكون هذه مرحلة ثانية من برنامج الحكومة. يمكننا القول إن مجرّد التحالف مع المكوّن العسكري يدلّ على أن الحكومة يمكن أن تصل إلى حدود أخطر من ذلك، كأن يتمّ التحالف مع مكوّنات بقايا النظام السابق، باعتبار أن تلك المكوّنات لديها علاقة وثيقة مع المؤسّسات الدولية والإقليمية. ما هو واضح تماماً أن الحكومة الحالية متمكسّة بما هو مطروح من المؤسّسات الدولية، وكلّ مَن يوافق على تلك الأجندة سيكون جزءاً من الحزب الحاكم الجديد.

 الحملة التي شُنَّت من قِبَل المكوّن العسكري على «لجنة إزالة وتفكيك نظام الثلاثين من يونيو (حزيران) 1989»، هل يمكن اعتبارها جزءاً من المخطّط نفسه؟
لجنة «إزالة التمكين»وكلّ آليات تفكيك النظام السابق تعمل بوتيرة ضعيفة، وبكوادر متواضعة، وبقدرة وآليات تكاد تكون منعدمة، لأن سلاحك في الوصول إلى مبتغاك هو أن تكون لديك أنياب ومخالب، وهذا ما لم يحدث، حتى رئيس اللجنة من المكوّن العسكري، والذي من المفترض أن يشكّل مصدر قوة للجنة، انسحب منها. عمل «إزالة التمكين» أصبح جزءاً من كواليس الصراع؛ فهناك خطوط حمراء أمام عملها لا تسمح لها بالوصول إلى الشركات والبنوك المتعلّقة بالجيش، والتي تُمثّل حبلاً سرّياً للمنظّمات العاملة ضدّ الحكومة. أعتقد أن الشراكة المفروضة على القوى السياسية بين المدنيين والعساكر هي التي تسبّبت بكلّ تلك المتاريس، كما تسبّبت بشقّ صفّ القوى الثورية. وأعتقد، أيضاً، أن 90% من القوى التي خرجت من التوليفة الحكومية وصلت إلى قناعة بأن الثورة لا بدّ لها من جولة أخرى بل وجولتين لتصحيح المسار؛ تستهدف الجولة الأولى إخراج المكوّن العسكري، والثانية العناصر المحسوبة على المكوّن العسكري، بعد ذلك يمكن تنفيذ أهداف الثورة.

 يبدو واضحاً أن الشارع فقد الثقة بالقوى المدنية نتيجة الفشل الذي لازم حكومتَي ما بعد البشير، كيف يمكن للمدنيين استعادة هذه الثقة؟
– الشارع، منذ بداية الثورة، لم يُعوّل على القوى الحزبية. الشباب الثائر، بمكوّناته الجديدة التي تبلورت بعد الثورة (لجان المقاومة)، اتضحت له الصورة الآن: هناك قوى من البداية كان لديها تحفُّظ على الشراكة مع العساكر، وهناك قوى ناهضت الشراكة، وتوجد قوى ثالثة انسحبت بسبب الشراكة وبسبب الانصياع للعساكر في مسائل كثيرة، وهناك تيّار انسحب مغاضباً لعدم إشراكه في الحكومة… فأصبحت الأشياء مكشوفة. لكن نشوب موجات ثورية جديدة، وإن كانت لتصحيح المسار، قد يؤدي إلى انقضاض العساكر على السلطة بحجّة منْع البلاد من الانزلاق نحو الفوضى. مجموعة الشركاء من المكوّن العسكري يتململون منذ وقت مبكر، ومتحفّزون للاستيلاء على السلطة، لكن في كل مرّة الشارع يُلقّنهم درساً. فالمواطنون وصلوا إلى قناعة بقيام دولة ديموقراطية تعدُّدية، وألّا يعود النظام السابق أو أيُّ واجهة تُمثّله بأيّ شكل من الأشكال، سواءً استناداً إلى إرث ديني أو عسكري. صحيح أن الشارع ساخط على ممارسات الحكومة وضعف أدائها وعدم تمكُّنها من توفير حتى رغيف الخبز، لكن لا تزال الإشارة الحمراء مرفوعة في وجه العساكر وفي وجه كلّ مستبدّ آخر. من جانبهم، العساكر غير مستسلمين لتلك الحقائق، ودائماً يعملون على تأزيم الموقف لضرب الحكومة؛ مثلاً ما حدث في ملفّ السلام وما صاحبه من إفرازات هو جزء من التأزيم، فالعساكر يسعون في البحث عن حلفاء آخرين من الحركات المسلحة لتقويتهم في وجه المدنيين. من الممكن أيضاً أن يؤسِّس العساكر على كيان مجلس الشركاء الذي أنشئ من قِبَلهم، بوصفه حاضنة سياسية جديدة يمكن أن تمنحهم مزيداً من السنوات الانتقالية. فللعساكر أوراق كثيرة يمكن أن يلعبوا بها في سبيل عدم غيابهم عن المشهد، والذي يُمثّل نهاية لهم.

 هل يعني ذلك أن العساكر يتشبّثون بكرسيّ السلطة لحماية أنفسهم؟
– نعم، المكوّن العسكري، بشقَّيه القوات المسلحة والدعم السريع، مطلوب للعدالة، فجريمة فضّ الاعتصام جريمة لن يتنازل عنها الشعب السوداني. هم لا يريدون أن تصل الملفّات إلى نهايات منطقية على أساس محاكمة الفاعل والمحرّض.

رئيس حزب «البعث» السوداني والقيادي في «ائتلاف الحرية والتغيير»

:::::

“الأخبار”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.