إحياء لذكرى كارل ماركس، الطاهر المعز

إحياء لذكرى كارل ماركس 05 أيار/مايو 1818 – 14 آذار/مارس 1883

محاولة لتبسيط بعض مفاهيم الإقتصاد السياسي​​

ما الذي يجعل رجلاً لم يدّعِ النبوءة ولا رغب في الحُكم، تُوفِّي سنة 1883، حاضِرًا بفكره سنة 2021؟

ما الذي يجعل البرجوازيين والرجعيين بمختلف جنسياتهم وأصنافهم وعقائدهم وأدْيانهم يُحاربون أفكار “كارل ماركس”، ومن سار على دربه؟

من يمتلك إجابة أو بعض إجابة فليُعَبّر عنها بالشّكل الذي يختاره

*****

صدر بالولايات المتحدة كتاب ( Deaths of Despair and the Future of Capitalism  ) أو ما يمكن ترجمته “الموتُ يَأْسًا ومستقبل الرأسمالية”، سنة 2020، للإقتصاديّيْن (Anne Case et Angus Deaton )، وهما مُدرّسان في جامعة “برنستاون”، ويدرس الكتاب تقهقر معدل الأعمار لدى أفراد الطبقة العاملة من البيض، بعد انتشار البطالة والفقر، ويثير الكتاب تساؤلات بخصوص هذا النظام الإقتصادي الذي يولد مثل هذا الانحدار – بعد قرنين من التقدم في العمر المادي والعمر المتوقع – ويتخوف المؤلفان من انتشار هذا التقهقر إلى السكان الآخرين، بعد الطبقة العاملة، في الولايات المتحدة كما في أماكن أخرى.

حصل الاقتصادي أنغوس ديتون على جائزة نوبل في الاقتصاد (وفي الواقع لا توجد جائزة نوبل للإقتصاد، وإنما جائزة المصرف المركزي السويدي لمن يُدافع عن النظام الرأسمالي بذكاء) لمنشوراته بشأن عوامل ثراء “الغرب” في القرن التاسع عشر، وتضمنها كتابه الذي نُشر سنة 2015.

تسبب الافتقار إلى الوظائف المستقرة وذات الأجر الجيد والفقر والأمراض والمخدرات في وفاة مئات الآلاف من عناصر الطبقة العاملة، ويعتبر المُؤلِّفان إن الطبقة العاملة الأمريكية (السوداء، ثم البيضاء) هي ضحية منافسة الصناعات في البلدان منخفضة الأجور، وانتشار تقنيات المعلومات، واندثار العمل الصناعي في بعض المناطق، مقابل تضخم الوظائف في بعض أنواع الخدمات، في ظل النيوليبرالية التي قضت على العمل النقابي وعلى منظومة الحماية الإجتماعية…

في الولايات المتحدة، أخذت الدّولة المال من الفُقراء وأعادت توزيعه على الأثرياء، ويستشهد المؤلفان بزيادة الدخل القومي الأمريكي للفرد بنسبة 85% بين 1979 و 2017 ، لكن دخل العمال البيض انخفض بنسبة 13%، في المتوسط، لينحدر ملايين العاملين إلى درجات الفقر، ما يُؤثِّرُ بشكل أساسي على الحياة الاجتماعية والعاطفية والنفسية لضحاياه الذي لم يعودوا قادرين على حماية أنفسهم من تقلبات الحياة، ما يُفسّر ارتفاع معدلات الانتحار والوفاة المُبَكِّرَة بسبب إدمان الكحول والمخدرات والأمراض …

يحلل الاقتصادي أنغوس ديتون أسباب الوفيات الزائدة بين الطبقة العاملة الأمريكية، مُستنكرًا استيلاء جماعات الضغط على السلطة السياسية والاقتصادية ، ولا سيما في قطاع الصحة.

*****

تُعتَبَرُ الاقتصادية الأمريكية ستيفاني كيلتون “تقدمية” بالمعايير الأمريكية، وعملت مستشارة لمجموعة “الحزب الديمقراطي” في مجلس الشيوخ سنتَيْ 2014 و 2015 ، ثم مستشارة اقتصادية للمرشح بيرني ساندرز سنة 2016.

تتناول في كتابها “أسطورة العجز” قضايا الاقتصاد الشمولي، وتدافع عن فكرة الإنفاق الحكومي الممول من خلال خلق المال (طباعة الأوراق النقدية)، لأن “الدَّيْن والعجز ليسا بالضرورة سيئين لبلد ما، ولا يمكن مُقارنة ميزانية الدولة بميزانية الأسرة”، وهي تدافع عما تسميه “النظرية النقدية الحديثة” التي تتمثل في “خلق أموال لتمويل إصلاحات طموحة دون المخاطرة بتوليد تضخم مفرط “.

مع الإشارة أن هذه “النظرية النقدية الحديثة” تنطبق فقط على الدول الرأسمالية الغنية، الإمبريالية، التي تقترض بعملتها كالدولار أو اليورو أو الين، على سبيل المثال… البلدان الفقيرة الواقعة تحت الهيمنة، فتقترض بالعملات الأجنبية، وتحصل على القروض مع مجموعة من الشروط التي لا تترك مجالًا للحرية أو هامشًا للدول المقترضة. لهذا السبب ، فإن الدول الغنية لا تتخلف عن السداد أو تفلس أبدًا، على عكس الدول الفقيرة التي تقترض مبالغ بالعملة الأجنبية ، بشروط قاسية.

أوضح “أوليفييه بلانشارد”، كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي، بين عامي 2008 و 2015 ، أن الدول يمكنها دفع فواتيرها بثلاث طرق: فرض الضرائب أو الاقتراض أو طباعة الأوراق النقدية، وهو يعترض على طباعة الأوراق النقدية لأنها مصدر تضخم لا يمكن السيطرة عليه، بحسب رأيه، وفي الواقع ، يتم تمويل جميع نفقات الدولة الأمريكية أو الدول الأوروبية بأموال تم إنشاؤها، دون وجود ما يُقابها من الإنتاج لأنها دول “ذات سيادة” (يُفترض أن قيمة العُملة المتداولة في أي بلد، تُعادل قيمة الإنتاج في ذلك البلد أو الأموال التي تأتيه من استثماراته بالخارج)، لذا فإن ديون الولايات المتحدة أو اليابان ضخمة مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، لكنها قُرُوض بالعملة المحلية وأسعار الفائدة قريبة من الصفر…

عمدت حكومات الدول الإمبريالية، خلال أزمة 2008/2009 أو مع أزمة “كوفيد -19″، إلى تمويل خطط التعافي بالعملة المحلية، ولم تكن حكومات هذه الدول متخوفة من ارتفاع عجز الميزانية، ولا من ارتفاع حجم الديون، أو نسبتها من الناتج المحلّي الإجمالي، خاصة وأن أسعار الفائدة منخفضة جدًّا، أما التضخم، فيمكن السيطرة عليه من خلال زيادة الضرائب على الثروات، ولكن بما أن الحكومات تمثل الأغنياء، فإنها تخفض الضرائب على رأس المال والثروة والمضاربة، بالتوازي مع زيادة الضرائب على الرواتب ، والضرائب غير المباشرة على الاستهلاك والخدمات وغير ذلك.

من حيث المبدأ ، في النظام الديمقراطي ، يتمتع المسؤولون المنتخبون بسلطة التصويت لتمويل الصحة أو التعليم أو التوظيف أو مكافحة تغير المناخ، لكن معظمهم يُمثلون مصالح من يُمول حملاتهم الإنتخابية، أي الأثرياء الذين يملكون المال والثروة… فالبطالة على سبيل المثال يمكن القضاء عليها في دولة ذات سيادة، تُسَدّد قيمة ما تحتاجه وما يحتاجه مواطنوها، بعملتها المحلية، لكن البطالة خيار سياسي، واقتصادي أيضًا، فارتفاع البطالة يُشكّل ضغطًا إضافيًّا على العاملين ليقبلوا العمل في ظروف سيئة وبرواتب منخفضة.  لإن الولايات المتحدة، وفقًا لحسابات أتباع “النظرية النقدية الحديثة”، قادرة على خلق 15 مليون فرصة عمل (10% من السكان القادرين على العمل)، في مجالات مختلفة مثل خدمة كبار السن والمُعَوّقين والعمل بالمدارس ودور الحضانة، وصيانة الأماكن العامة، أو مكافحة التلوث وتغير المناخ، إلخ …

هذه الأطروحات ليست أطروحات إشتراكية، بل تم طرح هذه النظريات من قبل المدافعين عن النظام الرأسمالي، لكنهم “إصلاحيون” يريدون تجنب حدوث انفجار اجتماعي في البلدان الإمبريالية.

هل تُعْتَبَرُ هذه الأطروحات انتصارًا لكارل ماركس في ذكرى وفاته؟ كلاّ، إنها إجراءات وقائية لتجنب تَبَنِّي الطبقة العاملة للاشتراكية!

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.