موقعنا في خارطة التنافس الصيني الأمريكي، ودُرُوس أزمة “كوفيد 19″، الطاهر المعز

نشرت صحيفة “الشعب” اليومية الصينية، بتاريخ الثامن من حزيران/يونيو 2011، مُلَخّصًا قصيرًا لدراسة نشرها “مركز الصّين للإصلاح الإقتصادي” بجامعة “بكين”، تحت عنوان “متى يتفوق اقتصاد الصّين على نظيره الأمريكي؟” أي أن السؤال المطروح، “متى؟”، وليس “هل؟” يتفوق الإقتصاد الصيني على الإقتصاد الأمريكي، وتوقعت الدراسة أن تتفوق الصين بعد عشر سنوات، أي سنة 2021.

تقتضي المُقارنة (بين الإقتصادَيْن الصيني والأمريكي ) استخدام نفس المعايير، أي معايير الإقتصاد الرأسمالي الليبرالي، من حجم الناتج المحلي الإجمالي وتعادل القوة الشرائية، ونصيب الفرد من الناتج المحلي، وكثيرًا ما تُهْمِلُ هذه المعايير “جودة الحياة” أو بعض المعايير النّوْعِيّة الأخرى، مثل مجانية التّعليم والصّحّة، في بلد مثل كوبا (حيث حجم الدّخل صغير) وارتفاع نسبة خدمات الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، حيث حجم الدّخل أعلى من كوبا، على سبيل المثال.

تؤَشِّرُ العديد من البيانات على المنافسة الحادّة والسريعة بين الصين والولايات المتحدة، ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية “فرنس برس” (أ.ف.ب. 18 آذار/مارس 2021) عن مركز الإحصاء الأوروبي (يوروستات) أن الصين أصبحت، منذ بداية النصف الثاني لسنة 2020 (تموز/يوليو 2020) الشريك التجاري الأول للإتحاد الأوروبي، بدل الولايات المتحدة، وحافظت الصين على هذه المرتبة في الربع الأول من سنة 2021، رغم انخفاض واردات أوروبا من السّلع الصينية…

نشرت وكالة “شينخوا” الرسمية الصينية، يوم السابع من شهر آذار/مارس 2021 بيانات الحكومة التي أظهرت ارتفاع حجم المبادلات التجارية الصينية بنسبة 32,2% خلال الشهْرَيْن الأَوَّلَيْن من سنة 2021، مقارنة بشهْرَيْ كانون الثاني/يناير، وشباط/فبراير من سنة 2020، مع الإشارة أن جائحة “كوفيد 19” تسببت بتباطؤ المبادلات التجارية العالمية، سنة 2020، لكن الصين صدّرت كميات كبيرة من الكمامات ومن المنتجات الإلكترونية، ورغم تفشي فيروس كورونا، حقق الإقتصاد الصيني نموّا إيجابيا بنسبة 2,3% بنهاية 2020، ونموّا هامًّا خلال الشهرَيْن الأولَيْن من سنة 2021، وتتوقّع الحكومة تحقيق نمو بنسبة تفوق 6% بنهاية سنة 2021، بفضل التّخطيط الإقتصادي والدّعم الحكومي، وتَقَدُّم الصين في مجالات البحث العلمي وبراءات الإختراع، بحسب المنظمة العالمية للملكية الفكرية، وبالمقارنة، نشرت وكالة “بلومبرغ”، يوم 18 آذار/مارس 2021 تقريرًا عن انخفاض الناتج المحلي الأمريكي من 2,6 تريليون دولارا، سنة 2019 إلى 1,5 تريليون دولارا، بنهاية سنة 2020، وأشار “الدليل الإستراتيجي المؤقت للأمن القومي الأمريكي” إلى منافسة الصين (وروسيا أيضًا)، وتهديد الهيمنة الأمريكية على العالم، بسبب قدرة الإقتصاد الصيني على تجاوز الظروف العسيرة، بسرعة، بالمقارنة مع اقتصاد الولايات المتحدة، ومع اقتصاد الدّول الكبرى الأخرى، وتعتبر المؤسسات الرسمية الأمريكية هذا التعافي الإقتصادي السّريع مؤشِّرًا هامًّا على “خطورة المنافسة الصينية”. أما روسيا فإن التقرير يعتبرها منافسًا وجبت مواجهته باستمرار، بسبب تمدّد حلف شمال الأطلسي إلى حدود روسيا، وبسبب المنافسة بين القوتَيْن في الوطن العربي، سواء في المشرق (سوريا) أو في المغرب (ليبيا)…

تتعامل المؤسسات الحاكمة الأمريكية مع الصّين، كمنافس وخصم وعَدُو، بغض النظر عن الحزب الحاكم (جمهوري أو ديمقراطي)، فالقائمون على جهاز الدّولة الإتحادية الأمريكية يعتبرون منافسة الصين تحدّيًا استراتيجيا، خاصة منذ رئاسة “الديمقراطي باراك أوباما (2008 – 2016 ) الحاصل (بشكل اعتباطي) على جائزة نوبل للسلام، فالحرب التجارية لم تكن من ابتكار الرئيس “دونالد ترامب”، بل هي جُزْءٌ من الإستراتيجية العدوانية الأمريكية تجاه منافس قوي، يهدّد مكانتها في العالم، وجنّدت الولايات المتحدة الحُلَفاء في أوروبا وآسيا، بالإضافة إلى كندا وأستراليا، وحلف شمال الأطلسي، لمواجهة الصّين، اقتصاديا وعسكريا، ونتدرج زيارة رئيس الحكومة اليابانية (كأول ضيف أجنبي يستقبله الرئيس جو بايدن)، والتي تأتي إثر زيارة وزيرَيْ الخارجية والحرب الأمريكييْن لعدد من الدول، منها اليابان وكوريا الجنوبية، في إطار تدعيم أُسُس التحالف ضد الصّين، ونجحت الولايات المتحدة، منذ سنة 2014 في توسيع التحالف ضد الصّين، إلى مجمل بلدان شرق آسيا، وإلى فيتنام والهند، بالإضافة إلى أستراليا وكوريا الجنوبية واليابان، والبلدان المتاخمة لبحر الصين الجنوبي، وتعمل الولايات المتحدة على مزيد من التوريط لدول أخرى مثل ماليزيا وإندونيسيا، ودعم منظمات المعارضة في مقاطعة “هونغ كونغ” الصينية، وفي “ميانمار”، حيث هاجم المتظاهرون الشركات الصينية وتمكّنوا من إحراق بعض المصانع والمؤسسات الصينية…

تُركّزُ الدعاية الأمريكية على ارتفاع الإنفاق العسكري الصيني، لكن تُشير البيانات الرسمية، وبيانات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (سيبري) إلى ارتفاع النفقات الحربية الأمريكية إلى 740 مليار دولارا مُعلنة، بالإضافة إلى أكثر من 250 مليار دولارا أخرى، أو ما يعادل الإنفاق العسكري الإجمالي للدول الثمانية التي تليها في ترتيب الدول الأكثر إنفاقًا على التّسلّح، أي الصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا والهند وألمانيا واليابان والسعودية، مجتمعة…

في الجانب الإقتصادي، يُعاني الإقتصاد الأمريكي من الإرهاق ومن اتساع الفجوة الطبقية، ومن الإحتجاجات العُمالية (من أجل زيادة الحد الأدنى للرواتب) والإجتماعية، ضد العنصرية وسياسات المَيْز الجنسي والإجتماعي والطّبقي، بالمُقابل، أظهرت الصين تطورًا في مجال البحث العلمي ومرونة كبيرة في البحث عن حلول لمشكلات عويصة مثل ظهور وانتشار فيروس كورونا، في كانون الأول/ديسمبر 2019، واستغلّت المناسبة لتحديث البيانات الخاصة بالمواطنين لتتبّعهم، بذريعة استخدام بياناتهم لأغراض صحّية وطبية، ومن أجل الحَدّ من انتشار الوباء، وفي الخارج، وسّعت الصين من تحالفاتها ومن نفوذها، من خلال الإتفاقيات الإقتصادية والعسكرية مع روسيا، ومن خلال مبادرة طريق الحرير الجديدة، أو “الحزام والطّريق”، ويمكن للصين تمويل برامجها ومشاريعها، بفضل الفائض المالي الضخم الذي مَكّن الصّين من الحد من ضَرَر الحرب التجارية، رغم الأزمات الإقتصادية العالمية، كأزمة 2008/2009 وأزمة 2020/20021، التي عرقلت صعود الصين، وأجّلت التحاق اقتصادها باقتصاد الولايات المتحدة إلى سنة 2028، على أساس “تعادل القوة الشرائية”، أما القيمة الحقيقية لاقتصاد الولايات المتحدة فتبلغ 21 تريليون دولارا، وتجاوزت الدّيون (الداخلية والخارجية) 25 تريليون دولارا، بينما وصلت القيمة الحقيقية لاقتصاد الصين إلى 27 تريليون دولارا، لكن هذا الرقم لا يُشكّل سوى وجه واحد من الوجوه المتعدّدة لقياس القوة الإقتصادية، فالصين هي الدّولة الوحيدة، التي حققت نموّا إيجابيا، سنة 2020، من بين اقتصادات الدول الرأسمالية الكبرى، وارتفع حجم تجارتها إلى نسبة 35% من قيمة التجارة العالمية، وتمتلك أكبر فائض مالي، فيما تضرر الشعب الأمريكي والإقتصاد من انتشار الفيروس التاجي (كورونا)، وتمكّنت الصين من إزاحة الولايات المتحدة من مرتبة الشريك التجاري الأول لبلدان الإتحاد الأوروبي، سنة 2020، وبلغ حجم تجارة الصين مع الإتحاد الأوروبي 586 مليار دولارا (رغم التحريض ضد الصين وشركاتها)، مقابل 555 مليار دولارا للولايات المتحدة…

أزمة هيكلية أم طارئة؟

عالجت حكومات الدّول الرأسمالية المتطورة أزمة 2008/2009، بتوزيع المال العام على المصارف والشركات الكُبرى، بنسبة فائدة ضعيفة، تميل نحو الصّفر، ولم يحدث أي تغيير في النموذج الإقتصادي، بسبب ضُعْف القوى المُعارضة لهيمنة رأس المال، فاقتصاد أمريكا الشمالية وأوروبا واليابان وغيرها مبنِيٌّ على استغلال قوة العمل، وهو نظام يُولّدُ مزيدًا من التّفاوت الطّبقي، ومن تدمير البيئة والمحيط، وما الأزمات سوى جزء من مقوماته.

بعد حوالي عشر سنوات من أزمة 2008/2009، انتشر وباء “كوفيد 19″، وانتشرت معه الأزمة الإقتصادية، ما أثَّرَ سَلْبًا على حياة العاملين والفُقراء بسرعة، وأظْهَرت هذه الأزمة التي لا تزال متواصلة أن “خبراء” الإقتصاد الرأسمالي العالمي، لا يقدّمون مقترحات للخروج من الأزمة (ضمن النظام الرأسمالي نفسه)، وليست لديهم حُلُول، سوى توزيع المال العام على الأثرياء، أما في الصين فإن الدولة، عندما فَرَضَت الحَجْز المنزلي، مُبكِّرًا، تكفّلت بمَدّ المواطنين بالسلع والخدمات الضرورية، فيما رفضت حكومات الدّول الأخرى (باستثناءات قليلة) توفير الكمامات ووسائل النظافة الوقائية على العاملين الذين فقدُوا وظائفهم وعلى الفُقراء الذين ارتفع عددهم، بعد أن التحق بهم الملايين من أصحاب الوظائف الهشة والعقود المُؤقتة والعاملين بالقطاع الموازي، واقتصر برنامج حكومات أوروبا وأمريكا الشمالية على إنقاذ الشركات الكُبرى، وإهمال ملايين المواطنين، في كل بلد، ما أدّى إلى الإنهيار التّام للإنتاج ولارتفاع عدد العاطلين والفُقراء المُعْدَمِين…

لم يتمكّن أي خبير اقتصادي من تَوقُّعِ أزمة 2008 أو أزمة 2020، وتميّزت أزمة 2020 (أزمة انتشار وباء “كوفيد-19”) بالجَمْع بين “مُتناقِضَيْن”، فقد كانت أزمات الرأسمالية تتجسّد في كساد، يجعل السلع المُنتَجَة مُكدَّسَة أو مُخَزّنَة، لا تجد من يشتريها، أما أزمة 2020، فتميزت بتوقف سلاسل الإنتاج، وتوقف إنتاج السّلع والخدمات (أي أزمة عَرْض السلع)، كما أدّى توقف عدة قطاعات اقتصادية إلى أزمة دَخْل، أو نقص إيرادات الأفراد والأُسَر، وإلى تخلف عن سداد الإيجارات والدّيون، وأدّى نقص إيرادات المواطنين (المُستهلِكِين) إلى أزمة طَلَب على السّلع والخدمات، فكانت أزمة جمعت بين نقص العَرْض ونقص الطَلَب، وانتشرت الأزمة في كافة أرجاء العالم، وليس في منطقة مُحَدّدة، وهو ما لم يعتَدْ عليه خُبراء الإقتصاد الرأسمالي، وبالتالي لم يتمكنوا من تبسيط مظاهر ونتائج الأزمة، وهم عادة لا يهتمون بشرح وتبليغ معارفهم للعموم، ولم يتمكّن أي خبير من خبراء الإقتصاد الرأسمالي من تبرير حُدُوث الأزمات بشكل دَوْرِي، وينكُرُون وجود “أزمة هيكلية” تنخُرُ أُسُس الإقتصاد الرأسمالي الذي يتمكّن من تجاوزها (مؤقتا) عبر تحميل العاملين وصغار المُنتِجِين والفُقراء، نتائجها المُدَمِّرَة، طالما سمِح ميزان القوى بذلك. اقتصرت تأثيرات من ادّعَوا تجديد النظريات الإقتصادية الرأسمالية، منذ 2010 ( منهم أوليفييه بلانشارد وبول كروغمان وجوزيف ستيغليتز ولورنس سمرز…) على طلب المزيد من تَدَخُّلِ الدّولة لضخ المال العام في الإقتصاد، أي في شركات القطاع الخاص، وليس لتأميم الشركات والمصارف ودعم القطاع الحكومي والعام، وهو ما حصل بالفعل سنة 2008 وسنة 2020، ونتج عن ذلك ارتفاع حجم الدّيْن العام، من أجل تصحيح أخطاء القطاع الخاص، وسوف تعاني الأجيال القادمة نتائج تبذير المال العام…

اختلفت طُرُق معالجة الأزمة، من بلد لآخر، وبين الصين وبقية الدّول الرأسمالية المتطورة، فلا تزال الولايات المتحدة ودول مجموعة الإتحاد الأوروبي تُعاني من تأثيرات أزمة “كوفيد 19″، وعند إعلان الحجر الصحي في أوروبا، نتيجة انتشار وباء “كوفيد 19″، كانت الصين قد قطعت أشواطًا في البحث عن علاج أو لقاح لفيروس كورونا، وتوقّع صندوق النقد الدّولي، منذ شهر نيسان/ابريل 2020 أن يكون اقتصاد الصين أقل تضررا من اقتصاد أوروبا والولايات المتحدة، ما قد يُغَيِّرُ موازين القوى الدّولي، على مدى متوسّط، بعد الأزمة الصحية والتجارية والاقتصادية والسياسية الحالية، لأن الأزمات تتركُ بالضّرورة آثارًا عميقة، فتُعَجِّلُ بانحدار بعض الدّول أو بعض المناطق الجغرافية، وبعض القطاعات الإقتصادية (النقل الجوي والسياحة والمطاعم والمقاهي والقطاع الثقافي كالمسرح والسينما…)، مقابل صعود جهات وقطاعات أخرى، كالبيع عن بُعد والتكنولوجيا الدّقيقة والإتصالات، وكرست الأزمات الاقتصادية منذ 1998، صعود الصين كقوة اقتصادية ومالية عظمى، وتعززت مكانتها خلال أزمة “كوفيد 19″، رغم الأضرار التي لحقت اقتصاد الصين، ليطور ميزان القوى، بسرعة لفائدة الصّين، بفعل هيمنة الدّولة المركزية وجهازها الإداري الناجع على القرار الإقتصادي والسياسي، وبفعل قُدْرَتها على التكَيُّف بسرعة وفَرْض إجراءات وقائية، وعلى توفير الدّعم الذي يحتاجه الإقتصاد، لتوفير حاجات السوق الداخلية، والخارجية من السلع التقليدية، ومن الإحتياجات الحديدة (كمامات وأجهزة تنفس ولقاحات…)، وأصبحت صورة الصين في الخارج مرتبطة بنجاعة منظمة الرعاية الصّحّيّة، وبقدرة الدّولة الصينية على إدارة الأزمات، فأرسلت المُعدّات والأطباء إلى العديد من دول العالم، خاصة في آسيا وأوروبا، كما تمكنت الدّولة المُخَطِّطَة والمُشرفة على الإقتصاد من إعادة تشغيل مواقع الإنتاج، بسرعة قياسية، سنة 2020، وتصدير السلع إلى العالم، ما جعل صندوق النقد الدّولي يصنفها “الدولة الصناعية الوحيدة التي حققت نموا إيجابيا سنة 2020″، فخرجت الصين من عالم الأزمة إلى مرحلة ما بعد الأزمة، ويتوقع أن تتجاوز نسبة النمو 6% سنة 2021، ما يجعل الصين بمثابة القاطرة التي تَجُرُّ وراءها النظام الرأسمالي العالمي…        

نشرت “بلومبرغ”، وهي وكالة متخصصة بالأخبار والتحليلات الإقتصادية، بداية أيلول/سبتمبر 2020 بعض الإشارات عن تقدّم الصين، رغم العقوبات التجارية الأمريكية والأوروبية ضد العديد من الشركات الصينية، واستنتجت “بلومبرغ” أن الصين “على قاب قوسيْن من سَلْبِ الولايات المتحدة مكانتها كقوة رائدة في العالم، وكقوة مهيمنة على العالم”، غير أن الصّين تفتقد بعض مقومات الهيمنة، كالعملة المرجعية (الدّولار) ونظام التحويلات المالية العالمية، والهيمنة على المُؤسسات الدّولية كالأمم المتحدة وصندوق النقد الدّولي وغيرها، بالإضافة إلى مقومات الهيمنة العسكرية، كمنظمة حلف شمال الأطلسي، والقواعد (800 قاعدة عسكرية أمريكية حول العالم)، وتحاول وسائل الإعلام الصينية الترويج أن الصّين دولة مُسالمة (هي بالفعل مُسالمة حاليا، مقارنة بالولايات المتحدة) وتحاول تطوير التعاون مع جميع الدّول الأخرى، بواسطة التبادل التجاري وتبادل الخبرات الصناعية والتكنولوجية والعِلْمية، لأن الصين تركز على البحث العلمي والإبتكار، ما جعل الدول الأوروبية تستورد المستلزمات الطبية من الصين، أثناء جائحة “كوفيد 19″، ومنذ 2019،  ارتفع إنفاق الصين على “الذّكاء الإصطناعي”، وتفوقت الصين على الولايات المتحدة في عدد براءات الإختراع…

تُمثل الولايات المتحدة قُوة عدوانية، وتهديدًا لجميع شعوب العالم، فهي تفرض (منذ 2012) حصارًا بحريًّا على الطرق التجارية وعلى المضائق المائية التي تمر منها تجارة الصّين (صادرات وواردات)، ولا تحظى الولايات المتحدة بدعم الدول المجاورة للصين، مثل كوريا الجنوبية وتايوان وفيتنام والفلبين (باستثناء اليابان)، ولهذه الدول علاقات اقتصادية مكثفة مع الصين، ولا تعتبرها تمثل تهديدًا عسكريا، وتعمل على الحفاظ على العلاقات الاقتصادية معها، باستثناء اليابان (القوة الإستعمارية السابقة التي اضطهدت جميع شعوب المنطقة) التي تعتبر أن التحالف مع الولايات المتحدة (التي كسرت اقتصاد اليابان، خلال فترة رئاسة رونالد ريغن) أهم بكثير من العلاقات مع الصين…

خاتمة:

يعيش العالم أزمة اقتصادية خانقة، وعادة ما حاولت الإمبريالية حل أزماتها بواسطة الحُرُوب، لكن يعسُرُ على الولايات المتحدة شن الحرب على الصين أو على روسيا، وفي كل الحالات، تَضَرّرت شُعوب البلدان الفقيرة وفئاتها الكادحة، من أزمة 2008/2009، ثم من انتشار وباء “كوفيد 19″، ولن تستفيد الشعوب من هيمنة الولايات المتحدة أو الصين على العالم، وإنما قد تنكسر شوكة الولايات المتحدة، القوة الإمبريالية الأشد خطرًا، والعدُوّ الرئيس للشعوب، لأنها تدعم الكيان الصهيوني وتشُن الحروب على شعوب أفغانستان والعراق وسوريا واليمن وليبيا والصومال، وغيرها، وتقود حلف شمال الأطلسي، العدواني، وتُهدّد شعوب أمريكا الجنوبية وآسيا وإفريقيا…

لم تتطور الحركات المناهضة للإمبريالية وللرأسمالية في الدول الرأسمالية المتطورة، لتقود تحالفًا دوليا ضد الإمبريالية الأمريكية والأوروبية، كما لم تتطور الحركة الثورية في البلدان الواقعة تحت الهيمنة، لتكون قادرة على تحويل الإنتفاضات (كالتي حدثت في تونس ومصر) إلى ثورات تحرر وطني، ضد الهيمنة الإمبريالية، واجتماعي ضد الإستغلال الرأسمالي وضد اضطهاد المرأة، والأطفال والأقليات وغيرها… لذا قد تكون مهمة الثوريين والتقدميين في البلدان الواقعة تحت الهيمنة، مثل بلداننا العربية، بناء منظمات ثورية وجبهات تقدّمية، تكون حاجزًا يحول دون استغلال القوى الرجعية والإنتهازية لانتفاضات الفُقراء والكادحين، والإستيلاء على السلطة للتنكيل بهذه الفئات، باسم “الثورة” التي لم يُشاركوا بها…      

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.