وديع حداد : وراء العدو في كل مكان، محمد العبد الله

 -“يمكنك قتل ثوري ولكن لا يمكنك أبدا قتل الثورة”

فريد هامبتون ،قائد تنظيم «الفهود السّود» في إلينوي (شيكاغو)،اغتالته عناصر الشرطة الأمريكية في بيته عام 1969.

-“وديع حداد…إنه الزعيم التاريخي الذي لا مثيل له، وهو المنظر والمخطط والمنسق لتلك الاستراتيجية الرائعة لزعزعة العدو عبر نقل الحرب لمكان تواجده وعبر الجبهات ومن خلال هجمات الكوماندوس المحددة الاهداف والمدمرة انه معلمنا جميعا“.

إلييتش راميريز سانشيز ” كارلوس” المناضل الفنزويلي، أبرز الثوريين الأمميين في “المجال الخارجي” المعتقل حالياً في فرنسا.

اليوم ، ذكرى استشهاد وديع حداد المولود عام 1927في مدينة صفد عاصمة الجليل المحتل، في 28 آذار / مارس  1978 وقبل ثلاثة وأربعين عاماً ، غاب الجسد. لكن الحضور الدائم للشهيد، تتطلب منّا ، نحن الذي عشنا في زمن ” الخال ” -اللقب الذي حمله بالإضافة إلى ما كُنيّ به دائماً “أبو هاني”-، ذلك الزمن الذي عرفت فيه الحركة الوطنية الفلسطينية وحركة التحرر العربية وقوى التغيير والثورة الأممية، عقوداً من النضالات والتقدم – واجهتها مشكلات واخفاقات متعددة – أعادت لنهج المقاومة المسلحة ألقه في أكثر من منطقة اشتباك في العالم، وفي المركز منها، فلسطين: قضية، وساحة كونية للمواجهة مع العدو الصهيوني /الاستعماري، الاقتلاعي والفاشي الذي بنى كيانه على المذابح والطرد والإبادة.

   عندما يتداول أهل صفد، خاصة، كبار السن، ذكرياتهم عن مقاومة مدينتهم للوجود الاستعماري “الانتداب” البريطاني قبل احتلالها من اليهود الصهاينة واقتلاع وطرد جميع سكانها العرب بدعم وتسهيل وحماية حكومة الانتداب، فإن اسم الفتى وديع حداد يفرض حضوره البهي في شريط  الأحداث عن مقاومة عساكر الجيش البريطاني وتخريب بعض آلياته ومعداته التي لم يكن بعيداً عنها “وديع “. لهذا، فإن مخزون التجربة السابقة مع ما أضافته نكبة عام 1948 على وعي الطالب المنتسب لكلية الطب في الجامعة الأمريكية ببيروت، سيتبلور بنشاط سياسي وميداني مع زملاء من الطلبة العرب في عدد من كليات الجامعة داخل إطار “جمعية العروة الوثقى”والتي شكلت النواة الأولى لـ ” حركة القوميين العرب ” التي أصبح الدكتور “وديع” أحد أبرز مؤسسيها وقادتها.

عن تلك التجربة الحزبية العربية، كُتبت المئات من المقالات والدراسات، وعرفت المكتبة العربية عدداً من الكتب التي عالجت بالدراسة والتقييم سنوات نضال الحركة في عدة أقطار عربية . وكان اللافت فيها جميعاً، اقتران إسم “أبو هاني” بالجانب العملي/ التقني للخط الكفاحي للحركة، وامتداداً، في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

   قاد “أبو هاني” مسؤولية العمل المسلح ضد العدو الصهوني في الجبهة الشعبية لسنوات عديدة، وقد عبَّرَ رفيقه القيادي والأديب الثوري “غسان كنفاني” عن ذلك النهج بعدد من الكتابات التي كان لشعار” وراء العدو في كل مكان ” الاختزال والتكثيف لتلك الأفكار. وقد ترجمت هذا المسار الكفاحي مجموعات النخبة الثورية المقاتلة في الجبهة الي عُرفت بـ” المجال الخارجي” الي قادها الشهيد “وديع” ، في مقاتلة العدو الصهيوني في السماء وعلى الأرض وحولت مساحات واسعة من العالم لساحة مواجهة مع العدو. وقد انصهرت في هذه النخبة المقاتلة مجموعات ثورية عربية وأممية من اليابان وأوروبا وأمريكا الوسطى والجنوبية. واستطاع هذا الفعل الثوري أن يضع اسم فلسطين كقضية تحرر وطني لشعب تعرض للمذابح والاقتلاع والتبديد، على خارطة العالم والنضال الأممي والسياسة الدولية.

كان أبو هاني قائداً ثورياً و” استثنائياً ” كما قال عنه رفيق عمره والشريك الأبرز في نضاله التحرري الثوري على مدى عدة عقود “الحكيم جورج حبش”. لم تكن تلك “الاستثنائية” سوى التوصيف الحقيقي والمعادل الموضوعي لفكرة ” الثورة والتحرير”. هكذا فهم ومارس ” الخال ” المقاومة المسلحة بدوائر النضال المشتركة : القطري،القومي والأممي . لم تكن قضية تحرير فلسطين على جدول أعماله، مسألة ” قطعة أرض” تُقام عليها ” سُلطة شكلية ” تنتزع من مضمون القضية إسم فلسطين لتضيفه لكلمة السلطة لتصبح “سلطة فلسطينية !”. يتحدث أبو هاني – الذي لا يحب الظهور والميكروفونات والشاشات ، كما كتبت عنه رفيقة نضاله الثوري ” ليلى خالد “في مجلة الآداب اللبنانية بالملف الخاص عن القائد الشهيد وديع حداد الصادر في 27/03/2017،  ” لم يكن (الخال- الإسم الثوري لحداد) كثير الكلام؛ فأفعاله هي التي تتحدث عنه ” -. “أنا بلدي إسمها صفد… لا أقبل إن عُرضت علينا كل فلسطين باستثناء صفد، وأرفضها إذا عُرضت مع صفد واستثني منها بيتي، وأرفضها إذا عرضت مع صفد وبيتي واستثني منها شبر واحد. هذه هي مواقفنا وهذا هو مشروعنا للتحرير. خطنا هو حرب الشعب الطويلة الأمد وسياسة الاستنزاف التي ستؤدي إلى إصابة الجسم الإسرائيلي القوي بفقر الدم والإنهيار”.

    تكتسب ذكرى أبوهاني هذه الأيام أهمية خاصة في مرحلة سياسية هي الأخطر، فلسطينياً ، لأن المحاولات التي يقودها “ذوي القربى” بهدف اختزال وتقزيم الكفاح الوطني للشعب الفلسطيني من تحرير الوطن من الاستعمار الاستيطاني إلى توافقات على محاصصة لعدد” المقاعد ” في انتخابات شكلية لـ ” مجلس ورئيس ” في ظل الاحتلال وإجراءاته وهيمنته الكاملة، في محاولة للإيحاء الوهمي والتضليلي على أنها “سيادية “! من أجل العودة لطاولة المفاوضات التي أثبتت عدميتها وعُقم نتائجها، وإعادة تكرار لمسار الفشل الممتد على عدة عقود. وفي جانب آخر، تأتي الذكرى وشعبنا في الوطن المحتل منذ عام 1948 يستعد لإحياء ذكرى اليوم الخالد ، يوم الأرض، هذا الشعب الذي خرج قبل أيام قليلة من مهرجان انتخابي صهيوني لتجديد أعضاء البرلمان ” الكنيست” في انتكاسة جديدة ومتجددة، ليس سببها خسارة بضعة مقاعد أو انشقاق في القائمة العربية، بل، الرهان الخاطئ والمُدمر لدى بعض القوى السياسية في الداخل على “ديمقراطية” المستعمر، الموغل في عنصريته وتعسفه ضد أصحاب الأرض الأصليين . وقد جاءت نسبة المقاطعة العربية لصناديق الاقتراع التضليلية، التي دعت إليها قوى وشخصيات وتيارات وطنية ، لتعيد للموقف الوطني الجذري توهجه وترسخه.

    ذكرى رحيل القائد الشهيد مناسبة للثوريين/ات والمناضلين/ات استلهام دروس النهج الكفاحي الذي قاده ” الخال ” الذي نقل فيه النظرية من حيز الفكرة إلى ميادين التطبيق. لم يتوقف “أبو هاني” في بازار لعرض ” النظريات الأزياء ” كما قال الشاعر المُبدع مظفر النواب في واحدة من قصائده الثورية، بل، أعطى للأفكار الثورية، عُمقها الكفاحي بدوائرها المتداخلة والمترابطة : الوطنية والقومية والأممية. لهذا يصبح ضرورياً استحضار الثوري الاستثنائي في زمن ” التهافت” المكشوف، لأن العنف الثوري المنظم: فكراً وممارسةً، بحوامله التنظيمية والاجتماعية هو الأسلوب الأنجع والأسرع في نقل “فكرة الثورة” من الشعار النظري إلى الواقع الموضوعي.

  اليوم ونحن نحيي ذكرى رحيل جسدك، نؤكد لك بأن أفكارك ونهجك ما زال يقيم في عقل وسلوك المناضلين/ات من أبناء شعبك وأمتك، لأن روح الثورة التي حملتها على مدى عقودٍ من سنوات حياتك، ما زالت تحوم فوق فلسطين والوطن العربي والعالم، لأن الصراع الأبدي والتاريخي مع المستعمرين، يُظهر لنا أن جيلاً فلسطينياً/عربياً راديكالياً ، تَعَلَّم من تاريخ وتجارب الثوريين وأنت أبرز رموزهم، من خلال أسماء ” مهند ورأفت وباسل وسامر وقسام وعمر وغسان وعلاء ” التي رسمت بدمائها على أرض الميدان وأسست في الوعي كما في التاريخ، حدوداً مابين المقاومة والخنوع.لقد خرج هذا الجيلمن رحم المقاومة المسلحة وبيئتها، ومن ميادين الاشتباكات والمواجهات على الحواجز، ومن الاضطهاد والقمع والقهر، ومن حلقات الحوار والنقاش وورشات العمل الفكرية والنظرية في الجامعات ، حاملاً فكرة الثورة وطهارتها وسلوكها، بعيداً عن كل أشكال المساومة السياسية الرخيصة والارتزاق والزبائنية والانتهازية.

 أبا هاني…

سلام لك وأنت تحمل البشارة لصفد ولكل شبر في فلسطين المحتلة بأن النصر قادم.

سلام لروحك وهي تسكن جسد أجيال من أبناء شعبك وأمتك يحملون الفكرة ويجسدون الوصية.

سلام لك وسلام عليك وأنت تُقدم لمناضلي شعبك وأمتك والعالم، القدوة والنموذج في نكران الذات وفي الطهارة الثورية والتقشف وفي مقارعة الاحتلال والظلم والهيمنة الاستعمارية .

  * كاتب فلسطيني

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.