الطاهر المعز: (1)الإستعمار الإستيطاني من الجزائر إلى فلسطين، (2) تونس، على عتبات رمضان 2021

(1)

لمحة

الإستعمار الإستيطاني من الجزائر إلى فلسطين

الطاهر المعز

بدأ احتلال الجزائر سنة 1830، وقاوم الشعب الجزائري جيش الإستعمار الفرنسي بما تَوفَّرَ من السّلاح، طيلة أربعة عُقُود، ولم يتمكن جيش الإحتلال الفرنسي من السيطرة على البلاد سوى بعد ارتكاب مجازر عديدة وتدمير عشرات القرى، وإحراق المحاصيل وتجريف الأراضي الزراعية، وغير ذلك من الأساليب التي استخدمها الكيان الصهيوني في فلسطين، بعد أكثر من قَرْن، كما طَوّرَ الكيان الصهيوني أسلوب المراقبة عبر الحصار وإقامة الحواجز الثابتة والمتنقلة، وغير ذلك من الأساليب التي استخدمها الإستعمار الفرنسي والإنغليزي…

أورد بعض ضباط جيش الإحتلال الفرنسي شهادات عن الجرائم الإستعمارية في الجزائر

ورد في مذكرات العقيد “فوري”:  “انطلقت من مليانة وشرشال سبعة طوابير بهدف التخريب واختطاف أكبر عدد ممكن من قطعان الغنم، ومن النساء والأطفال، ليُرسلهم الحاكم العسكري (بيجو) إلى فرنسا، بهدف ترهيب الجزائريين… اختطفنا في هذه الحملة ثلاثة آلاف من رؤوس الغنم وأشعلنا النار في أكثر من عشْرِ قُرى وقطعنا وأحرقنا أكثر من عشرة آلاف من أشجار الزيتون والتين وغيرها….”

نَقَل “مصطفى لَشْرَف” في كتاب “الجزائر، الأمة والمجتمع” مقتطفات ممّا كتبه “بيير دو كاستيلان” (أحد ضبّاط الجيش الإستعماري)، بتاريخ 28 آذار/مارس 1844 : “… إن منطقة الظهرة خصبة، تنتج الفواكه ويتخذ أهلها القرارات التي تهم المنطقة بالحوار والتشاور، واتفقوا على مقاومة الجيش الفرنسي، فأقمنا مُعسكرًا بها لمعاقبة السّكّان، ومكثنا عدة أيام نتلف أشجار التين والمحاصيل الزراعية ولم نغادر المنطقة إلّا بعد أن خرّبناها تماما… وبذلك أعطينا درسا قاسيا لهؤلاء السكان العرب الذين لا يخضعون إلّا للقوة الغاشمة”

أما الرائد “ليو”، فقد وصف حملةً عسكرية في منطقة الشّلَف، سنة 1842: “أنطلقت الحملة ضد السكان يوم الرابع من أيار/مايو 1842 ودامت حتى العشرين من نفس الشهر، في هذه المنطقة السّهْلِيّة، حيث زرع العرب حقولهم بمنتهى العناية، وأسفرت الحملة عن تخريب العديد من القُرى الآمنة وإتلاف المحاصيل الزراعية، وتؤسفني المشاركة في هذا العمل العسكري المحتّم وهذه الوسيلة القاسية التي كرهتها كرها شديدا…” ولكن الرّائد “ليو” يُشبه المستوطنين المُسلّحين الصهاينة الذين يدّعون أنهم مُسالمون وليسوا صهاينة، لكنهم يؤدّون الخدمة العسكرية في جيش الإحتلال ويقتلون الفلسطينيين، ثم يدّعُون أنهم مُضْطرون لتأدية الواجب، ويمثل “ميشال فارشافسكي” نموذج هؤلاء المستوطنين المنافقين (انظر كتابه “على الحدود” )، حيث يفتخر بمشاركته في أداء الجيش الصهيوني، ويفتخر بكونه “إسرائيلي”، في حين قدم أبوه من منطقة شرق فرنسا، ويحمل “فارشافسكي” وأبناؤه الجنسية الفرنسية، تحسّبًا لما قد يحصل في فلسطين، لأن المُستعمِرِين أول من يُدْرِكُ أن البلاد ليست لهم، وإنهم “عابرون”، خصوصًا وأن أصحاب الأرض  لم يستسلموا، ولم يُسلّموا بالأمر الواقع…

كتب نفس الرائد “ليو”، سنة 1843، خلال حملة عسكرية في منطقة “شرشال”: “قُمنا بهدم العديد من الدّواوِير، وبإزالة العديد من القرى، بالكامل، عبر إشعال النيران فيها، وقَطْع عدة آلاف من أشجار التين والزيتون وغيرها”، ويذكّرنا هذا المشهد بالمستعمرين الصهاينة الذين يقتلعون أشجار الزيتون التي يتجاوز عمرها مئات السنين أحيانًا، ما يُشير إلى الأُصُول غير المُتَوَسِّطِيّة لهؤلاء المُستعمِرِين…

يُشكل الإستعمار الإستيطاني الصهيوني نموذجا فريدًا في التاريخ، حيث وقع ترحيل أصحاب الوطن، واستوردت الحركة الصهيونية سُكّانًا تجمعهم المصلحة في استيطان الأرض والدّفاع عن مصالحهم بالقُوّة، بدعم من الإمبريالية، وأصبح الفلسطينيون أقلية في وطنهم، خلافًا لسكان جنوب إفريقيا أو الجزائر، ووقع إقصاؤهم من العمل، خلافًا للمستعمرات الإستيطانية الأخرى، حيث استغل المُستوطنون قُوّة عمل الشّعوب المُسْتَعْمَرَة، ويهدف الكيان الصهيوني تهجير الفلسطينيين بالقوة ومن خلال هدم البيوت وتجويع السكان كي يُغادروا وطنهم…  

في الجزائر بقي الجزائريون يُشكّلون أغلبية السّكّان، وأصبحوا يشتغلون لدى المُستوطنين الذين استوْلوا على أراضيهم وممتلكاتهم، أما في فلسطين فإن المنظمات الصهيونية المُسلّحة أحرقت المحاصيل وهدمت القرى وأطردت الفلسطينيين بالقوة خارج وطنهم، وكانت الحركة الصهيونية تحظر تشغيل غير اليهود (في فلسطين)، قبل ثلاثة عقود من تأسيس الكيان الصهيوني، أما أساليب القمع والمجازر والعنصرية فقد نقلوها عن الإستعمار الفرنسي والبريطاني، مع تطويرها، لتتماشى مع المشروع الإستعماري الإستيطاني الإحلالي، أي إحلال مجموعة من المستوطنين القادمين من مختلف بلدان العالم، وتوطينهم في بلاد من وقع تهجيرهم بالقوة ليصبحوا لاجئين في بلاد الجوار…

من كان يعتقد سنة 1900، على سبيل المثال أن المُقاومة المُسلّحة سوف تتمكن من إعادة الأمل في صفوف الشعب الجزائري الذي التَفَّ حولها، واحتضنها، حتى اضطر جيش الإستعمار لإعلان الهزيمة بعد سنوات قليلة…

يختلف الوضع بفلسطين، ويختلف الظّرْف، لكن ثقافة المُقاومة قادرة على ابتكار أساليب تتماشى مع مُتطلّبات المرحلة، لذا فلا خيار ولا سبيل غير المُقاومة لتحرير فلسطين، وأي بلاد أخرى مُستعمَرَة…

(2)

تونس، على عتبات رمضان 2021 

بعد أيام يحل شهر رمضان، شهر العبادة لبعضهم، وشهر الإستهلاك والإنفاق لمعظم مواطني البلدان ذات الدّيانة الإسلامية، وهي فُرْصَةٌ المُضاربين للإحتكار ولزيادة أسعار بعض المواد الغذائية الأساسية التي تختفي من الأسواق، لتعاود الظّهور بأسعار مرتفعة، كاللبن ومشتقاته والبَيْض، فيما تَدّعِي حكومات هذه الدّول (والمسؤولون الذين يدّعون أنهم مسلمون أكثر من غيرهم) توفير احتياجات المواطنين بأسعار “معقولة”، وتعزيز فِرَق الرقابة الصحية ومراقبة الأسعار ومكافحة الإحتكار، وما إلى ذلك من الإعلانات التي لم يَعُدْ يُصدّقها المواطن…

في تونس، تغيّر اسم الحاكمين، منذ عشر سنوات، وتغيّر اسم الحزب الحاكم من “التجمع الدّستوري الديمقراطي” إلى “النّهضة”، كما تَغَيّرَ شكل الحُكم، من رئاسي إلى برلماني، لكن لم يتغير البرنامج ولم تتغير المُمارسات، بل تم اغتيال المُعارِضِين، في وضح النّهار، أمام مساكنهم وتحت أنظار أفراد أُسَرِهِم (أشهرهم شكري بلعيد ومحمد البراهمي) وارتفع حجم ثروة الفاسدين واللُّصُوص، والتحق بهم صنف جديد من الفاسدين الذين “يخافون الله” (قبل سنوات، خاطب أحد مُؤسّسي تيار الإخوان المسلمين بتونس، “عبد الفتاح مورو”، المُصّلِّين، من على منبر مسجد كبير بتونس، خلال الحملة الإنتخابية: “انتخِبُوا المُرشّحين الذين يخافون الله”، أي “الإخوان المسلمون”)، والذين عقدوا صفقات ومُصالحات مع اللصوص والفاسدين الذي نهبوا البلاد طيلة العقود الماضية، لتقاسم نتائج عمليات نهب ثروات البلاد.

وعدت الحكومة، عند إعلان الحجر الصحي (آذار/مارس 2020) بمراعاة وضع الفُقراء وبدعم “القدرة الشرائية” للفئات الأكثر ضُعْفًا وهشاشة، وغير ذلك من الوُعُود التي تَرْجَمتها الحكومة (التي يُديرها ويُشرف على سيرها الإخوان المسلمون) إلى توسيع رقعة الفقر، وارتفاع حجم ونسبة الفُقراء، فيما ارتفع حجم الفساد، وأصبحت الدّولة على حافة الإفلاس، أما عن الكارثة الصحية فَحَدّث ولا حَرَج، وتجسّد سُوء  الوضع في توسّع رقعة الإحتجاجات إلى فئات جديدة، كانت محسوبة على الفئات المتوسطة أو هي لم تَشتهر بمعارضة الوضع القائم، منها فئة صغار المزارعين أو الأطباء أو الإعلامِيِّين والصّحافيين، في ظل شلَل اقتصادي وسياسي غير مسبوق، ويتجلى هذا الشلل الإقتصادي في فصول الموازنة العامة (قانون المالية) لسنة 2021…

أصبحت تونس تُصَنّف من ضمن الدول ذات المخاطر الإئتمانية العالية، أي دولة مُتعثِّرَة، على شفا الإفلاس، ويتهدّدها العجز عن تسديد الدّيون، ما يزيد من مخاوف الدّائنين الذين يرفعون نسبة الفائدة ويطلبون مزيدًا من “الضّمانات” لاسترجاع الدّيون والفوائد المرتفعة، أي رَهْن ما تَبَقّى من ممتلكات الدولة (وهي في الواقع ممتلكات الشعب التونسي)، وهذا ليس بجديد، لكن “من يخافون الله” (كما ادّعى “عبد الفتاح مورو”) فاقموا الوضع بشكل غير مسبوق، بانتهاج نفس السياسات الإقتصادية لسابقيهم، وبتوسيع رُقعة السرقة والفساد، لتشْمَلَ الآلاف من إخوان الإمبريالية، المُلْتَحِين، والحاملين في اليد سبْحَة (لِمُخاتَلَة الرّب؟)، ممّن جَنّدوا وأرسلوا الإرهابيين إلى سوريا وليبيا، ومن المُدافِعِين عن الأُمَراء الوَرِعِين الحاكمين بقَطَر التي تحتل إحدى القواعد الأمريكية نصف مساحتها، أو تركيا التي غَمَرَتْها بَرَكات سيدنا ومولانا “حلف شمال الأطلسي”…

حصل الإخوان المسلمون على “تعويضات” مالية هامّة، لحوالي أربعين ألف من قياداتهم ومُنْتَسِبِيهم وأقاربهم، لم ينْتِجوا ولم يعمَلوا، ولم يُساهموا في مؤسسات التّأمين الإجتماعي والصّحّي، وحصلوا على جرايات تقاعد مُريحة، وبينما كان صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي ومجمل المُقْرِضِين يشترطون تسريح الموظّفين، كأحد شروط الإقراض، شَغَّل الإخوان المسلمون حوالي 75 ألف من مناضليهم ومن أقاربهم، دون احترام قواعد الوظيفة العمومية كاجتياز امتحانات المناظرات، والمستوى العلمي والكفاءة والخبرة، وغير ذلك من الشروط، ويشغل العديد منهم وظائف وهمية، ويحصل على رواتب مرتفعة، ولئن لم تكن هذه العوامل السّبَبَ الوحيدَ لعجز الميزانية فإنها فاقمت العجز على مَرّ السّنين، إلى جانب العوامل الأخرى كالفساد وسوء التّصرّف واعتبار السّلطة ومؤسسات الدّولة ومالِيّتها وأموالها غنيمة فاز بها الإخوان المسلمون (“بمشيئة الإله” الذي سوف يتدبَّرُ أمر الفُقراء والمُعَطّلين ؟) وما عليهم سوى تقاسم هذه الغنيمة، وزيادة عجز الميزانية التي تحتاج، سنة 2021، إلى اقتراض أكثر من ستة مليارات دولارا، لسدّ العجز، أي أن هذا المبلغ الذي سوف يُقْتَرَض (كما مبالغ القروض السابقة) لن يُخَصّصَ للإنفاق على القطاعات المنتِجَة أو لتحقيق السيادة الغذائية، وإنما لتسديد القُروض السابقة وفوائدها المُرتفعة، ولتسديد إقامة بعثات الدّائنين بالفنادق الفاخرة لمراقبة سير وزارات الحكومة، وكتابة تقارير دَوْرِية عن كل صغيرة وكبيرة بالبلاد، وأدّى تَعثُّر الإقتصاد إلى زيادة ضُغُوط صندوق النقد الدّولي، ووضع شروط جديدة، منها موافقة “الإتحاد العام التونسي للشغل” (اتحاد نقابات الأُجَراء) على خصخصة ما تبقى من القطاع العام، وهو ما حصل بالفعل، حيث وقّعت قيادة الإتحاد على وثيقة “إصلاح المؤسسات العمومية” (ويعني “الإصلاح” خصخصة المؤسسات وتسريح العاملين)، وتجدر الإشارة أن الدولة مُطالَبَة بتسديد نحو حوالي 6,1 مليارات دولارا (أو ما يعادل حوالي 16,5 مليار دينار) من الدّيون القديمة وفوائدها، سنة 2021، وهو المبلغ الذي تحاول الحكومة اقتراضه…

لقد أدّى انتشار فيروس “كورونا” إلى توقف الإقتصاد وحركة النّقل والتجارة الدّولية والسياحة، لترتفع نسبة عجز ميزانية الدّولة إلى نحو 11,5% من الناتج المحلي الإجمالي، بنهاية سنة 2020، ولترتفع نسبة الدين العمومي إلى 88,2% من الناتج المحلي الإجمالي، مع انخفاض الإستثمارات وضُعْف الإدّخار…

هذه الأرقام والنِّسَبُ تُتَرْجَمُ في حياة المواطنين إلى ارتفاع نسبة البطالة إلى أكثر من 18% ونسبة الفقْر إلى 21%، وهي من أعْلَى المُعدّلات، منذ 1956، بفضل بَرَكَات الإخوان المسلمين وحُسْن تدبيرهم وإدارتهم للإقتصاد، فقد تفوقوا على الدّساترة في الفساد والقَمع والمُغالطات الإعلامية، وحماية التّهرّب الضريبي، وتهريب الأموال إلى الخارج، عبر تزييف فواتير التوريد وغير ذلك…

أظْهرت تجارب مختلف الشعوب أن الإقتراض الخارجي لا يحل مشاكل التّشغيل والإنتاج ولا يُؤدّي إلى استقلالية القرار السياسي، لذا من الضروري إطلاق حملة لإلْغاء الدّيون وما يتبعها من شُرُوط مُجْحِفَة، ومن الضروري تغيير منظومة الحكم (بأي شكل مُمْكِن) ليس من أجل تغيير الأسماء والوجوه، بل من أجل تغيير المنظومة الإقتصادية وإقرار برامج تنمية، يتم تمويلها بالإنفاق الحكومي، بالإعتماد على ما تحصله الدّولة من مُصادرة الثروات المشبوهة للُّصُوص، ومن الجباية (بعد تغيير قواعدها لتكون متناسبة مع الدّخل بشكل تصاعدِي) وعلى الإقتراض الدّاخلي، أي بالعُملة المَحَلِّية، وليس بالعملات الأجنبية، وإدماج الإقتصاد الموازي، الذي يُقَدّرُ حجمُهُ بما لا يقل عن 40% من حجم الإقتصاد (أي من الناتج المحلي الإجمالي) في الإقتصاد النّظامي، وتشجيع المُنتجين، من فلاحين وحِرَفِيِّين ومهنيين على التّجمّع في مؤسسات تعاونية تُمكّن من زيادة حجم الإنتاج وتحسين جَوْدَتِهِ، وتَيْسِير حصول هذه المؤسسات على القُروض وعلى الدّعم الحكومي، لخفض حجم وقيمة الإنتاج المُسْتَوْرَد بالعملات الأجنبية، والتّفاوض مع دول الجوار، من أجل تحقيق التّكامل الإقتصادي الإقليمي…

لا تدخل هذه المُقترحات ضمن برنامج “اشتراكي”، بل قد تكون مُفيدة في مرحلة انتقالية، تُبَيِّنُ (بمعاينة الوقائع ) محاسن أو إيجابيات العمل التعاوني (التّشاركي) ومنها خفض حجم البطالة والفقر والمُساهمة في تحقيق السيادة الغذائية، واقتصار التوريد على السلع الضرورية التي لا تتمكن البلاد من إنتاجها.

من واجبات الأحزاب التّقدّمية اقتراح ودراسة أساليب تغيير النظام القائم ودراسة برامج بديلة، في خدمة الأجَراء والكادحين والفُقراء، ووضع الخطط القابلة لإنجاز تغيير النظام وإنجاز البرامج…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.