حمقى الإمبريالية: «الماركسي» الأشقر نموذجاً، أسامة خليل

«لا يستطيع أيّ أحد أن يعارض هذا القرار بشكل معقول/عقلاني».

جلبير الأشقر عن قرار مجلس الأمن ١٩٧٣ الذي أسّس لعدوان الناتو على ليبيا (1)

«كل قاعدة عامة تعترف بالاستثناءات. وهذا يشمل القاعدة العامة التي مفادها أن التدخل العسكري الذي تسمح به الأمم المتحدة من قبل القوى الإمبريالية هو تدخل رجعي بحت ولا يمكنه أبداً تحقيق هدف إنساني أو إيجابي» (2)

«هل يمكن لأيّ شخص بعقل سليم أن يعتقد أن القوى الغربية كانت ستذبح ما بين نصف مليون ومليون إنسان في ١٠٠ يوم».
جلبير الأشقر – «نقاش مشروع وضروري من منظور معادٍ للإمبريالية».

في الثلاثين من آذار/ مارس 1949، وقبل أن يولد الرئيس بشار الأسد بأكثر من ستة عشر عاماً، حدث أول انقلاب عسكري في تاريخ الشرق الأوسط بتخطيط عميلَي السي أي إيه مايلز كوبلاند وستيفن ميد، وانتهى بسيطرة مجموعة من الضباط اليمينيين بقيادة حسني الزعيم على الحكم في سوريا، كما اعترف كوبلاند ذاته لاحقاً (3)، ووثّق غيره ذلك التورط الأميركي في سوريا (4)، فيما عزا بعضهم السبب إلى الرفض الشعبي والحكومي حينها بالسماح لشركة نفط أميركية ببناء خط أنابيب يمر عبر أراضيها (5).
في 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2008، أي بعد انقلاب الزعيم بأكثر من ثمانية وخمسين عاماً، شنّت مجموعة من «حوالى عشرين فرداً من الكوماندوز الأميركيين (التابعين لوكالة المخابرات الأميركية) في مروحيات بلاك هوك مجهزة خصيصاً»، غارة على بلدة السكرية في شرق سوريا، لتكشف الـ «نيويورك تايمز» بعدها بأقل من شهر عن «وجود أمر عسكري سري صدر عام 2004 يسمح بعمليات من قبل وكالة المخابرات المركزية والقوات الخاصة في 15 – 20 دولة»، كانت سوريا في مقدمتها – أقر المسؤولون الأميركيون، حسب الصحيفة، بأنهم شنوا غارات أخرى في سوريا منذ عام 2004 ، لكنهم لم يقدموا تفاصيل (6).

وما بين آذار / مارس 1949 وغزوة السكرية في عام 2008، يشرح جوليان أسانج في كتابه، «ملفات ويكيليكس: العالم حسب الإمبراطورية الأميركية»، بالتفصيل كيف أن خطة إسقاط النظام السوري سبقت الربيع العربي بسنوات، كما يعرض استناداً إلى الوثائق خلفيات نشر الشائعات عن تحويل السنة إلى شيعة واستخدام النظامين السعودي والمصري لتعزيز هذه الفكرة من أجل الحد من النفوذ الإيراني (7). ومع ازدياد التوتر الأميركي السوري في أعقاب غزو العراق في عام 2003، تخبرنا وثيقة كشفتها ويكيليكس من عام 2006 كيف بدأت الأموال الأميركية المخصصة لشخصيات المعارضة السورية تتدفق في عهد الرئيس جورج بوش منذ عام 2005، بعد أن قام فعلياً بتجميد العلاقات السياسية مع دمشق في ذلك العام (تذكر الوثيقة بالاسم «حركة العدالة والبناء» ومؤسسها أنس العبدة وتلفزيون بردى التابع لها في بريطانيا، مثلاً) (8). طبعاً استمر هذا الدعم لاحقاً في عهد الرئيس أوباما، برغم ادعائه سعي إدارته إلى إعادة بناء العلاقات مع الأسد، كما تكشف وثيقة/برقية من نيسان/أبريل 2009 وقّعها دبلوماسي أميركي رفيع المستوى في دمشق مشيراً إلى أن «عملاء أمن الدولة السورية قد كشفوا النقاب عن مسار الأموال من واشنطن»، وأن السلطات السورية «ستعتبر بلا شك أي أموال أميركية تذهب إلى الجماعات السياسية غير الشرعية بمثابة دعم لتغيير النظام» (9).
وما بين الوثائق المذكورة أعلاه (وقبل تسريبها)، وتحديداً في في 25 شباط/فبراير 2007، نشر الصحافي سيمور هيرش في «النيويوركر» تقريراً استقصائياً مفصلاً بعنوان «إعادة التوجيه» عن استراتيجية أميركية تهدف لإسقاط (وبالحد الأدنى إضعاف) النظام السوري، تضمّنت تفاهماً أميركياً سعودياً إسرائيلياً، وتم بموجبه حتى «دعم الجماعات السنية المتطرفة التي تتبنى رؤية متشددة للإسلام (وحتى) معادية لأميركا ومتعاطفة مع القاعدة»، من أجل استهداف إيران وحليفتها سوريا، وأيضاً حزب الله في لبنان (10). قراءة هذا التقرير المفصل لوحده كفيلة بتوضيح الكثير مما جرى قبلاً ولاحقاً بعد عام 2011 في سوريا والمنطقة، خصوصاً محاولات الفتنة السنية الشيعية والطبيعة الطائفية والمذهبية المتفاقمة للصراع في سوريا والمنطقة – أشرف على تنفيذ هذه الاستراتيجية ديك تشيني وإليوت أبرامز (صاحب السجل الحافل بالجرائم في أميركا اللاتينية منذ السبعينيات و«عاشق تغيير الأنظمة»، كما وصفه مقال للجاكوبينز) (11) من الجانب الأميركي، وبندر بن سلطان من الجانب السعودي.

التفكير اللاتاريخي: كيف لا نفهم المشهد السوري


هذا غيض من فيض حول محاولات التدخل في سوريا منذ اليوم التالي للجلاء – فحتى أحداث حماة في شباط/ فبراير ١٩٨٢، لم تخل من «مؤامرة خارجية تمثلت بدعم مالي وعسكري هائل وقف خلفها حلفاء أميركا في المنطقة»، كما تدلل ذلك نوعية السلاح، حسب ما أشار باتريك سيل في «الصراع على الشرق الأوسط» (12). لكن كل ما حدث سيبدو منطقياً تماماً وليس مفاجئاً على الإطلاق لأي ماركسي يعي طبيعة الرأسمالية وبنية وآلية عمل النظام الدولي. ليس فقط لأن الماركسية تؤهل للتفكير التاريخي، أو التفكير في الزمن الاجتماعي/المجرد الذي يرى بأولوية اللحظة الإمبريالية – فمن خلال العدوان الإمبريالي، كسياسة وأسلوب، يتم ممارسة أسس توسّع رأس المال. لكن أيضاً، هذا ما فعلته القوى الإمبريالية في كل دول الجنوب التي قاومت هيمنتها أو حتى ترددت في الخضوع المطلق لها.
لكن هناك من ابتدع طريقة جديدة في فهم المشهد السوري، والمشهد الجنوبي عموماً، تتفق تماماً (بالمصادفة) مع متطلبات التدخل الغربي. فليس مصادفة أن السردية الإمبريالية (التي يتبناها الحمقى) مؤسسة على الفصل التعسفي بين الداخل والخارج، بين المحلي والدولي، وعلى ادّعاء أن كل ما يحصل في أي دولة/ مجتمع هو بالضرورة نتاج لعوامل ذاتية محلية بحتة. بنية وأدوات هذه السردية التي يرددها ببغاوات وأدوات الدعاية ليست عبثية، بل تتفق تماماً مع متطلبات التدخل والعدوان الغربي. ما يجهله أو يتجاهله الأشقر (الذي تبنى هذه السردية كاملة في كل ما كتبه عن ليبيا وسوريا، وفي الرسالة الأخيرة التي نشرها موقع الجمهورية.نت)، وما يعرفه أي طالب مبتدئ في العلاقات الدولية، أو العلوم الاجتماعية والسياسية هي القاعدة البسيطة التالية: النظام الدولي هو وحدة تحليلية واحدة. في الحقيقة ينبغي لماركسي مثله، كما يزعم، أن يدرك أن فكرة الإمبريالية ذاتها تحمل هذا المعنى كإطار نظري لفهم الاقتصاد السياسي الرأسمالي العالمي – فحين أكد سمير أمين في «التراكم على الصعيد العالمي» أنه «ليس هناك سوقان عالميان، بل هناك سوق عالمي واحد، وهو سوق رأسمالي»، وانتقد فهم التراكم الرأسمالي بحصره على المستوى الأوروبي، أو الغربي فقط، واستثناء بقية العالم بحجة وجود تشكيلات ما قبل رأسمالية، لم يكن يخترع العجلة (13).
لكن رسالة الأشقر (وشركائه) الأخيرة، تفيد بأن هذه مشكلة المذكور الأقل في ما يخص الجهل. فعنوان الرسالة التي يتهم فيها معادي الإمبريالية «بالحمقى» لوحده يشي بأنه جاهل بألف باء الرؤية الماركسية للرأسمالية ذاتها، حتى لا نقول الإمبريالية التي صنع اسمه بادّعاء معرفتها. ففي عبارة واحدة في النص فقط، إضافة إلى العنوان، يُظهر الأشقر ومن وقّع على الرسالة جهلاً كارثياً بمعرفتهم بالرأسمالية ومعاداتهم للإمبريالية. ففي الرسالة المعنونة «محو الناس عبر التضليل»، يقول النص: «المنصات سيئة السمعة التي تعمل غالباً تحت رعاية «الصحافة المستقلة» ذات الآراء «اليسارية» المزعومة، تنشر دعاية مضللة تهدف إلى تجريد السوريين من السلطة السياسية».
لو تجازونا الإشكالية اللغوية المتمثلة باختيار مصطلح «رعاية» (Aegis) الذي استخدمته الرسالة وتُرجم عربياً خطأ «تحت ستار»، فإن كاتب النص يجهل فعلاً أن رأس المال هو علاقة شمولية. فاستخدام مصطلح «سيئة السمعة» يستند إلى مقاييس وقيم الرأسمالية السائدة ذاتها التي يحاربها الشيوعي الأشقر. ماذا يعني «حسن السمع»»، إذاً، وما هي مقاييسها في النظام الرأسمالي؟ هل هي وسائل الإعلام التي مهّدت لغزو العراق، وتبنت تضليل أسلحة الدمار الشامل، من «نيويورك تايمز» إلى «سي إن إن»؟. حين تتحدث عن التضليل من قبل «سيئي السمعة» بهذه الطريقة، فهذا يعني أنك لا تعرف أن رأس المال، وبالتعريف، هو التضليل ذاته، أو هو تضليل بالتعريف، ولهذا فكل ما ستنتجه المنصات «حسنة السمعة»، وفق مقاييس الرسالة، هو في الحقيقة التضليل بعينه. أليس هكذا تُنْتَج الهيمنة؟ ـ هكذا تمت تغطية الأحداث في سوريا من قبل ذوي «السمعة الحسنة».

ليبيا: أحمق في خدمة الإمبريالية


«لو استطعنا أن نعود بعجلة التاريخ إلى الفترة التي سبقت الإبادة الجماعية الرواندية مباشرة، فهل سنعارض التدخل العسكري الذي قاده الغرب بإذن من الأمم المتحدة من أجل منع الإبادة؟ بالطبع، سيقول الكثيرون إن تدخل القوات الأجنبية / الإمبريالية ينطوي على خطر وقوع الكثير من الضحايا. هل يمكن لأي شخص بعقل سليم أن يعتقد أن القوى الغربية كانت ستذبح ما بين نصف مليون ومليون إنسان في ١٠٠ يوم؟» (14).
هذا السؤال «العبقري» جداً، أعلاه الذي طرحه الأشقر لتبرير عدوان الناتو على ليبيا، يقول إدوارد هيرمان في نقده لموقفه من ليبيا، يُعبر عن جهل بما حصل حقاً في رواندا. فالأشقر، «ابتلع (أو قبل) تماماً السردية السائدة (الغربية) حول الإبادة في رواندا»، يقول هيرمان، والتي تدعي أن «القوى الإمبريالية (فقط) وقفت جانباً» تتفرج – وهو واضح لاحقاً (في ادعائه) أن القوى الغربية «لم تكن تتدخل، قبل وأثناء قيام الهوتوز (كما يتم الافتراض) بقتل ما بين ٥٠٠ ألف الى مليون توتسي (إضافة إلى معتدلين من الهوتوز)» (15). في الحقيقة، يتضح من هذا السؤال وحده أن الرفيق الماركسي المفترض، الذي لا يتردد في إطلاق وصف الإمبريالية يميناً ويساراً، وتحديداً على كل دولة تنافس الهيمنة الأميركية (من روسيا الى الصين ـ وربما سيكون غداً صاحب محلة صغيرة في حي شعبي أيضاً إمبريالياً بِعُرفه) لا يعرف ما هي الإمبريالية حقاً وجيداً، على ما يبدو، أو يبدو أنه يظنها مجرد شتيمة تطلقها على أعدائك، وليست توصيفاً أو مفهوماً اقتصادياً – سياسياً.


طبعاً، لم تكن القوى الإمبريالية «تقف جانباً» أو «تتفرج» فقط، كما ادعى وكتب الأشقر. فعلى العكس تماماً من سرديته الغربية (الإمبريالية) المتضمنة في سؤاله، وعلى عكس هذا الفهم الكارثي للإمبريالية التي «يعاديها»، كانت هذه القوى الإمبريالية (وأميركا في مقدمها) في الحقيقة، تمارس رياضتها المفضلة في التدخل وهندسة القتل والخراب في رواندا قبل أن تبدأ المجزرة الحقيقية، وأثناء حدوثها، وحتى لاحقاً بعدها حين تدخلت بقوة بمجريات المحكمة التي استثنت إدانة المجرم وصبي الإمبريالية البيضاء الأسود بول كاغامي (للتفصيل حول هذا التدخل انظر مقال إدوارد هيرمان في المراجع أدناه، لأن هذا المقال ليس عن رواندا). لكن من المهم الإشارة هنا على الهامش فقط، إلى أن قدرات الأشقر الإنكليزية المتواضعة لا تبرر له في الحقيقة، كمدّعي عداء للإمبريالية على الأقل، ان «يبتلع» السردية الإمبريالية من دون أي حس نقدي، خصوصاً أنها لم تنطلِ حتى على أستاذة أميركية جامعية مبتدئة متخصصة في الصحة العامة وتبحث في النظام الصحي في أفريقيا، ولا تدعي معاداة الإمبريالية ومحاربتها، أو حتى التخصص في شؤون السياسة والفكر والتنمية، كما يشهد نصها «دور أميركا السري في التطهير العرقي في رواندا» (16). طبعاً، في سوريا يعيد الأشقر وشركاؤه من الموقّعين الفكرة ذاتها فيقولون: «لكن الولايات المتحدة غير مركزية في ما حصل في سوريا، على عكس ما يدّعيه هؤلاء». هل يجب علينا إذاً أن لا نصدق اعتراف مسؤولة مكتب الشرق الأوسط في وزارة الدفاع الأميركية الجديدة، دانا سترول، التي تفاخرت بالسيطرة على ثلث سوريا حيث النفط وأن أميركا ستعمل على منع إعادة البناء، قبل رسالة الأشقر وشركائه بأيام (17)؟
لكن القضية، هنا، ليست أن الأشقر أظهر جهلاً في «ابتلاعه» الكامل وتبنيه للسردية الغربية عن أحداث رواندا، كما ناقش هيرمان. السؤال المهم في الحقيقة (والذي لم يخطر على بال هيرمان، لأنه نَسَبَ سقطة الأشقر في ذلك السؤال إلى جهل مفترض) هو: ما معنى، وما تبعات، هذا السؤال بالذات عن أحداث رواندا 1994، وبهذه الصياغة اللئيمة والمخادعة التي تتبنى السردية الإمبريالية كاملة وتبرر التدخل، بل وتدعو له وتستدعيه، في سياق الحدث الليبي 2011، وفي أوج الجدل حول شرعية تدخل الناتو وقصفه وتدميره لليبيا. إن تاريخ نشر مقال الأشقر هو 24 آذار/ مارس 2011، أي بعد أسبوع بالضبط على صدور قرار مجلس الأمن ١٩٧٣ في 17 آذار/ مارس 2011. ونتمنى أن تكون محض مصادفة، لأن رسالته الأخيرة عن سوريا ترافقت أيضاً مع تغريدة لأنتوني بلينكن يتوعد فيها سوريا (18). هل هناك معنى آخر لهذا السؤال غير العمل على تبرير تدخل الناتو الإمبريالي في ليبيا، إن لم نقل تبرير استدعائه والتحريض عليه، تماماً كما فعل الأشقر وبعض «المثقفين» العرب في حالة سوريا لاحقاً؟ كان الأشقر، كما يبدو الآن، يخاطب الجمهور الغربي خصوصاً لتبرير التدخل الإمبريالي (لأن الغرب لا يسأل ولا يهتم بالرأي العام العربي أصلاً)، وكان يقوم بذلك عبر تسويق أسطورة «التدخل الإنساني» البالية (خصوصاً أنه تحدث في النص ذاته عن أهمية الرأي العام في الدفع للتدخل الغربي أو منعه، وكأنه كان غائباً عن الوعي حين عارض العالم كله الحرب على العراق، ولم يلتفت الثنائي بوش وبلير إليهم، وأيضاً لأنه خاض هذا الجدل وبهذا الوضوح باللغة الإنكليزية، وهي اللغة المهمة أيضاً في الرسالة الخاصة بسوريا، لأنهم لا يتورعون عن ضم توقيع من «إسرائيل»، ويترجمونها للقدس بالعربية. لكن لا يهم، فإسرائيل سيئة السمعة فقط بالعربية). فهو يعرف، بلا شك، أن هذه المهمة تبدو مستحيلة في الوطن العربي، فلا يوجد طفل صغير عندنا، حتى لا نقول أستاذ جامعي و«مثقف ماركسي»، يمكنه أن يشتري هذه الدعاية السخيفة والمتقادمة التي تنتمي إلى استشراق القرن التاسع عشر عن «تدخل إنساني» للإمبريالية الغربية. لهذا ذهب لسوق الرأي العام الغربي ليبيع بضاعته الفاسدة والبالية والتي لا تعبر إلا عن بؤس في الخيال.
لكن الأشقر الذي واجه الكثير من النقد لم، ولا، ولن يجيب على السؤال: لماذا أيّد وبرر واستدعى تدخل الناتو (الذي لا يزال إمبريالياً على حد علمنا) في ليبيا، ولماذا لم يعترف بخطئه بعد ما حصل، حتى لا نقول لماذا يعيد الكرة في سوريا؟ أو غيره من الأسئلة المهمة حول خطاياه التي تضخمت أخيراً، مباشرة وبلا لف ولا دوران (كما حصل في قضايا المحرقة وتدريب الجيش البريطاني وسوريا). في الحقيقة كان ديدن الأشقر على الدوام هو فقط التشويش على جوهر الأسئلة، كما وصف مايكل ماكغي محقاً موقف الأشقر في ليبيا وسوريا (19). ردّه على الأسئلة عادة، كما رأينا في «الأخبار» و «القدس العربي» قبل فترة (وحتى الرسالة الأخيرة)، يأخذ طابع مقالات هجومية حافلة بتوصيفات وشتائم لا تعكس إلا ضعف الموقف الذي يقدمه كما في توجيه اتهامات بـ «بلطجة فكرية» ووصف خصومه بـ «الشبيحة» و«البلطجية» و«العصابات الفاشستية« و«شبيحة أنظمة الاستبداد»، ومثلها الكثير. وهذه أوصاف يعرف القارئ المتوسط الذكاء أن من يستخدمها إنما يستخدمها فقط لتجاوز النقاش الجدي، ويعرف أن صاحبها يفتقر لأي دفاع منطقي، بل مفلس لحد يدعو للشفقة. فحين يكون عنوان مقالك وحده «بلطجة فكرية وخدام الاستبداد» (20)، فلقد خسرت الجدال قبل أن تكتب الكلمة الأولى. لهذا يعمد الأشقر للتشويش واللف والدوران في إجاباته وفي كتاباته، لدرجة أنه بتبريره للعدوان الإمبريالي على ليبيا، كما قال عنه إدوارد هيرمان في النص ذاته، كان «يؤدي أعظم الأعمال الأكروباتية (البهلوانية) في سجل اليسار المتهاوي».
لهذا بالضبط تقرأ الأشقر، كما يقول هيرمان، فترى أنه يبرر التدخل ويدعو إليه ويستدعيه من جهة، وينتقده من جهة أخرى في الفقرة نفسها. هل كل هذه «البهلوانية» لحفظ خط الرجعة لاحقاً، ليدعي أنه لم يؤيد مطلقاً تدمير ليبيا، كما فعل الكثير من المثقفين و«المفكرين» العرب المزورين؟ طبعاً، لا يوجد توصيف آخر لما فعله الناتو بليبيا غير التدمير والخراب المستمر حتى الآن، وسيذكر في كتب التاريخ أن مثقفين عرباً خدموا في ماكينة الدعاية الإمبريالية بوعي أو بجهل أو لمصلحة، ثم حاولوا أن ينكروا هذا الدور بعدما سال الكثير من الدم – لكن الأشقر لسوء حظه ترك نصوصاً مكتوبة لأنه ربما لم يسمع بالحكمة القائلة إن «أضعف حبر أقوى من أقوى ذاكرة». في الحقيقة كانت هذه الحكمة أقدم عبارة لاتينية كُتبت على جدران مجلس الشيوخ الروماني، لكن الأشقر لا يعبر عن جهل بالإمبريالية وضعف نظري فاضح لا يليق بطالب مبتدئ حتى لا نقول أستاذ جامعي، لكنه جاهل بالتاريخ أيضاً (21). وإن كنت، كمثقف، جاهلاً أن الخراب والدم سيكونان حتماً نتيجة تدخل الناتو، فمن حقنا أن نتساءل: ما هي هذه الإمبريالية التي تعاديها إذاً؟ وكيف تعمل؟

البائس جداً في كل ذلك، والذي يدعو حتى للشفقة إن كان يؤمن فعلاً بمزاعمه، أن الأشقر يدعو في سياق تحفظه على التدخل (بعد تبريره) بالحرف لـ «مراقبة وثيقة من قبل القوى المعادية للإمبريالية وإدانة كل الأفعال التي تؤدي إلى إصابة مدنيين من أجل منع حدوث ذلك». ويبشر الأشقر قرّاءه الغربيين المعادين للإمبريالية، لاحقاً، بإمكان استخدام هذه الاستراتيجية العبقرية، بالحرف، كما يقول: «لإحراج القوى الإمبريالية في المرة القادمة التي تقصف فيها إسرائيل غزة أو لبنان». مرة أخرى: ما هي هذه الإمبريالية التي يتحدث عنها الأشقر؟ هل هي ذات الإمبريالية التي اختبرتها وتختبرها شعوبنا كل يوم؟ فالإمبريالية التي يستطيع أستاذ جامعي لا حول له ولا قوة (على حد علمنا)، أن يحرجها في المرة المقبلة حين تقصف غزة أو لبنان لأنها مدينة له ولرفاقه من هذا النوع من «اليسار» بتأييدهم ودعمهم لها في تدمير ليبيا، موجودة في خياله هو فقط… وهي ليست الإمبريالية ذاتها التي نعرفها والمسؤولة عن قتل مئات ملايين البشر وغالبيتهم من العرب والآسيويين والأميركيين اللاتينيين والأفارقة. لكن، يمكننا أن نطمئن الآن أن جو بايدن سيخجل من دعم وتأييد الكيان الصهيوني في جولته المقبلة من العدوان ضد غزة أو لبنان، وأكثر سيكون محرجاً ألّا يفرض على الكيان الصهيوني «منطقة حظر طيران»، كما وعدنا الأشقر بالحرف لتسويق تأييد إعلان ليبيا منطقة يحظر فيها الطيران.

خاتمة: عن تلامذة الأشقر


إذا كانت أميركا (والغرب الإمبريالي) هامشيّة في أحداث سوريا، فلماذا إذاً، يا جلبير، كنتَ تدرّب جنودهم؟ وماذا كان يفعل تلامذتك بهذه المعرفة وفي هذه المعركة؟

* كاتب عربي

المراجع:
(1) Gilbert Achcar. Libyan Developments. Znet‚ March 19‚ 2011
https://zcomm.org/znetarticle/libyan-developments-by-gilbert-achcar/
(2) Gilbert Achcar. A legitimate and necessary debate from an anti-imperialist perspective. Znet‚ March 24‚ 2011
https://zcomm.org/znetarticle/libya-a-legitimate-and-necessary-debate-from-an-anti-imperialist-perspective-by-gilbert-achcar/
(3) Miles Copeland. 1989. The Game Player: Confessions of the CIA›s Original Political Operative. Ann Arbor: The University of Michigan Press.
(4) Hugh Wilford. 2013. America›s Great Game: The CIA›s Secret Arabists and the Making of the Modern Middle East. New York: Basic Books.
(5) James Paul. Human Rights in Syria. NY: Human Rights Watch. September 1990 (P: 122)
(6) https://www.nytimes.com/2008/11/10/washington/10military.html?pagewanted=all
(7) Julian Assange. 2015. The WikiLeaks Files: The World According to US Empire. Verso (in collaboration with Wikeleaks).
(8) https://wikileaks.org/plusd/cables/06DAMASCUS5399_a.html
(9) https://wikileaks.org/plusd/cables/09DAMASCUS692_a.html
(10) https://www.newyorker.com/magazine/2007/03/05/the-redirection
(11) https://www.jacobinmag.com/2019/02/the-tragic-life-of-the-war-criminal-elliott-abrams
(12) Patrick Seal. 1988. Asad: The Struggle for the Middle East. Berkley: University of California Press.
(13) فمن ماركس الذي انتقد مبكراً في «بؤس الفلسفة» من «لا يستطيعون فهم كيف يمكن لأمة أن تصبح ثرية على حساب أمة أخرى»، إلى لينين في «الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية» وروزا لوكسمبورغ في «التراكم» ثم بول باران في «الاقتصاد السياسي للنمو» و»رأس المال الاحتكاري» مع بول سويزي لاحقاً كانت هذه الفكرة محور إجماع وميّزت هذا التقليد الفكري.
(14) النص الأصلي بالإنكليزية كما جاء في مقال الأشقر
«if we could turn back the wheel of history and go back to the period immediately preceding the Rwandan genocide‚ would we oppose an UN-authorized Western-led military intervention deployed in order to prevent it? Of course‚ many would say that the intervention by imperialist/foreign forces risks making a lot of victims. But can anyone in their right mind believe that Western powers would have massacred between half a million and a million human beings in 100 days?»
Gilbert Achcar. A legitimate and necessary debate from an anti-imperialist perspective
(15) Edward Herman. Gilbert Achcar’s Defense of Humanitarian Intervention. Znet‚ April 8‚ 2011.
https://zcomm.org/znetarticle/gilbert-achcars-defense-of-humanitarian-intervention-by-edward-s-herman/
(16) Helen Epstein. “America’s Secret Role in the Rwandan genocide”. The Guardian‚ 12 September‚ 2017
https://www.theguardian.com/news/2017/sep/12/americas-secret-role-in-the-rwandan-genocide
(17) https://thegrayzone.com/2019/11/05/us-economic-war-strategy-syria-oil-reconstruction/
(18) https://twitter.com/SecBlinken/status/1376983058826600451
(19) Michael McGhee. “Gilbert Achcar on Libya and Syria”. Dissident Voice‚ April 11‚ 2012
https://dissidentvoice.org/2012/04/gilbert-achcar-on-libya-and-syria/#identifier_0_44133
(20) https://www.alquds.co.uk/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D8%B7%D8%AC%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%AE%D8%AF%D9%91%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D8%AF/
(21) «Verba volant‚ Scripta manent»

:::::

“الأخبار”

8 نيسان 2021Top of ForBottom of Form

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.