الطاهر المعز: (1) أوروبا على حافة حرب حقيقية (2) أوروبا، بين مصالحها الإستراتيجية وولائها للولايات المتحدة

الطاهر المعز

(1) أوروبا على حافة حرب حقيقية، مَخْفِيّة

(2) أوروبا، بين مصالحها الإستراتيجية وولائها للولايات المتحدة

● ● ●

(1)

أوروبا على حافة حرب حقيقية، مَخْفِيّة

بدأت مناورات حلف شمال الأطلسي (ناتو ) “Iniochos 21” في اليونان منذ 12 نيسان/أبريل 2021 ، بمشاركة طائرات هجومية نووية من طراز  F-16الأمريكية، والطائرات والأسلحة الموجودة بالقواعد الأمريكية في اليونان ، إلى جانب مقاتلات F-16 و F-15 من الإمارات والجيش الصهيوني، وتجري التدريبات في بحر إيجه، غير بعيد عن البحر الأسود وأوكرانيا، وأَوْضَحَ رئيس اللجنة العسكرية للناتو، البريطاني “ستيوارت بيرش”، إن هذه المناورات العسكرية موجهة ضد روسيا “للدفاع عن وحدة أراضي أوكرانيا”.

دعمت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ، سنة 2014 ، كتائب اليمين المتطرف الأوكراني من النازيين الجدد التي هاجمت مواطني شبه جزيرة “القرم” (وهم من الرّوس)، وقتلت مواطني منطقة “دونباس”، وهم من الروس أيضًا، واستُخدمت كتائب اليمين المتطرف كقوة هجومية في انقلاب “الميدان” ( أهم ساحة بكييف، عاصمة أوكرانيا)، بمساعدة القناصين الجورجيين الذين أطلقوا النار على المتظاهرين و قام ضباط الشرطة بعد ذلك بارتكاب مذابح في القرى ، وأحرقوا المسلحين والمواطنين العُزّل المعارضين للانقلاب، في دار النقابات أوديسا، وفي ماريوبول، وقاموا بقصف السكان بالفوسفور الأبيض في دونيتسك ولوغانسك. قادت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي ذلك الإنقلاب الدموي، بهدف عزل روسيا، مع تعزيز نفوذ الولايات المتحدة والوجود العسكري الأمريكي في أوروبا.

استأنفت الحكومة الأوكرانية الهجمات المسلحة في دونباس، بدعم من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، وقال رئيس الأركان الأوكراني “خومتشاك” إن جيش كييف “يستعد للهجوم في شرق أوكرانيا ، بمشاركة الناتو.”

تزامن استئناف الصراع المسلح في دونباس مع تعيين وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكين، وهو من أصل أوكراني، وكان المنظم والمُشرف الرئيسي على انقلاب “الميدان”، عندما كان نائب مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس باراك أوباما ونائبه جو بايدن، أما نائب وزير الخارجية الجديد ، المعين من قبل جو بايدن، فليس سوى فيكتوريا نولاند التي شاركت سنة 2014 في تنظيم انقلاب “الميدان”، تحت اسم “عملية الولايات المتحدة”، والتي كلفت أكثر من خمسة مليارات دولار، لتأسيس “الحكم الرشيد” في أوكرانيا ، وفقًا للسيدة فيكتوريا نولاند …

في 24 آذار/مارس 2021 ، وقع الرئيس الأوكراني زيلينسكي إعلان حرب ضد روسيا “لاستعادة شبه جزيرة القرم”، وبالتالي لم تكن روسيا (الشِّرِّيرَة، بحسب الدّعاية الأمريكية والأوروبية) هي التي تعلن الحرب. في أوائل أبريل 2021 ، تعهد وزير الحرب الأمريكي لويد أوستن (عضو مجلس إدارة شركة رايثيون لصناعة الصواريخ، وأحد جنرالات الإحتلال في أفغانستان والعراق) للرئيس الأوكراني زيلينسكي بـ “دعم الولايات المتحدة الثابت لأوكرانيا”، كما اتصل الأمين العام لحلف الناتو “ينس ستولتنبرغ” بالرئيس الأوكراني زيلينسكي يوم الثلاثاء 13 نيسان/أبريل 2021 لدعمه، ما يُشير أن أوكرانيا تلقّت الإذن (أو الضّوء الأخضر) لتصعيد عمليات استفزاز روسيا، وزودت الولايات المتحدة الجيش الأوكراني بالدبابات والطائرات بدون طيار وأنظمة الحرب الإلكترونية والأنظمة المضادة للدبابات وأنظمة الدفاع الجوي المحمولة  ( MANPADS ) ، إذ تريد الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي السيطرة على شبه جزيرة القرم، ثم السيطرة على البحر الأسود…

في منتصف نيسان/أبريل 2021 ، أصبحت أوكرانيا وروسيا على شفا الحرب، مما يشكل تهديدًا بزعزعة الاستقرار في المنطقة بأكملها التي تربط أوروبا وآسيا (أوراسيا)، وبعد إعلان الحرب هذا (من قبل أوكرانيا)، نشرت روسيا قوات إضافية في شبه جزيرة القرم وعلى الحدود الروسية مع دونباس، فيما تظل حالة الحرب هذه مخفية وغير مرئية للرأي العام العالمي، الذي يسمع (أو يرى أو يقرأ) كل يوم أن “الروس الأشرار يريدون غزو أوروبا، ويدعمون الشّرّير بشار الأسد، بينما تدعم الولايات المتحدة الإرهابيين الطّيِّبِين”.

تُساهم دُويلة الإمارات في مناورات عسكرية استفزازية امريكية باليونان، بمعية الكيان الصهيوني، وتُساهم كذلك دُوَيْلَة “قَطَر” (تحتل نصف مساحتها قاعدة أمريكية، وبها قواعد أخرى أمريكية وأوروبية وتركية) وتركيا في تسعير نيران الحرب، حيث زار الرئيس الأوكراني “زيلنسكي”، الدّوحة يوم الإثنين 12 نيسان/ابريل 2021 (قبل زيارة تركيا يوم الإثنين 19 نيسان/ابريل 2021) لتوقيع اتفاقيات، منها شراء أوكرانيا الغاز القَطَرِي، بدل شراء الغاز الرّوسي، واستئجار قطر لميناء أوكراني، وتدشين خط نقل جوي مباشر بين كييف والدّوحة، و”اتفاقيات عسكرية أخرى”، يمكن تأويلها (بالإضافة إلى خط النقل الجوي المباشر) كالتالي: “نقل الطائرات القَطَرية مجموعات إرهابية من سوريا وليبيا، عبر تركيا، نحو أوكرانيا، لمحاربة روسيا”، بمساعدة الجيش التركي (عضو حلف شمال الأطلسي) الذي يحتل أجزاء من سوريا وليبيا، والذي يُشرف تدريب ودعم المجموعات الإرهابية…

تشن الولايات المتحدة حربًا اقتصادية على روسيا، وتمكنت من عرقلة إنجاز خط أنابيب الغاز “نورث ستريم 2″، الذي ينقل الغاز نحو ألمانيا وأوروبا الشمالية، بهدف بيع الغاز الصّخري الأمريكي، وهو أقل جودة وأغلى ثمنًا من الغاز الروسي، وتضغط أمريكا على الشركات الأوروبية التي اضطرت للإنسحاب من أشغال بناء خط أنابيب الغاز الروسي، كما تضغط على دول الإتحاد الأوروبي، حيث تنتشر القواعد العسكرية الأمريكية، لإقرار العقوبات ضد روسيا، وتُعوّل أمريكا على الحكومات العميلة، منها بولندا ورومانيا…

في هذه الظروف المُكَهْرَبَة يُجري الجيش الأمريكي مناورات “ديفندر 21″، لفترة حوالي ثلاثة أشهر (من نيسان/ابريل، حتى نهاية حزيران/يونيو 2021)، بمشاركة قرابة ثلاثين ألف جندي أمريكي، يستخدمون الأسلحة والمعدّات المخزّنة في قواعد الجيش الأمريكي بإيطاليا وألمانيا وهولندا، لقيادة المناورات التي تُشارك في تنفيذها جيوش 25 دولة “حليفة للولايات المتحدة ولحلف شمال الأطلسي”، ومن بين الأهداف غير المُعْلَنَة لمجمل مناورات الجيش الأمريكي وحلف شمال الأطلسي، وقف تصديرر الغاز الروسي نحو أوروبا وتدمير العلاقات بين ألمانيا وروسيا ووقف أشغال خط الأنابيب “نورث ستريم 2” بشكل نهائي، بالإضافة إلى إضعاف روسيا في مناطق أخرى من العالم، ومنها سوريا…   

(2)

أوروبا، بين مصالحها الإستراتيجية وولائها للولايات المتحدة

لم يتبقّى سوى تركيب 93 كم (من إجمالي 2460 كم) من الأنابيب في المياه الدنماركية و 28 في المياه الألمانية، في قاع بحر البلطيق، لاستكمال بناء خط أنابيب الغاز “نورد ستريم 2″، قبل نهاية العام 2021، لكن الولايات المتحدة تضغط على ألمانيا (التي طلبت من روسيا بناء خط الأنابيب هذا) للتخلي عن المشروع وشراء الغاز الصخري الأمريكي، وهو أغلى ثمناً وأقل جودة من الغاز الروسي. لم تهدأ، بل زادت الضغوط الأمريكية التي تضر بالعلاقات بين ضفتَيْ المحيط الأطلسي، وتضر بالعلاقات بين روسيا وبقية دول أوروبا، وكذلك العلاقات داخل أوروبا وداخل المجتمع الألماني، حيث تُؤَجّجُ التهديداتُ الأمريكيةُ الجدلَ السياسيَّ في ألمانيا.

خط الأنابيب “نورد ستريم 2” هو ثاني أنبوب بحري يربط روسيا بشمال أوروبا ويضاعف طاقة “نورد ستريم 1” لتزويد أوروبا الغربية بـ 55 مليار متر مكعب من الغاز سنويًّا، ما يدعم مخططات حكومة ألمانيا التي أعلنت التخلي عن الطاقة النووية، واستبدالها بالغاز الروسي، وهو رخيص الثمن وذو نوعية جيدة، كما يسمح هذان الخطان لألمانيا بأن تصبح مركزًا لتوزيع 110 مليارات متر مكعب من الغاز الروسي سنويًا، في بقية دّول أوروبا. أما بالنسبة لروسيا، فإن المردود المالي لهذَيْن الخَطَّيْن من الأنابيب ضعيف، لكن من شأن خط “نورد ستريم 2” أن يُعيد إلى روسيا هيبتها، والإسْتغناء عن تمرير الغاز عبر أوكرانيا التي أصبحت حليفًا، بل تابعًا للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.

إدّت التّهديدات والدّعاية الأمريكية، إلى تَخَلِّي جميع الشركات الأوروبية المشاركة في تحقيق أو تمويل أو بناء أو إصدار الشهادات لخط أنابيب الغاز عن المشاركة في بناء خط الأنابيب “نورد ستريم 2″، في مواجهة تهديدات الولايات المتحدة بفرض عقوبات عليها. كان لهذه الاستراتيجية الأمريكية أثر في تأخير تقدم المشروع، بينما يعجز الاتحاد الأوروبي على عصيان الأوامر الأمريكية، حتى لو كانت تلك “الأوامر” تضر بمصالح الدّول والشّركات الأوروبية، وبذلك نجحت الولايات المتحدة في تحقيق بعض أهدافها المتمثلة في إزاحة روسيا وفي زيادة حصة الغاز الصخري الأمريكي في السوق الأوروبية.

لم يتغير موقف أمريكا بانتخاب “جو بايدن”، بشأن خط الغاز الألماني الروسين وبشأن تعزيز الهيمنة الأمريكية، فهذه مواضيع تنال إجماع الأحزاب السياسية ومختلف المنظمات ومكاتب الدّراسات ومراكز البحث، والمسؤولين المنتخبين ووسائل الإعلام في الولايات المتحدة.

وصف وزير الخارجية الأمريكي (الصهيوني أنتوني بلينكين)، في آذار/مارس 2021، مشروع خط أنابيب الغاز الروسي بأنه “صفقة سيئة للغاية” وهدد بمعاقبة أي مشارك في إنجازهن فيما دعا أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون الرئيس “جو بايدن” إلى “اتخاذ إجراء حازم”، لوقف المشروع نهائيا، بدل تعطيله وتأجيل موعد بداية خدمته، وربما يريد هؤلاء النواب إعلان الحرب على روسيا.

ارتفعت وتيرة هذه التهديدات الأمريكية، ضد المزيد من البلدان والشركات، ما يُثير تساؤلات حول تجاوز قرارات وعقوبات الولايات المتحدة، حدود أمريكا، حيث فرضت الولايات المتحدة نفسها بالقوة ، لتصبح حاكمة العالم، وما على بقية الدّول سوى تنفيذ القرارات الأمريكية، دون أي نقاش أو تشاور.

تستضيف أراضي ألمانيا وإيطاليا أكبر القواعد الأمريكية في أوروبا، وكانت الحكومات الألمانية (الغربية) المختلفة، منذ العام 1953 (سنة تقسيم ألمانيا إلى غربية وشرقية)، مطيعة ولا تعارض أبدًا سياسة الولايات المتحدة، وتشارك في جميع الاعتداءات الأمريكية. ومع ذلك، وفي مواجهة التهديدات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، بدأ جزء من الرأي العام والمنظمات السياسية والمسؤولين الألمان المنتخبين، في معارضة التهديدات والعقوبات الخارجية التي قررت الولايات المتحدة.

تدين حكومات بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي (بخجل) الانتهاكات الأمريكية للقانون الدولي وتطالب بالسيادة الأوروبية في مجالات الاقتصاد والطاقة. من جهة أخرى، تطالب بعض الأطراف في أحزاب ومنظمات الدّفاع عن البيئة (بما في ذلك حزب الخضر الألماني الذي “تُقدّر الولايات المتحدة موقفه”) بوقف العمل في خط أنابيب الغاز الروسي، حفاظًا على العلاقات المتطورة مع أمريكا، في حين لا تهتم الولايات المتحة سوى بمصالحها، فالعقوبات أحادية الجانب تَضُرُّ بمصالح الشركات الأوروبية التي تعمل بشكل قانوني وشرعي في القارة الأوروبية، لكن الحكومات الأوروبية لا تستطيع معارضة الولايات المتحدة، بل تسعى هذه الحكومات للتفاوض (من موقف ضُعْف) على تسوية دبلوماسية واقتصادية، أما الولايات المتحدة فتعمل على فَرْضِ شراء الغاز الصخري الأمريكي، وهو أغلى ثمنا وأقل جودة من الغاز الروسي، لكن ليست هذه مجرد مسألة اقتصادية أو مسألة سعر. لقد أصبح الغاز مسألة ذات ذات طبيعة جيوسياسية، بالنسبة للولايات المتحدة، كما بالنسبة لروسيا وألمانيا، وكذلك بالنسبة للاتحاد الأوروبي …

لم تتجاوز مثل هذه المسائل الجَوْهَرية في الإتحاد الأوروبي، مجال الكواليس والحلقات الضّيّقَة، وتم إبعاد الشعوب والكادحين من مثل هذه النقاشات، ما يُشير على طبيعة ديمقراطية الرأسمالية، سواء في الولايات المتحدة أو في أوروبا أو في أي مكان آخر…   

 _________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.