روسيا والصين والولايات المتحدة، قطب رأسمالي واحد أم متعدّد الأقطاب؟ الجزء الثاني والأخير، الطاهر المعز

مخاطر وجود حلف شمال الأطلسي:

سبق أن أعلنت الولايات المتحدة، قبل حوالي سنتَيْن خفض عدد قواتها المُرابطة في ألمانيا، لكن أوردت بعض الصحف الأوروبية القليلة (لوسوار البلجيكية ولاتريبون دي جنيف السويسرية وإلمانفستو الإيطالية) أن القوات الأمريكية بصدد نضشْر أنظمة دفاع صاروخية وجوية جديدة بأوروبا، كما أوْرَدَتْ “وثيقة الدليل الاستراتيجي الموقّت للأمن القومي” (آذار/مارس 2021)، أن الجيش الأمريكي سوف يرفع عدد قواته في ألمانيا، وأعلن وزير الحرب الأمريكي “لويد أوستن” خلال زيارته برلين، تعزيز القوات الأمريكية بألمانيا بخمسمائة جُندي إضافي، ضمن خطة “تعزيز الحضور العسكري الأمريكي في مناطق عديدة من العالم، أهمها منطقة المحيط الهادئ والمحيط الهندي وأوروبا”، بهدف مَنْع أو تعطيل صعود القوى المعادية، وفي مقدّمتها روسيا والصّين. أما الأمين العام لحلف شمال الأطلسي فقد اعتبر أن روسيا تُمثّل ” تهديدًا مستمرًّا لقوات الناتو !!!”، وتُشير جميع الوقائع أن قوات الناتو، وخصوصًا قُوات الولايات المتحدة، تُحاصر روسيا على حدودها، وتحاول تضييق حركة السّفن الروسية في بحر البلطيق وفي البحر الأسود…

تَمَيَّزت بداية فترة رئاسة “جو بايدن” (الحزب الديمقراطي) بتصعيد التّهديد ضد الصّين، بذريعة الدّفاع عن “تايوان”، وضد روسيا، بذريعة الدّفاع عن “أوكرانيا” (التي حَوّلت أنظار مواطنيها عن الأزمة الإقتصادية الحادّة، بحجة الدّفاع عن الوطن الذي تُهدّده روسيا)، واقترن تصعيد الخطاب الأمريكي الرّسمي مع حركة ضخمة للجنود والمُعدّات، ونقل 350 طنًّا من العتاد العسكري الأمريكي لجيش أوكرانيا الذي أصبح رأس حربة أمريكا في المنطقة المُحاذية لروسيا، ونَشْر الطائرات الحربية الأمريكية الضّخمة في النّرويج، وشمال وشرق أوروبا، لمحاصرة روسيا، بحسب مُذَكِّرة لوزارة الحرب الأمريكية، يوم 31 آذار/مارس 2021… يقود الرئيس”جو  بايدن” حملة التّصعيد وتَغْلِيب منطق القُوّة، بمساعدة ، وزير الخارجية “انتوني بلينكن” ووزير الحرب “لويد أوستن”،  والتّأكيد على تحديث القدرات العسكرية، وتكثيف المناورات البحرية والجوية على حدود روسيا والصّين، وتوحيد صفوف القوى الإمبريالية وراء الولايات المتحدة، لمساعدتها على بسط هيمنتها على العالم، بواسطة القوات الأمريكية، وبواسطة حلف شمال الأطلسي، الذي يُعْتَبَرُ أحد الركائز الأساسية للقُوّة وللهيمنة الأمريكية، لكن بدأت تظهر، خلال السنوات الأخيرة، بعض الإنتقادات للإستراتيجية الأمريكية…

أعدّ خُبراء عسكريون بفرنسا (بينهم ضُبّاط) دراسة نقدية لوثيق قدّمها الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، يوم الخميس 18 شباط/فبراير 2021، بعنوان “الناتو 2030″، وتنتقد الدّراسة “التوجه العام لحلف شمال الأطلسي، القائم على التهديد الروسي والصّيني، وعلى نَشْرِ أخبار ومعلومات مُضَلِّلَة… بهدف تجنيد الدّول الأوروبية ضد هذه الهيمنة المُفْتَرَضَة، مقابل حماية أمريكية لأوروبا من التهديدات الروسية والصينية…”، وتعمّدت الولايات المتحدة، منذ انهيار الإتحاد السوفييتي، في تسعينيات القرن الماضي، رغم التطمينات التي أُعْطِيَتْ لروسيا، سنة 1991، توسيع حلف شمال الأطلسي شرقًا، لتقترب قواته سنة بعد أخرى من حدود روسيا، وفي الأثناء، قصفت قوات حلف شمال الأطلسي (ناتو) صربيا لمدة 78 يومًا ، بدون تفويض من الأمم المتحدة ، بأكثر من 58 ألف طلعة جوية، ثم فصل إقليم “كوسوفو” وإنشاء دُوَيْلَة غير قابلة للحياة، باسم “حق الشعوب في تقرير المصير” (الذي لا ينطبق على الشعب الفلسطيني)، ورفض حلف شمال الأطلسي، سنة 2008، مناقشة مشروع تسوية النّزاعات بواسطة “ميثاق أمني أوروبي”، بل زادت الولايات المتحدة من عدوانيتها، عبر تشجيع بعض مكونات الإتحاد الروسي على الإنفصال، وأشرفت، سنة 2010، بالتحالف مع مليشيات اليمين المتطرف التي يُدرّبها ضُبّط من الجيش الصهيوني والمخابرات الأمريكية، على تنظيم انقلاب ضد الرئيس الأوكراني المنتخب ديمقراطيا، ونصبت الولايات المتحدة، على الحدود الروسية منظومات صاروخية “لحماية أمن الولايات المتحدة وأوروبا”، وعدم احترام الولايات المتحدة معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى، وبعد حُصُول مجموعة من الخُرُوقات الأمريكية، طيلة حوالي ربع قرن، أعلنت روسيا، بنهاية سنة 2013، تعليق جميع أشكال التعاون مع مجلس الناتو، وحصلت جميع هذه الأحداث قبل قضية جزيرة “القرم” (سنة 2014)، ردًّا من روسيا على الإستفزاز الأوكراني، ومن يقف وراءه (الولايات المتحدة وحلف شمال الألأطلسي)، واستخدم الحلف (ناتو) قضية شبه جزيرة “القرم” لتبرير استفزاز روسيا، وتهديدها، منذ ما قبل سنة 2014، أي تبرير الإستفزازات، بأَثرٍ رجعي، وتبرير التّصلّب تجاه روسيا وفَصْلِها عن أوروبا، واستهدافها كَعَدُوّ مُفْتَرَض، وبالتالي تبرير عمليات توسيع حلف شمال الأطلسي، وفَرْض شراء الدول الأعضاء أسلحة أمريكية، ووجب التّذكير أن حلف شمال الأطلسي كان يتعلّل بوجود الإتحاد السوفييتي لتبرير وجوده، وادّعاء أن الولايات المتحدة تُدافع عن أوروبا، وكأن القواعد العسكرية الأمريكية الضّخمة باليونان وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، لا تكفي للدّفاع المزعوم عن أوروبا، وكان حلف شمال الأطلسي يدّعي أنه حلف دفاعي، لكنه أظْهَر بالدّليل والحُجّة أنه تحالف هجومي ضد عدو وهمي، أو لم يعد موجودًا أصلاً، في أوروبا، وتحالف لاستفزاز الصين كقوة اقتصادية رأسمالية منافسة للولايات المتحدة، خاصة منذ انهيار الإتحاد السوفييتي.

تُشير الوقائع أن الميزانية العسكرية الروسية، لا تتجاوز 84 مليار دولارا، أي حوالي عُشر ميزانية الحرب الأمريكية، وهي ضئيلة جدًّا مقارنة بالميزانية الحربية لحلف شمال الأطلسي البالغة 1,2 تريليون دولارا سنويا، وبالتالي فإن روسيا لا تُشكل أي تهديد لدول أوروبا أو للولايات المتحدة، أو لحلف شمال الأطلسي، لكن الولايات المتحدة، التي تُقرر برامج ومخططات الحلف دون استشارة الحُلَفاء، تهدف بيع الإنتاج الحربي لشركاتها ودَمج حلف شمال الأطلسي في الإستراتيجية الأمريكية، وإحكام السيطرة على أوروبا لتصبح أدوات تتحكم بها الإمبريالية الأمريكية، في خدمة الهيمنة الأمريكية على العالم، وأداة لاستفزاز روسيا والصّين، وترفض الولايات المتحدة التّشاور مع “حلفائها”، بل تفرض برامجها ومخططاتها في أوروبا، ضد روسيا، وفي آسيا، ضد الصّين، وتذكر وثيقة الخُبراء والضباط الفرنسيين أن الولايات المتحدة تختلق تبريرات لتحويل حلف شمال الأطلسي إلى أداة سياسية أمريكية، تسمح لها بتجاهل الأمم المتحدة وكافة المنظمات الدّولية، وبإعادة تشكيل أعداء وهْمِيِّين، مثل روسيا والصّين، وفرض الوصاية (أو الإنتداب؟) على أوروبا…

إن وُجُود حلف شمال الأطلسي، الذي ينشُرُ قواته في كافة أرجاء العالم، يُشكّل تهديدًا لشعوب الدّول المنافسة للولايات المتحدة، مثل روسيا والصّين، أو التي لم ترضخ لمشيئة الولايات المتحدة مثل كوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا وإيران…

استهداف الصين

أعلن باراك أوباما وهيلاري كلينتون (من الحزب الديمقراطي)، سنة 2012، أن آسيا أصبحت مركز القوة العسكرية البحرية الأمريكية، بهدف احتواء الصّين.

لم تتغير هذه السياسة خلال فترة رئاسة “دونالد ترامب” (من الحزب الجمهوري)، ولا يُنتَظَرُ أن يحيد الرئيس “جو بايسدن” (من الحزب الديمقراطي) عن هذا المسار، لأن هذا المُخَطّط (محاصرة الصّين) استراتيجي، بعيد المدى، وليس تكتيكي، قصير المَدَى، وهو مخطط يتعلّق بقيادة العالم والهيمنة عليه. لذلك لا تختلف الأحزاب والرؤساء بشأن هذه المسائل الإستراتيجية، بل يُتابع الرئيس “جو بايدن” سياسات سَلَفِهِ، مع بعض التّغييرات التي لا تَمسُّ الجَوْهر، وتتواصل الحملة الإعلامية ضد الصين التي تُصنّفها أمريكا في طليعة ترتيب الأعداء الخطرين، وتَبَعًا لذلك تواتر صُدُور التّقارير عن الإستخبارات وعن مراكز البحث، والتي تسير جميعها في نفس الإتجاه، رغم اختلاف الشّكل، وتتوزع بين الإدعاء أن الصين عززت الإنفاق العسكري منذ سنوات وأصبحت تنافس القوة الأمريكية، وعدم احترام حقوق الإنسان، وخاصة حقوق الأقليات، والمُسلمين (الذين تضطهدهم أوروبا وأمريكا في “المركز”، كما في “المُحيط”)، وفي الحقيقة، تنتهك الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وغيرها حقوق المواطنين العُمّال والفُقراء، والمناهضين لمخططات التّقشُّف، وتطلق الشرطة الأمريكية والأوروبية النّار فتُصيب وتقتل أحيانًا المُحتجّين أو سُكّان الأحياء الفقيرة، ولا يُؤدّي ذلك على استنفار منظمات الدّفاع عن حقوق الإنسان، وحين ينتقد أحدٌ الكيان الصهيوني، الذي يقتل ويعتقل الفلسطينيين ويهدم بيوتهم ويُشرد العائلات يوميا، تُلصق به وسائل الإعلام والأحزاب والسلطات الأمريكية والأوروبية تهمة “معاداة السّامية”…

بعد عام من انتشار فيروس “كورونا”، لا يزال الإقتصاد الأمريكي يُعاني من الأزمة، أما الصين فإنها تمكنت من احتواء الوباء ومن تحقيق اقتصادها نموًّا إيجابيًّا، خلال سنة 2020، رغم العقوبات الأمريكية، وذلك بالتوازي مع تعزيز الإنفاق العسكري، ودعم قُوّة الرّدع المتواجدة في بحر الصّين الجنوبي، الذي يُعتَبَرُ بَوّابَةَ منطقة شرق آسيا التي طالما كانت منطقة نفوذ أمريكي…  

إن ما يُزعج الولايات المتحدة هو تكثيف المبادلات التجارية بين الصين ومختلف بلدان العالم، واحتمال فقدان اقتصادها المرتبة الأولى قريبًا، حيث اتفقت معظم الدّراسات والتّوَقُّعات “الغربية” على دُنُوِّ موعد تفوق الصين لتُصبح القوة الاقتصادية العالمية الأولى، قبل أمريكا الشمالية وأوروبا، خلال أقل من عقد واحد، خصوصًا عند اكتمال مخطط “مبادرة الحزام والطريق” (أو طريق الحرير الجديدة)، ويترتب عن ذلك تراجع مكانة الدّولار (أحد أهم وسائل الهيمنة الأمريكية) وتقدّم مكانة العملة الصينية (يوان). أما عسكريًّا فقد بنت الصين قُوّةً دفاعية، لحماية مياهها الإقليمية وطُرُق التجارة ما يُخفض من أهمية ضخامة ترسانة الولايات المتحدة التي تُحاصر الصّين…

تعمل الولايات المتحدة على إضْعاف روسيا والصّين، من خلال إنهاك اقتصادهما، وتوريطهما في عملية زيادة الإنفاق على السلاح، كما أدّت السياسات العُدْوانية الأمريكية إلى تقارب “الأعداء”، وتعزيز التحالفات بين الصين وروسيا وإيران وفنزويلا وكوريا الشمالية وكوبا، كما ضاعفت الصّين جهودها لخفض الإعتماد على إنتاج الولايات المتحدة من التكنولوجيا الدّقيقة، كما تمكّنت الصين، بعد اكتشاف فيروس “كورونا”، في وقت قِياسي قصير، من احتواء الفيروس وإنقاذ الأرواح، ثم ابتكار لقاح تَجاهَلَتْهُ حُكومات الدّول الأوروبية وأمريكا الشمالية، كما تجاهلت اللقاح الرّوسي، وفَضّلت هذه الحكومات التّضحية بآلاف المواطنين، على استخدام اللقاح الصّيني أو الرُّوسِي، كما أظْهَرت هذه الأزمة الصّحّيّة العالمية نجاعة المنظومة الصّحّية في كوبا والصين وروسيا وغيرها من البلدان التي تُحاصرها الولايات المتحدة وأذنابها، كما دَفَعت السياسة العدوانية الأمريكية عددًا من البلدان (كوبا وإيران، على سبيل المثال) للتعاون فيما بينها لمُحاصرة الوباء، وللتخفيف من حدّة المَصَاعب الإقتصادية النّاجمة عن الحصار الأمريكي والأوروبي…

تحولت الصين ، بين عامي 1949 و 2020 ، من دولة فقيرة تواجه المجاعات ، إلى قوة عالمية عظمى، ساهمت في إزاحة مركز الثقل الاقتصادي للكوكب باتجاه آسيا بعد أكثر من خمسة قرون من هيمنة أوروبا ثم أمريكا الشمالية، وأظهرت الصين خَطَأ النظريات العنصرية وأحد الافتراضات الأساسية للحضارة الغربية المتمثلة في “تفوق البيض” على بقية الأجناس.

تسيطر الإمبريالية الأمريكية على ما يُسمّة “الغرب”، أو “المَرْكز”، وتفرض الاستعمار الجديد على بقية مناطق العالم، من خلال الناتو والبنك العالمي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية ، إلخ. إن الإمبريالية الأمريكية في حرب مستمرة ضد مشاريع التنمية، وضد تحرّر الشعوب، وضد التنوع الثقافي والاجتماعي والاقتصادي. إنها حرب ضد دول معينة تحاول إثبات إمكانية تطبيق مسارات تنمية بديلة، غير رأسمالية، وأن شعوب العالم ، بتنوعها، تطمح للعيش في عالم يقوم على التضامن والإتحاد، وليس على المنافسة…

تقارب الصين وروسيا:

ازدادت العلاقات توتُّرًا بين الولايات المتحدة وكل من روسيا والصين، خلال الأيام الأخيرة من شهر آذار/مارس 2021، وتجاوز التّوتر حدود التصريحات ليبلغ مستوى رد الفعل الدبلوماسي، والتوتّرات ذات الصيغة العسكرية في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، وأدّت استفزازات الولايات المتحدة وحُلفائها إلى تقارب بين الصين وروسيا، جسّدته زيارة وزير الخارجية الروسي “سيرغي لافروف” إلى بكين، حيث اجتمعَ وتشاوَرَ مع المسؤولين الصّينيّين، لفترة يومَيْنِ، وكانت هذه الزيارة أحد مؤشرات  التقارب الروسي – الصيني، بدافع من الضغط الأميركي.

تنامت العلاقات بين روسيا (أقل من 150 مليون نسمة، واقتصاد لا يتجاوز حجمه 1,6 تريليون دولارا) والصين (حوالي 1,4 مليار نسمة واقتصاد بقيمة حوالي 17 تريليون دولارا)، بسبب التصعيد الأمريكي، بعد سنوات من الحَذر الرُّوسي والتقلبات، حيث تمكّنت الحكومتان من تسوية النزاع الحدودي، ووقعتا اتفاقًا سنة 2008، وتطورت العلاقات بسرعة خلال العقد الأخير، على المستوى الاقتصادي والسياسي والعسكري، وازداد التعاون بينهما في المنظمات الإقليمية والدّولية، ووقعت الدّولتان اتفاقيات الشراكة الإستراتيجية، في مجالات البنية التحتية والمَمرّات (البرية والبحرية) والغاز الطبيعي والمجالات المالية والتعاون الرقمي، ويُعتبَرُ الإتفاق على إنجاز “خط قوة سيبيريا”، سنة 2014، ، بقيمة 400 مليار دولار، أحد أهم مشاريع الطاقة في شرق آسيا، ويتمثل في نقل نحو 38 مليار طن من الغاز الروسي سنويا، نحو الصين، لمدة ثلاثين عاماً، بسعر تفضيلي يدعم اقتصاد الصين، وشركاتها التي تُشغّل مئات الآلاف من العمال الصينين في مشاريع البنية التحتية بروسيا.

دفعت التهديدات الأمريكية والأطلسية حكومات الدّولَتَيْن إلى تطوير العلاقات العسكرية، خلال السنوات الخمس الأخيرة (منذ سنة 2016)، وتنفيذ العديد من المناورات العسكرية المشتركة، وتوقيع صفقات لتزويد جيش الصين بما يساعده على السيطرة على بحر الصين الجنوبي، وتزامن هذا التقارب الثنائي مع زيادة المشاورات والتنسيق في مجال الدبلوماسية والعلاقات الدّولية، والدعوة إلى تأسيس “عالم متعدّد الأقطاب” للحد من الهيمنة الأمريكية ومن سياسة فَرْض الحصار و”العقوبات”، وتوسيع الهيمنة إلى حدود البلَدَيْن (الصين وروسيا)، في مناطق شرق وجنوب شرق آسيا، على حدود الصين، والقوقاز وشرق أوروبا، على حدود روسيا، بالإضافة إلى سيطرة اليابان والولايات المتحدة على مَمَرّات بَحْرية استراتيجية، بين موانئ روسيا والصين…

اعتمدت الصين سياسات انتهازية صرفة (سياسة “براغماتية”، بلغة أكثر تهذيبًا) في تعديل العلاقة مع الولايات المتحدة، أكبر سوق لبضائعها، بهدف الإندماج بالاقتصاد الرأسمالي العالمي، وتَجَنُّب التّصعيد مع أمريكا، واضطرّ حُكّام الصين لتغيير الأسلوب بعد التّدخّلات الأمريكية السّافرة في شؤون الصين الدّاخلية، كما في “المَجال الحيوي الصّيني”، وإحياء أمريكا لمجموعة “كواد” (أمريكا وأستراليا واليابان والهند )، وتشجيع إدارة “جو بايدن” للدّول المناهضة لسياسة الصين، وحلفاء أمريكا في جنوب وشرق آسيا، بالتوازي مع التحرشات الأمريكية على حدود روسيا، وتشديد العقوبات، ليصبح التحالف الروسي الصيني ضرورةً حيَوِيّةً للدّولَتَيْن، لكنه تحالف هش…

اعتمدت إدارة “جو بايدن” على هشاشة هذا التحالف بين الصين وروسيا، لتُعلن تخصيص مبالغ هامة (لم تحدّد قيمتها) للإنفاق على البحث والإبتكار في مجالات تصنيع أشباه المواصلات و”الذّكاء الإصطناعي”، والتكنولوجيا التنافسية، والصناعات الجديدة، بالتعاون مع حُلفاء أمريكا (أوروبا واليابان وأستراليا والهند…)، بهدف تقليص نفوذ الصّين، ولو تطلّب ذلك تصعيد الموقف معها، وانتقال الولايات المتحدة إلى الهجوم (وكأنها لم تكن في حالة هجوم مستمر طيلة تاريخها) بحسب موقع صحيفة “نيويورك تايمز” (22 آذار/مارس 2021)، التي أضافت أن “بيل غيتس” (مؤسّس “مايكروسوفت”) ينصح إدارة “جو بايدن” بتكثيف الهجمات الإلكترونية الفتاكة على نطاق واسع، وإشغال كل من الصين وروسيا بساحتيْهما الخاصة، في بحر الصين الجنوبي والمحيط الهادئ، بالنسبة للصين، وفي أوكرانيا وأوروبا الشرقية وسوريا بالنسبة لروسيا، بهدف منعهما من التحالف في معركة مُشتركة ضد الولايات المتحدة…

من جهة أخرى تكاثرت الخلافات بين روسيا والولايات المتحدة، واستخدم الرئيس الأمريكي “جو بايدن” خطابًا هابطًا سياسيًّا، من شأنه زيادة توتير العلاقات الأمريكية الرّوسية، خاصة بعد إعادة هيكلة أجهزة الدولة والإقتصاد في روسيا، لتعود إلى مصاف الدّول الكُبرى مُجدّدًا.

عملت الصين، منذ سنة 2013 على فك الحصار الأمريكي من خلال إنجاز مبادرة “الحزام والطريق” (طريق الحرير الجديدة)، الذي مكنها من توقيع اتفاقيات مع معظم دول العالم (140 دولة)، آخرها اتفاق “الشراكة الاستراتيجية الشاملة” مع إيران (إحدى محطات مشروع الحزام والطريق)، يوم السبت 27 آذار/مارس 2021، لفترة 25 سنة، بقيمة تُعادل أربعمائة مليار دولار، في مجالات التعاون العسكري والطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

أصبحت مبادرة “الحزام والطّريق” أداة سياسية واقتصادية، لِربْط الصين بآسيا وإفريقيا وأوروبا، مرورًا بالشرق الأوسط (الوطن العربي وإيران وتركيا)، اعتمادًا على شبكة من الطرقات البرّية والحديدية والمَمرّات البحرية، التي تربط المدن الصناعية بمجموعة من الموانئ، من الصين حتى جنوب أوروبا.

القوة الإقتصادية للصين

 يُتوقع أن تصبح الصين أكبر سوق لتجارة السّلع الفاخرة في العالم، وعلى سبيل المثال، شكّلت السّوق الصينية، سنة 2019، نسبة 5% من إجمالي مبيعات شركة “إتش آند أم” ( H&M ) السويدية، وقد تصل النسبة إلى 10% بنهاية سنة 2020، بعد التعافي السريع لاقتصاد الصين، مقارنة بركود اقتصاد الدول الرأسمالية الأخرى، ويعتَبِرُ المُشرِفون على شركة “بوربيري” البريطانية أن انخفاض المبيعات في الصين، يُنْتِجث خَلَلاً في حسابات الشركة،  وأعلنت شركات أوروبية وأمريكية أن السوق الصينية هي الوحيدة التي سجلت نموًّا في مبيعاتها، خلال سنة 2020…

تلقّت معظم هذه الشركات دعمًا من حكومات بلدانها، سواء خلال أزمة 2008/2009، أو خلال أزمة “كوفيد 19” للفترة 2020/2021، واضطرّت لمجاراة موقف حكوماتها بلدانها الأصلية (بلدان المَنْشَأ)، فصدرت تصريحات عن ناطقين باسم شركات مثل “إتش أند إم” أو “نايك”، وأديداس” و”بوما” و”كونفيرس” وشركة “زارا” الإسبانية، وشركة “هوغو بوس” الألمانية، وغيرها، تعلن مقاطعتها للقُطن الصيني الذي يتم إنتاجه في مقاطعة “شينجيانغ” (حيث يقطن المسلمون) بذريعة أن السلطات الصينية تضطهد عمّال إنتاج القطن، وهو واحد من أجْوَد أنواع القطن في العالم، وردًّا على هذه التّصريحات، تعرضت هذه الشركات والعلامات التجارية “الغربية” الكُبرى، خاصة ذات المنشأ البريطاني والأمريكي والأوروبي، بسرعة، لحملة مقاطعة شعبية واسعة، “دفاعًا عن السيادة الصينية ورفض التدخل في شؤونها الداخلية”، واختفى إنتاج هذه الشركات خلال أربع وعشرين ساعة، ما اضطرّها لحذف أو تغيير محتوى التصريحات من مواقعها،  بحسب موقع صحيفة “نيويورك تايمز” ( 15 نيسان/ابريل 2021)، وانخفضت قيمة أسهم شركة “نايك” في سوق “وول ستريت”، بنسبة فاقت 3%، وأسهم “أديداس” أكثر من 6% في فرانكفورت، و”بوربيري” أكثر من 4 % في بورصة لندن، كما انخفض رصيد شركة “إتش أند إم” بنسبة 2% في السويد، بحسب موقع محطة “سي إن عن”، يوم الخميس 15 نيسان/ابريل 2021، واستفادت الشركات المحلّيّة الصينية من حملة المقاطعة. أما الدولة الصينية وإدارة الحُكم الذاتي في إقليم “سينجيانغ” فإنها دعت الصحافيين والمؤسسات الأجنبية وشركات النسيج والمفوضية السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، لزيارة المنطقة، والتحدث مع مزارعي القطن ومع عمال النسيج…

تُؤكّد البيانات المتوفرة أن اقتصاد الصين (حجم الناتج المحلي الإجمالي) سوف يُزيح الإقتصاد الأمريكي من المرتبة الأولى، ليصبح أكبر اقتصاد في العالم، ولذلك تحاول الولايات المتحدة عَرْقَلَة تطور اقتصاد الصين، بالإعتماد على شُركائها في حلف شمال الأطلسي وفي الإتحاد الأوروبي، وفَرْض حصار عبر ما تُسمّيه “عُقوبات”، وأعلن وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن” في الثالث من آذار/مارس 2021، إن الولايات المتحدة تُواجه أكبر اختبار جيوسياسي في القرن الحالي، من خلال الصين، وحثّ الحُلَفاء على إقرار الحظْر والعُقوبات على الصّين، كما على روسيا، بالتّوازي مع زيادة الإنفاق العسكري، وزيادة عدد المناورات العسكرية الإستفزازية…

اعتمدت الصين على القوة الإقتصادية لتعزيز العلاقات مع الّدول التي تُعاديها الولايات المتحدة، مثل روسيا وإيران، ولنْسْج شبكة من العلاقات التجارية مع دول آسيا وإفريقيا وبعض دول أمريكا الجنوبية، حيث ارتفعت الإستثمارات الصينية بشكل مُطّرد، مع استبعاد الدّولار في المعاملات الثنائية…      

مساهمة الأنظمة العربية في الإستفزاز، مع التطبيع والخضوع:

اتسم العام 2021 بتنصيب رئيس أمريكي جديد، يُعيب على سَلَفِهِ التّخلِّي عن قيادة العالم، وشكّكت مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية (16 شباط/فبراير 2021) في قدرة الولايات المتحدة على قيادة المنظومة الرأسمالية الإمبريالية لفترة طويلة، وكان “جو بايدن” قد أعلن منذ بداية فترة رئاسته تحويل المنافِسين (الصين وروسيا ) إلى أعداء، ما زاد من حِدّة التّوتُّر، وإن اختلف شكل الإستفزاز عن الفترة السّابقة، إذ بدأ التّصعيد مع الصين، منذ فترة رئاسة “باراك أوباما” (مع أولياء نعمته من آل كلينتون)، كما تزايدت استفزازات حلف شمال الأطلسي ضد روسيا، خلال نفس الفترة، مع توجيه الإتهامات لروسيا بالتّدخّل في الإنتخابات الأمريكية…

في الأثناء، تواصل الولايات المتحدة سياسات التّصعيد والتهديد ضد روسيا والصين، في إطار المعركة المستمرة التي تفتحها الإمبريالية الأمريكية ضد أي دولة أو شعب يسعى للإستقلال عن هيمنتها، بالتزامن مع هجوم إيديولوجي دعائي يستهزئ ويُحاصر أي شكل من النّقد والمعارضة لهذه الهيمنة التي تصل حد احتلال البلدان عسكريا.

منذ 1991، باركت الأنظمة العربية (وجامعتها) العدوان على العراق، وشاركت جيوشها في ذلك، بقيادة الجيش الأمريكي، ثم حرّضت دُويلات الخليج ومَوّلت وشاركت في احتلال العراق سنة 2003، ولم تتوقف هذه المشاركة الفعلية في العدوان على شعوب وبلاد العرب، بل تعززت في ليبيا وسوريا واليمن وضد شعوب أخرى، غير عربية، بالتوازي مع تعزيز العلاقات، بل التحالف مع الكيان الصهيوني، وآخر مظاهر هذا التحالف، مشاركة جيوش عربية، منها مصر والأردن والإمارات، إلى جانب جيش العدو الصهيوني، في تدريبات عسكريّة فوق مياه البحر الأبيض المتوسط، بداية من يوم الاثنين 12 نيسان/ابريل 2021، وتتمثل المناورات في تمرين تُنسّقه البحرية اليونانية، نيابة عن حلف شمال الأطلسي، وبإشراف فعلي للجيش الأمريكي، بمشاركة جيوش الجو الفرنسية والإسبانية والكندية والقبرصية والنمساوية والرومانية والسلوفينية…

اعتبر الإعلام الصهيوني (وهو مُحِقٌّ في ذلك) مشاركة الجيوش العربية بهذه المناورات العسكرية تطبيعًا علنيا مباشرًا، بإشراف سلاح الجو الأمريكي، وبمشاركة الطيران الحربي لإسبانيا، وسلوفينيا، وكندا وقبرص والكيان الصهيوني، وغيرها، وركز الإعلام الصهيوني على الظّرْف المُواتي للكيان الصهيوني، بعد التّطبيع العلني لدويلات الخليج (باستثناء الكويت) والمغرب والسّودان، فضلا عن التطبيع الرسمي، وليس الشّعبي، المصري والأردني والفلسطيني، وركزت بعض وسائل الإعلام الصهيونية (القناة 12، على سبيل المثال) على التعاون الاقتصادي ومساهمة الإمارات في تعزيز صناعة وتجارة الألماس التي يستحوذ عليها التجار الصهاينة في البلدان المنتجة مثل الكونغو وفي المراكز التجارية الهامة في بلجيكا وسويسرا، وساهم التعاون مع الإمارات في زيادة إيرادات الكيان الصهيوني من هذه التجارة المشبوهة.

ورَدَت في فقرة سابقة بعض البيانات التي نشرها معهد ستوكهولم الدّولي لابحاث السلام (31 آذار/مارس 2021)، ونورد بعض ما يتعلق بتسليح بعض الدّول العربية المتورّطة في العدوان على شُعُوب العرب، وجيرانهم، حيث سجّلت واردات الدول العربية للأسلحة ارتفاعات قياسية، وزادت بنسبة 25% وتحتل الإمارات المرتبة التاسعة عالميا في استيراد الأسلحة، وتمثل “السّوق السعودية” 24% من إجمالي مبيعات الأسلحة الأمريكية ، بين عامي 2016 و 2020، وهما النّظامان المُتَوَرِّطان في العدوان على شعوب المنطقة، وخاصة شعب اليمن، الذي وَعَد الرئيس الأمريكي “جو بايدن” بتخفيف معاناته ووقْف الحرب (ما يُشير أن الولايات المتحدة تأمُر وتَنْهى وتُقرّر بداية الحرب ونهايتها)، وأورد التقرير أيضًا أن حوالي 47% من صادرات الأسلحة الأمريكية بين عامي 2016 و 2020 اتجهت إلى الدول العربية، بزيادة قدرها 28% عن السنوات الخمس السابقة (2011 – 2019)، وزادت صادرات الأسلحة الأمريكية إلى الكيان الصهيوني (+ 335%) وقطر (+ 208%) والسعودية (+ 175%)، فيما ارتفعت واردات الأسلحة (مهما كان مصدرها، وليس الأمريكية لوحدها)، مقارنة بالسنوات الخمس الماضية، لقطر (+ 361%) ومصر (+ 136%) والسعودية (+ 61%) والجزائر + 64% … تمثل السعودية 11% من سوق استيراد السلاح، بين عامي 2016 و 2020، وهي أكبر مستورد للأسلحة الأمريكية والبريطانية والكندية، واشترت الإمارات وقَطَر ومصر زوارق حربية وطائرات متوسطة القيمة ومرتفعة الثمن، من فرنسا.

لقد استخدمت دُوَيْلات الخليج عائدات المحروقات (وهي ثروات طبيعية تُصدّرُ في شكل مواد أوّليّة، غير مُصنّعة)، رغم انخفاض الأسعار منذ منتصف سنة 2014، في شراء السّلاح وإثراء مُجَمّع الصناعات العسكرية الأمريكية (وغير الأمريكية) وتأجير المُرتزقة، من الضّبّاط والطّيّارين الذين حاربوا شعوب العالم، وكذلك من فُقراء العرب والعَجَم، لمحاربة شعوب سوريا وليبيا والعراق واليمن، وغيرها، وللتحرّش بإيران وحزب الله اللبناني، فهو سلاح مُوَجّه إلى صُدُورِ فقراء العرب، وليس لتحرير فلسطين والأراضي العربية المحتلة الأخرى، من سبتة ومليلة والجزر الجعفرية والخالدات، إلى الجولان، ولواء إسكندرونة وعربستان، أو للدّفاع عن أراضي لبنان وسوريا والعراق التي يستهدفها الكيان الصهيوني بالقصف، دون رادع. لذا فهو سلاحٌ مُعادِي، لأن بوصلتَهُ تُشير إلى واشنطن ومُستوْطَنَة تل أبيب…

أما حكومات الدّول العربية الأخرى فإنها تتسابق لتقديم الولاء للإمبريالية الأمريكية، وللتطبيع مع الكيان الصّهيوني، وبالمقابل، تُكدّس السلاح الخفيف والعَربات المُصفّحة والذّخيرة لِقَمْع الإحتجاجات، فميزانية وزارات الدّاخلية بالدّول العربية تفوق ميزانيات وزارت هامّة كالصحة والفلاحة والشؤون الإجتماعية وغيرها، وتقتطع الحكومات العربية (وغير العربية) مبالغ هامة تنفقها على شراء التجهيزات القمعية وعلى رواتب عشرات الآلاف من عناصر الشرطة، بمختلف أنواعها، بينما تتعلّل بالأزمة لإلغاء دعم المواد الغذائية والطاقة والأدوية، وتُوظّف كل الأنظمة العربية الآلاف من عناصر الشرطة والدَّرك سنويا، ولكنها ترفض توظيف من يُعَوّض المُمَرّضين والمُدَرّسين والموظّفين الذين تقاعدوا…   

خاتمة:

يواجه النظام الإقتصادي الليبرالي العالمي تحدّيات تفرض عليه التّحول من هيمنة القُطب الواحد (الأمريكي) إلى عالم متعدد الأقطاب (أمريكا والصين وروسيا، وربما الهند…)، تمتلك ضمنه الصّين نفوذًا كبيرًا، فهي أقوى منافس يُواجه الولايات المتحدة، حتى في بعض مناطق النفوذ الأمريكي…  

أعلن “باراك أوباما”، سنة 2012، إن الصين تُشكل تهديداً رئيساً (للولايات المتحدة)، وكرّس جهوده لتطويق الصين، وكذلك روسيا، التي تُحاصرها قوات حلف شمال الأطلسي، ومنظومات الصواريخ المتطورة، وانتهج أوباما سياسة استعداء روسيا والصين في الوقت نفسه، ما أدّى إلى تسريع عملية التقارُب بين روسيا والصين، وقد يصل ذلك إلى مرتبة التّحالف، ثم تكثفت الإتصالات بين كافة الأنظمة التي تستعديها الولايات المتحدة، ومنها كوبا وفنزويلا وإيران وكوريا الشمالية وسوريا وغيرها، كما حصل تطور كبير في مشروع التقارب الأوروبي الآسيوي (أوراسيا)، أي بين روسيا في طرف أوروبا وجيرانها الآسيويين وفي طليعتهم الصين.

طورت روسيا علاقاتها مع الصين والكوريتين وفيتنام والجزائر وسوريا والعديد من الدول الأخرى، تحسُّبًا لتصعيد الموقف الأمريكي المعادي لروسيا، لتتّضح بذلك معالم قُطْبَيْن يتحكّمان بمصير العالم، بدل القطب الأمريكي الواحد، وهما قُطْبان رأسماليّان يتنازعان على الزعامة، ويختلفان في أسلوب الحكم، فدَور الدّولة كبير في روسيا والصّين، فيما تلعب الشركات الأمريكية الخاصة ( وهي شركات عابرة للقارات) في مجالات النّفط وصناعة الأسلحة، والتكنولوجويا وغيرها الدور الأول في الولايات المتحدة.  

من جهتها، ضاعفت الصين من الإنفاق على البحث والإبتكار والتطوير حوالي 12 مرّة بين 2000 و2018، وتحتل الالمرتبة الأولى في طلبات براءات الإختراع، خصوصًا في مجالات تقنية المعلومات والإتصال، لتصبح شركة “هواوي” الصينية شركة رائدة في مجال تطوير تقنيات الإتصالات.

تمكنت الصين من مُراكمة الخبرات العلمية، ومن تطوير الطاقة البديلة (الطاقة الشمسية) وتقنيات الإتصال وما يُسمّى “الذّكاء الإصطناعي”، والتكنولوجيا المتقدمة، فيما تحاول الولايات المتّحدة وقف التقدُّم التكنولوجي الصيني، فمنعت انتشار تقنية الجيل الخامس للإتصالات “جي 5” الصينية ومنعت استيراد اللقاح الصيني والروسي ضد فيروس كورونا، والتّضحية بآلاف المُصابين بوباء “كوفيد 19”.  

ما مكانة الدول العربية في هذه الصراعات؟ فالدول العربية تحتل منطقة استراتيجية، بين ثلاث قارّات، وتمتلك العديد منها المحروقات، ما يجعلها قادرة على الإستثمار لتطوير البنية التحتية واقتصاد الإنتاج، وتطوير وتأهيل القوى العاملة، من أجل تحقيق النهضة الإقتصادية، لكن الدّول النفطية تنفق المال لشراء السلاح الذي لم يتجه لتحرير فلسطين، بل لتخريب البلدان العربية، ولتمويل المجموعات الإرهابية في ليبيا وسوريا والعراق واليمن وأفغانستان وغيرها.

اصطفّت معظم الأنظمة العربية وراء الإمبريالية الأمريكية، ضد بلدان عربية أخرى أحيانًا، وتُردّد وسائل الإعلام الحكومي العهربي الدعاية الأمريكية والأوروبية، لتُساهم في تضليل الجمهور العربي وفي تبعية الأنظمة واصطفافها وراء الإمبريالية الأمريكية…

 لا تعتزم أنظمة الدّول العربية، ولن تتمكن من استغلال الصراع لصالحها، لأن معظم أنظمتها عميلة للإمبريالية الأمريكية ومُطَبِّعَة مع الكيان الصهيوني، دون أي مقابل (مصر والأردن ومَشْيَخات الخليج والسودان والمغرب…)، وليس لمعظم الأنظمة العربية برامج مستقبلية وطموحات، بعد احتلال العراق وتدمير ليبيا وسوريا واليمن، ودعم الإخوان المسلمين (عبر قَطَر وتركيا) في تونس والمغرب. 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.