المؤرخون: بين تحرير التاريخ وترويج الفتنة، عادل سماره

بداية، وإن كنت أُقرُّ بأن التاريخ بما هو سجل الأحداث وخاصة الصراع الطبقي وكذلك القومي (والقومي جوهريا طبقي) وبأن التاريخ واحد وإن جادل البعض بأنه ما من  تاريخ مشترك للعالم، لكن لا يسع المرء التجاوز عن تشويه التاريخ وحتى نفي الكثير من حقائقه وذلك لأهداف إيديولوجية، قومية، فئوية إثنية…الخ.

ومن هنا، يجد المرء نفسه أمام إشكالية طالما ليس مؤرخاً بمعنى:

كيف يقرأ ما يكتبه المؤرخون لا سيما في قضايا يناقض فيها بعضهم بعضاً.

وقد يكون المدخل المقبول في هذا السياق هو تحكيم العقل والبحث عن المصداقية الأخلاقية في خدمة البشرية والتي يمكننا تبسيطها بالقول: التزام الموقف التقدمي.

أقدم هنا حديثين لمؤرخين عراقيين وعلى قنوات عراقية:

الأول للمفكر والمؤرخ فاضل الربيعي المشتبك مع الاستشراق الأركيولوجي الغربي والصهيوني

(وحتى مع العرب الذين يأخذون ما يُقال في الغرب كمسلَّمات، أو يردون ضد الربيعي بكيدية  لا تقف على أرضية لا البحث ولا التخصص بل على قصاصات الصحف وبطولات الفيس بوك) رغم كل ما اصبح غاية في الوضوح من تبريرات الغرب لعدوان الطبفات الحاكمة فيه على العالم والعرب والعراق خاصة، اقصد تصنيع مزاعم واسباب للعدوان ثم انكشافها وحتى شبه توضيح من صانعيها. وعليه، إذا كان بوسع هذا الغرب تمرير كل هذه الأكاذيب على أحداث تدور أما أعين وعقول البشرية فما بالك بأحداث قبل ألفيتين أو ثلاثة.

ودون تفصيل، فالمؤرخ فاضل الربيعي يعطي معظم جهده تنقيبا وتثبيتاً لحقيقة ان فلسطين لم تكن وطنا ولا مكاناً لا لبني إسرائيل  ولا لليهود الذين يزعمون أنهم امتداد لبني إسرائيل كقبيلة عربية اساساً وبأن اليمن هي المكان لبني إسرائيل وبأن اليهود ليسوا سوى ديناً لا أمة وبالتالي لا قومية واحدة لهم حتى لو جُمعوا في ثكنة عسكرية نووية تحتل فلسطين.

وأُضيف هنا بأن الكيان الصهيوني هو نسخة عن الأمم المتحدة من حيث الأصول القومية لهؤلاء المستوطنين المستجلبين من ما يزيد على مئة أمة ليتم تجميعهم كقطع غيار لسيارة مكونة من مئة نوع ومقاسات السيارات.

بالمقابل، أضيف هنا فيديو لمؤرخ عراقي ايضا سهيل زكار وعلى قناة عراقية، كما أن له عدة فيديوهات، مركزها وهدفها التحريض، وإن ببعض الخبث، ضد الخليفة عمر بن الخطاب، ناهيك عن معاوية. فمن جهة يزعم أن عمر بن الخطاب تآمر مع ابو بكر  ضد علي كي لا يكون علي خليفة الرسول. كما يُسخِّر جزءاً كبيرا من حديثه عن آخر ايام معاوية!

عجيب كل هذا الاهتمام والتفصيل!

والإمام علي لم يكن شيعياً، والصراع الذي حصل ما بعد عثمان لم يكن شيعيا سنيا ولا دينياً بل صراع سياسي، وفي السياسة لا يبقى سوى القوة المجردة والعمياء، ولا أدل على هذا من اغتصاب فلسطين وحتى العراق نفسه اليوم.

لكن هذا المؤرخ مسكون بالتحريض الطائفي اليوم، وهنا الخطورة. وكأن العراق المحتل من متعدد بما في ذلك احتلال مشترك طائفيا بين قيادات  الشيعة والسنة وتلاقيهما على تقاسم الفساد واستدعاء المحتل. وكما يبدو أن الرجل في سبعينياته، فهل يمكننا تقدير كم وضع من تخريب تاريخي وتحريض فتنوي  في هذه الأمة طوال حياته؟

لا ينقص العراق تحريض طائفي، كما لا ينقص الأمة العربية إشغالها بالصراع الطائفي بينما هي تحت تنوع احتلالات بين استيطاني واحتلال بالتبادل اللامتكافىء والتبعية والكمبرادور المحلي !!!

فاي علم وتاريخ يمكننا استنتاجه من آخر ايام معاوية؟ أو أن عمر تآمر على علي؟ ومن قال أن شيعة اليوم هم امتدادا لعلي أو سنة اليوم امتداد لعمر!

إن هذا الزعم بالامتداد سواء مخفي أم ظاهر هو مثيل زعم امتداد يهود كندا لبني إسرائيل قبل 3000 سنة، أو مزاعم معظم الملوك العرب بأنهم من سلالة الرسول. وإذا كان هؤلاء جميعاً اشرافا ومن السلالة العلية فلماذا كل هذا التطبيع والدنسّ.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.