الديمقراطية الاقتصادية مقابل الديمقراطية السياسية، جوزيف مسعد

تُعرّف الحكمة الشائعة الديمقراطية السياسية في الدول الرأسمالية التي تسيطر عليها الشركات بأنها تعني الانتخابات السياسية والحقوق السياسية، وتتجاهل القرارات المتعلقة بأهم القضايا التي تؤثر على حياة الشعوب (الغذاء والمسكن والعمل والصحة والتعليم والثروة). وعلى النقيض من ذلك، فإن أساس الديمقراطية الاقتصادية هو حق المواطنين في التحكم بالتوزيع العادل والمتساوي لثروة البلاد فيما بينهم، وليس فقط توزيعها بين القلة غير المنتخبة، أو حتى المنتخبة، من الطبقات الثرية غير العاملة، والتي بدورها تدير الاقتصاد بطريقة دكتاتورية.

مع امتداد نهاية الاستعمار الرسمي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أدرك معظم القادة الآسيويين والأفارقة الذين ناضلوا من أجل الاستقلال بأن تحقيق الاستقلال السياسي عن الاستعمار لا يمكن أن يكون ذا مغزى، إلا إذا أدى أيضاً إلى الاستقلال الاقتصادي عن الاستعمار الجديد، أو النيو-كولونيالية، والذي بدونه ستبقى بلادهم خاضعة للدكتاتورية الاقتصادية الإمبريالية. فقد سعى قادة مثل كوامي نكروما في غانا، وأحمد سوكارنو في إندونيسيا، وجمال عبد الناصر في مصر، من بين كثيرين، إلى تحقيق مثل هذا الاستقلال والديمقراطية الاقتصادية.

كان الاتحاد السوفييتي من أكبر الداعمين لهذه الجهود من أجل “تطوير” القدرة الاقتصادية للدول المستقلة، بوصفها السبيل الوحيد لإعادة بناء المجتمعات والاقتصادات التي دمرها الاستعمار الأوروبي لدول “ليبرالية” مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا ما قبل الفاشية وهولندا، ودول أقل ليبرالية مثل ألمانيا والبرتغال وبلجيكا وإسبانيا وإيطاليا الفاشية. بالإضافة إلى ذلك، سعى القادة الناشئون في أمريكا اللاتينية بعد الحرب العالمية الثانية إلى سياسات مماثلة لتحقيق قدر من الديمقراطية الاقتصادية، من خاكوبو أربينس في غواتيمالا، إلى جواو غولارت في البرازيل، وفيديل كاسترو في كوبا، على سبيل المثال لا الحصر.

اكتسبت التنمية الاقتصادية وتأميم الموارد زخما، وبدأت في إنقاذ البلاد من أهوال النهب الاستعماري الأوروبي عبر تطوير مجالات التعليم والرعاية الصحية، وإعادة توزيع الثروة الوطنية والقضاء على الفقر وتنمية القدرة الاقتصادية والإنتاجية لهذه البلدان. وقد سعت الولايات المتحدة لتقويض هذه الجهود الواحدة تلو الأخرى، حيث رتبت في عام 1953 للإطاحة برئيس الوزراء محمد مصدق، الذي سعى لتأميم صناعة النفط وإعادة توزيع ثروته على الشعب الإيراني، وأعادت الشاه المخلوع إلى عرشه.

وسرعان ما تبع ذلك الإطاحة الأمريكية بأربينس في غواتيمالا الذي حاول فقط إعادة توزيع جزء من الأراضي لمعالجة الفقر المدقع لأغلبية الفلاحين في البلاد. وفي عام 1957، نسقت الولايات المتحدة مع العاهل الأردني الملك حسين انقلاب القصر الذي أطاح برئيس الوزراء المحبوب سليمان النابلسي، الذي سعى إلى إنهاء الاستعمار السياسي والاقتصادي في البلاد. وفي عام 1961، رتبت الولايات المتحدة لاغتيال باتريس لومومبا في الكونغو، الذي سعى للحصول على الاستقلال الاقتصادي واستبدلته بالطاغية اللص موبوتو وكيلا لها. وفي عام 1964 أطاحت الولايات المتحدة بنكروما في غانا، كما قامت عام 1965 بالإطاحة بسوكارنو ورتبت لمذبحة إبادة جماعية لما يزيد عن مليون إندونيسي. وبينما كانت لا تزال تقوم بغزوات واسعة النطاق في جنوب شرق آسيا، أطاحت الولايات المتحدة بشكل سافر بسلفادور أييندي (الليندي) في تشيلي في عام 1973، مدشنة بذلك عصر الرأسمالية النيوليبرالية.

إن ما حاربته الولايات المتحدة منذ أوائل الخمسينيات وما زالت تحاربه حتى اليوم، هو أي محاولة لإحلال الديمقراطية الاقتصادية في العالم الثالث، فضلا عن معارضتها لتحقيق الديمقراطية السياسية في جميع أنحاء العالم الثالث، نتيجة خوفها الواقعي من انتصار الأحزاب الشيوعية أو الاشتراكية المحلية الملتزمة بالديمقراطية الاقتصادية وقيام الاتحاد السوفييتي بدعمها. 

فبعد الإطاحة بأييندي، تم تكليف الاقتصاديين النيوليبراليين من جامعة شيكاغو، من أتباع ميلتون فريدمان، بالتحكم بالثروة الاقتصادية في تشيلي وقوضوا كل سياسات أييندي الاشتراكية. وقد كانت مصر في ظل نظام أنور السادات هي التجربة النيوليبرالية التالية التي قوضت الكثير من الإنجازات الاقتصادية لعبد الناصر. وقد تهاوت دولة الرفاه الاجتماعي مثل أحجار الدومينو في جميع بلدان العالم الثالث، الواحدة تلو الأخرى، خاصة بعد اعتلاء رونالد ريغان ومارغريت تاتشر السلطة وفرض ما يسمى بتوافق واشنطن عبر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، مما تطلب سياسات التقشف الاقتصادي وإلغاء القيود وتحرير التجارة وخصخصة الأصول العامة وثروات الشعوب.

لكن هذه التحولات لم تتم بشكل سلمي، فقد استمرت شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية في النضال من أجل الديمقراطية الاقتصادية طوال السبعينيات. وقد نجحت عدة محاولات ثورية في البداية: في إثيوبيا عام 1974، وعبر جنوب شرق آسيا عام 1975، وفي المستعمرات البرتغالية الأفريقية في أنغولا، وموزمبيق، وغينيا بيساو في عام 1976، وفي عام 1978 في أفغانستان وإيران، وفي عام 1979 في نيكاراغوا، وفي عام 1980 في روديسيا/ زيمبابوي. وقد تم القضاء على ثورات أخرى في الثمانينيات بقسوة، كما حصل في السلفادور وغواتيمالا، لدرجة أنهم لم يتعافوا أبداً حتى اليوم. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991، لم تعد هناك قوة متبقية يمكنها دعم أولئك الذين سعوا لتحقيق الاستقلال الاقتصادي من نهب رأس المال الإمبريالي.

أما على المستوى الأيديولوجي، فقد أغرقت القوى الليبرالية الإمبريالية العالم في خطابها الليبرالي لحقوق الإنسان، وهو سلاح تم تطويره في البداية لمحاربة الاتحاد السوفييتي ودول العالم الثالث التي سعت إلى الديمقراطية الاقتصادية والاستقلال. ومنذ سبعينيات القرن الماضي، عزز الغرب هذا الخطاب بآلاف المنظمات غير الحكومية التي يمولها ويديرها الغرب، والتي حلت محل المنظمات السياسية والعمالية الشعبية المحلية في جميع أنحاء العالم على أنها “المجتمع المدني” المحلي برعاية الغرب. لم تتوقف هذه المنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان أبداً عن إدانة انتهاكات “حقوق الإنسان” للأنظمة المناهضة للاستعمار التي دفعت من أجل الديمقراطية الاقتصادية، بينما ظلت صامتة في الغالب على انتهاكات الأنظمة النيوليبرالية التي حلت محلها للحقوق الاقتصادية للمواطنين وإلغائها.

تماشياً مع الاقتصاد الرأسمالي النيوليبرالي، فإن تعريف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لحقوق الإنسان بالطبع يستبعد الحقوق الاقتصادية تماماً، بينما تقوم أدواتهما الاقتصادية الرئيسة – البنك الدولي وصندوق النقد الدولي – بالتسبب بالفقر المدقع في جميع أنحاء العالم. وذلك أنه إن لم تستبعد الولايات المتحدة الجانب الاقتصادي من تعريفها للديمقراطية، لتم وضعها هي نفسها على رأس منتهكي حقوق الإنسان عبر حرمان شعبها من الرعاية الصحية المجانية الشاملة والتعليم العالي المجاني وحضانات الأطفال النهارية المجانية، والحق في العمل والحق في السكن. ومثل هذه الأمور “الهامشية” لا تجد أي حيز لها في سردية منظمات حقوق الإنسان الغربية لما تسميه “حقوق الإنسان”.

كان انهيار الاتحاد السوفييتي الإنجاز الرئيس للسياسات الإمبريالية والنيوليبرالية، وتم فرض هذه الأخيرة على الفور على العالم الاشتراكي السابق، ما أدى إلى إلغاء استقلاله الاقتصادي عن الاستغلال الرأسمالي وهو ما أدى على الفور لإفقار غالبية شعوب أوروبا الشرقية. نتيجة لذلك، وبعد 1990-1991، أصبحت الدعوة الغربية والتبشير النشط بالديمقراطية السياسية ممكنة حيث ضمن الغرب بأنها لن تؤدي إلى ديمقراطية اقتصادية. فنظراً لعدم وجود قوى متبقية تتبنى هدف الديمقراطية الاقتصادية يمكنها الفوز في انتخابات حرة، بدأ الغرب في دعم الديمقراطية السياسية عبر أوروبا الشرقية وحتى في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية بقوة المال المحلي والدولي.

هذا بالطبع لا يعني أن الدعم الغربي للديكتاتورية قد تضاءل، فدعمهم المذهل في السنين الأخيرة للإطاحة بالحكومات المنتخبة في فنزويلا، ناهيك عن حكومتي بوليفيا والإكوادور، حيث فاز المتنافسون الداعمون للديمقراطية الاقتصادية على الرغم من التدخل الغربي، شاهد على ذلك. لكن حدة المعارضة الغربية للديمقراطية السياسية في جنوب الكرة الأرضية خفتت بشكل ملحوظ. ومن الأمثلة على ذلك نهاية نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في عام 1994، والذي سُمح به لأنه لا يمكن إلا أن يؤدي إلى “الديمقراطية السياسية”، ولكن ليس إلى إعادة التوزيع الاقتصادي للثروة، وهو ما أصر الغرب على أنه لا يمكن أن يكون جزءاً من الصفقة.

لقد أصبح هذا الدعم للديمقراطية السياسية في الجنوب ممكناً لأنه، كما هو الحال في الولايات المتحدة نفسها، يمكن للنخب المالية المحلية بمعية دعم الولايات المتحدة التلاعب بالانتخابات المحلية، بما يضمن دائماً أن يكون المنتخبون وكلاء ملتزمين بالنيوليبرالية الجديدة ومصالح الإمبريالية الغربية. في هذا السياق، وأثناء الانتفاضات العربية عام 2011، لم تحارب الولايات المتحدة بشدة لإبقاء كل الطغاة التابعين لها في السلطة، وقررت إعطاء فرص للبدائل المحتملة في تلك البلاد، حيث أمكنها تحديد قوى متنافسة ملتزمة بالنسخة الأمريكية من الديمقراطية السياسية والنيوليبرالية و”حقوق الإنسان”، وغير ملتزمة بالديمقراطية الاقتصادية.

بمجرد أن أزالت الولايات المتحدة القضية المركزية للديمقراطية الاقتصادية والاستقلال الاقتصادي فعلياً من الأجندة السياسية، أصبحت ثقافة الليبرالية الغربية وحقوق الإنسان تهيمن على الخطاب السياسي لنخب العالم الثالث ومثقفيه، ناهيك عن أوروبا الشرقية. يدرك الطغاة المحليون والنخب المالية المدعومة من الغرب أنه في عصر النيوليبرالية والفقر الذي أحدثته، وغياب الرشاوى الاقتصادية للشعوب، يمكنهم فقط السماح بعرض مسرحي للتمثيل الديمقراطي السياسي، ولكن بدون التزام جاد بـ”حقوق الإنسان”. لكن غالباً ما تعارض المنظمات غير الحكومية المدعومة غربياً هذا الخطاب من خلال طرح نسخ مختلفة من “حقوق الإنسان” (اقرأ الحقوق السياسية) الليبرالية التي تقرها الإمبريالية، على أنها ضرورية. 

وهذا ما تم إدراجه في جدول الأعمال التصادمي أحياناً بين المنظمات غير الحكومية الممولة من الغرب، والمرتبطة عضوياً بالمعارضات الليبرالية المحلية والنخب المالية التي تدعمها، والخدم المحليين للأنظمة الاستبدادية المدعومين من الغرب وحلفائها من النخبة. وفي واقع الأمر، حتى الاشتراكيون السابقون في العديد من هذه البلدان غدوا يطالبون بـ “حقوق الإنسان” والديمقراطية “السياسية”، والتي يقصدون بها “انتخابات حرة”، على أنها الترياق الرئيس لهزيمة الديكتاتورية والدمار الاقتصادي.

أما الهند، التي غالباً ما يقدمها الليبراليون الغربيون على أنها نموذجاً ديمقراطيا سياسيا ليبراليا يحتذى، فلم تحقق سوى فقر مدقع وديكتاتورية اقتصادية لشعوبها وقمع بوليسي هائل للفقراء والمساكين. كما أن الغرب الليبرالي، لا سيما بعد تطبيق السياسات النيوليبرالية في البلدان الغربية والقمع الهائل الذي ولدته في السنوات الأخيرة وفضح “الديمقراطية” الأمريكية، باعتبارها مهزلة تسيطر عليها الشركات والنخبة، بالكاد يظهر كمثال يحتذى أيضاً، فإن القوانين واللوائح التي وُضعت خلال حقبة دولة الرفاه الاجتماعي، والتي تتآكل، هي فقط التي تحافظ على بعض المساءلة التي لا تزال قائمة في هذه البلدان.

على النقيض من ليبراليي ما يسمى بـ”الربيع العربي”، فإن ما يضطهد المصريين أو التونسيين ليس عدم مقدرتهم على انتخاب أمثال حسني مبارك أو زين العابدين بن علي بحرية، كما لا يشعر الأردنيون بالاضطهاد لأنهم لا يستطيعون انتخاب ملكهم أو رئيس الوزراء.. ما يضطهد غالبية شعوب العالم هو فقرهم، وغياب التعليم والرعاية الصحية الميسورة التكلفة، وانعدام فرص العمل والسكن اللائق. ولا أشك في أنه إن جرت انتخابات ليبرالية حرة، كان سيتم انتخاب مبارك وابن علي وملك الأردن بحرية من قبل الشعب، تماماً كما يتم انتخاب أعداء الأغلبية الفقيرة بانتظام في الغرب، وخاصة في الولايات المتحدة، نتيجة تمويل النخب المالية المحلية والغرب بانتخابات كهذه.

إن ما حققته الإمبريالية الغربية في العقود الأربعة الماضية هو إزالة البند الوحيد من جدول الأعمال الذي يمكن أن يعالج اضطهاد غالبية شعوب كوكبنا – أي الديمقراطية الاقتصادية – واستبداله بدعوات (لا تشكل خطراً على نهب أثرياء العالم لثروات الشعوب) لـ”انتخابات حرة”، يسيطر عليها المال ومفهوم غير متماسك عن “حقوق الإنسان” الفردية التي تقرها الإمبريالية والتي تم تصميمها لتعزيز الديكتاتورية الاقتصادية ودحر محاولات تقويضها. 

يتظاهر السذج والمستفيدون من هذه الأجندة دائماً بأنهم يدافعون عن الشعوب، ولكنهم في الواقع يدافعون عن الجميع باستثناء الأغلبية الفقيرة. المهمة الأولى أمام أولئك الذين يعارضون الدكتاتورية الاقتصادية النيوليبرالية حقاً ويحاربون الوضع الراهن هي وضع الاستراتيجيات، والعمل على إعادة الديمقراطية الاقتصادية إلى مركز النضال العالمي.

:::::

موقع عربي21، 19 أبريل 2021