المغرب العربي: نقاش حول الأحداث الأخيرة في فلسطين المحتلة: (1) د. فريد العليبي، (2) رد وتعليق ابراهيم أحنصال ومحمد علي العربي

(1) الدكتور فريد العليبي (حزب الكادحين، تونس)

(2) رد وتعليق ابراهيم أحنصال ومحمد علي العربي

● ● ●

لقد أطل علينا، يوم 17 ماي 2021، الدكتور فريد العليبي (حزب الكادحين، تونس) بتدوينة على صفحته في الفيسبوك تتناول الأحداث الأخيرة في فلسطين المحتلة.

السيد فريد العليبي يؤكد غير مرة أن الصواريخ هي إما تابعة لحركة «حماس» أو حركة «الجهاد الإسلامي». أما القوى السياسية الاخرى فلم يبلغه خبر عن صواريخها!! وهو يمعن، خلال نقاش تدوينته، في التأكيد على عدم وجود خبر يجزم بغير ما يقول فيما يتعلق بالصواريخ!!

السيد فريد العليبي، يذكر قراءه، في ذات الوقت، كيف أن حركة «حماس» وحركة «الجهاد الاسلامي» هما حركتان إسلاميتان تدعمهما قوتان خارجيتان هما على التوالي دولتا قطر وتركيا بالنسبة لـ«حماس»  وإيران فيما يخص «الجهاد». لكن هل فعلا أرسلت قطر أو تركيا رصاصة واحدة أو قدمت صاروخا أو خبرة عسكرية أو تدريبا قتاليا ليقاوم به العدو الصهيوني؟ هناك تحويلات مالية إلى غزة بعلم العدو وتحت إشرافه، أما السلاح والخبرة العسكرية فهي إيرانية وسورية ومن حزب الله اللبناني، هذا حسب شهادات وتصريحات قادت الفصائل الفلسطينية.  
وينتهي صاحبنا إلى الاستنتاج التالي: ليس هنالك إجماع بين الفصائل الفلسطينية على ”المواجهة الصاروخية”، ودليله أن: “كتائب ابو على مصطفى أصدرت بلاغا وحيدا يوم 10 ماي قالت فيه أنها أطلقت صواريخا ثم توقفت عن ذلك”. لكن بالعودة مثلا إلى صفحة كتائب أبو علي مصطفى نجد: “أعلن الناطق باسم كتائب الشهيد أبو علي مصطفى “أبو جمال”، اليوم الثلاثاء [11 ماي 2021]، أن الكتائب قد قصفت مدينة عسقلان المحتلة برشقات صاروخية مكثفة وتجمع لآليات العد الصهيوني وعدد من مواقعه على حدود القطاع”. وفي بلاغ آخر: “أعلنت كتائب الشهيد أبو علي مصطفى الجناح العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، مساء اليوم الأربعاء [12 ماي 2021]، عن أنها ستوجه رشقة صاروخية لمدينة بئر السبع الليلة، قائلةً “ولينتظر المحتل الرد”، وذلك في إطار معركة “سيف القدس” والمواجهة المستمرة مع الاحتلال وتوسيع دائرة الاستهداف رداً على جرائمه. ويأتي ذلك، في انسجام تام وتنسيق عالٍ بين فصائل المقاومة الفلسطينية داخل غرفة العمليات المشتركة للرد على جرائم الاحتلال”.
لكن صاحبنا، ودون أن يذكر إن كانت هنالك قوة سياسية عارضت تلك ”المواجهة الصاروخية“ فيؤكد أنها “ليست محل إجماع”، ثم يتمادى في الحديث أنها تعود تلك ”المواجهة الصاروخية“ بالضرر على الشعب الفلسطيني بوجه عام، وفي غزة بوجه خاص (دمارا وشهداء وجرحى)!! كما لو أن العدو الصهيوني إنما يبيد الأطفال والنساء ويلحق الدمار الشامل وبقتلع الشعب من أرضه كرد فعل طارئ على “المواجهة الصاروخية”، وليس عقيدة عدوانية ممنهجة تعكس طبيعة ووظيفة العدو.
ونجد من المفيد أن نتناول هذه النقطة بمزيد من التوضيح. لقد كان المؤتمر الشيوعي العالمي السادس (1928) قد نبه في «أطروحات قي الحركة الثورية في المستعمرات وأشباه المستعمرات» إلى أهمية ما يلي:
((فقرة 10. يجب أن نميز في البلدان المستعمَرة بين المستعمرات التي استخدمتها البلدان الراسمالية كمستوطنات لفائض سكانها فأصبحت بذلك امتدادا لنظامها الراسمالي الخاص (أستراليا، كندا وغيرهما) وبين المستعمرات التي يستغلها الإمبرياليون كأسواق ومصدر مواد أولية ومجال استثمار رؤوس المال أساسا.
ليست عظمة أهمية هذا التمييز تاريخية فحسب بل اقتصادية وسياسية أيضا. لقد أصبحت المستعمرات من النوع الأول من بلدان التاج؛ أي أجزاء من النظام الإمبريالي بحكم تطورها العام وتتمتع بحقوق مساوية لتلك التي للدولة الاحتكارية أو تكاد تكون كذلك. وقد أعاد التطور الراسمالي فيها إنتاج نفس التركيبة الاجتماعية التي في الدولة الاحتكارية صلب السكان البيض المهاجرين بينما أبيد السكان المحليون إلى حد كبير؛ لا يتعلق الأمر هنا بنظام استعماري على الصورة الموجودة في المستعمرات من النوع الثاني.))
ونعتقد أن محتوى الفقرة العاشرة المذكور آنفا، إنما ينطبق على الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، بمعنى أنه الاتجاه الرئيسى لتطوره هو بالفعل الاتجاه نحو تحيق نجاح كامل او هام في ”ابادة السكان الأصليين“. لكن، كل الشعوب المستهدفة لهذا النوع من الاستعمار تستشعر هول التهديد المحدق بها وتشرع في صده بما تملك من قوة ورباطة جأش. وكقاعدة عامة تسجل تلك الشعوب ملاحم عظيمة خلال مقاومة ذلك النوع من الاستعمار. كذلك متذ عقود، كان الشعب العربي في فلسطين قد شرع في رسم فصول متتالية من ملحمته العظيمة للذود عن وجوده.

Brahim Ahensal, [18.05.21]


إن صاحبنا يبذل جهدا في إبراز فارق بين المواجهة ”الصاروخية“ وغيرها من أشكال المواجهة. تماما مثلما يجهد نفسه لإقناع قرائه أن القوى السياسية الإسلامية كانت وحدها التي اعتمدت ذلك الشكل من المواجهة، في حين اعتمدت بقية القوى السياسية أشكالا أخرى. لكن، رغم أن مقصده هذا لا يمكن له ان يجزم فيه بما يريد ايحاءه، فإن صاحبنا يريد أن يقنعنا بأن ”المواجهة الصاروخية“، التي “انفردت“ بها القوى السياسية الاسلامية، على حد زعمه، قد ألحقت ضررا كبيرا، على الجماهير العربية في كامل فلسطين بوجه عام، وفي غزة بوجه خاص.
إن الاستناد إلى ”المواجهة الصاروخية“ في تحديد طبيعة القوى السياسية التي تواجه حاليا قوات الكيان الصهيوني العسكرية، هو خطأ نظري وينتهي إلى نتائج سياسية خرقاء.
فلا تكمن أهمية المواجهة الحالية في عدم تخلف أية قوة سياسية وطنية ثورية أو تقدمبة عن إطلاق صواريخ، ولا في ضمان احتياطي جدي من الصواريخ، ولا حتى في تحقيق ”إجماع“ بين القوى السياسية على اعتماد شكل بعينه من أشكال النضال.
إنما تكمن أهمية المواجهة الحالية في كونها، بجميع أشكال النضال المستخدمة حاليا، جرَّت إلى النضال السياسي الوطني الثوري مدنا وقرى بأكملها في فلسطين، وأثارت تعاطفا ملموسا واستنهاضا متزايدا في صفوف الجماهير في الأقطار العربية وغير العربية أيضا.
إذن، السؤال الحقيقي، ليس أن نتساءل عن علاقة “المواجهة الصاروخية“ بالانتخابات المعطلة، مثلما يحلو لصاحبنا الدكتور أن يتساءل بأريحية، وإنما السؤال: كيف يمكن تعميق المواجهة الجماهيرية في فلسطين والاقطار العربية وضمان تواصلها واتساعها؟
فالشيوعي الحق، يعلم أن النزاع القومي يمكن أن يشتعل بأتفه الأسباب المباشرة، تماما كما يمكن ان تثيره حتى حركات سياسية برجوازية ليبرالية لها رصيد كبير من الخيانات. لكن، عند تفجر النزاع، سيكون من الخطأ، حينئذ، أن يقتصر نشاطنا في عرض باهت لذلك الرصيد من الخيانات، وإنما، في السعي الدؤوب وبأشد تصميم حتى يجري كشف المحتوى الحقيقي للقوى السياسية البرجوازية والبرجوازية الصغيرة، حتى بجري سحب الجماهير من تحت نفوذ تلك القوى، التي كانت عند انفجار النزاع، عالية التنظيم، قوية العدة والعتاد، ولها صلات خارجية قوية. لكن لا يمكن إنجاز هذه المهمة دون الانخراط في المواجهة الحالية وتجذيرها، وأن يكون هنالك انتباه وحذر حتى لا تستغل تلك القوى البرجوازية ما يوجه إليها من نقد فتؤلب الجماهير على منتقديها بصفتهم يعارضون ضرب الكيان الصهيوني.

فصاحبنا، ينسى، أن الجماهير الغفيرة في فلسطين إنما هي تحت النفوذ الكامل تقريبا للقوى السياسية البرجوازية منذ عقود بأكملها.

Brahim Ahensal, [18.05.21]
النص المشترك مع محمد علي العربي وهو من تونس.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.