حرب ايار: حدث وقراءات واستثمارات، عادل سماره

  • مؤشرات على خلخلة سيادة الكيان

(ملاحظة: هذا المقال يتضمن فيديو عن الموضوع ، والذي رفضت سلطة اليوتيوب وضعه على موقعي في اليوتيوب).

منذ حرب الاستنزاف وحرب أكتوب/تشرين وحرب 2000 وحرب 2006 وحرب 20214 وحرب 2021 لم يتوقف النقاش وحتى التضاد في اعتبارها او بعضا منها إنتصارات! وربما لكي نضع فاصلاً بين الموقفين اي:

·        اعتبارها انتصارات

·        واعتبارها هزائم أو شبه انتصارات أو عنتريات…الخ.

يستوجب هذا تعريف النصر.

يبدأ النصر بأن تقوم بالمقاومة بمعنى أن مجرد المقاومة هي نصر بدرجة أو أخر. والمقاومة كما يسميها ماو تسي تونغ “التجرُّؤ على النصر”. وعكسها كما اسميه “إستدخال الهزيمة”. ليس النصر فقط بإبادة العدو، ولو كان كذلك لما بقي في العالم سوى أمة واحدة!

بالمقاومة يكون نصرا عبر استيعاب العدوان والرد عليه وعدم التسليم به. ولذا يكون النصر نفسي سياسي ثقافي اقتصادي وقتالي ايضا.وبهذا المعنى، فإن ما حصل في غزة وفي القدس هو انتصار. ألم يقل عسكريو الكيان بأن عدم دخول غزة براً جعل العدوان بلا معنى! بل قال بعضهم إنها هزيمة؟ فهل دخل الفدائيون إلى بئر السبع؟ لا، ولكن مجرد الصد كان نصراً. هل حررت سوريا كل شبر؟ كلا بعد، ولكن ألم تنتصر سوريا رغم التضحيات؟ نعم.

إن نجاح المزج بين

·        حرب الشعب المسلح  في القدس والضفة

·        وحرب سلاح الشعب في غزة

هو متغير أساسي في طبيعة الصراع، وليرفض البعض تسميته نصراً.

كما أن الانتقال من حرب وهدنات عديدة إلى حروب عدة وهدنات قليلة هو متغير اساسي في تسخين الصراع وتطوره تدريجيا إلى الحسم لصالحنا.

صحيح أنه في حرب الفدائي ضد الانتحاري يُقدم بل يبذل  الفدائي تضحيات اكثر، ولكن العبرة في مؤشر الصراع الذي يبين أننا بعد أن كنا “أمة ملطشة” اصبح العدوان على قطاع غزة وحده أمراً مكلفا للكيان ومحفوف بالتردد.

إن الانتقال بالصراع من عدوان بلا كلفة إلى كتف يوازي كتف سقود بالضرورة إلى المبادئة من جانبنا. وكل هذه دروس ليست للفلسطينيين وحدهم بل للأمة العربية ضد حكامها حيث بدأت تستشعر بأن كرامتها وانطلاقها مُقيِّد بوجود الكيان والتبعية وهذا حافز هام للخروج على ما هو قائم.

لقد أكدت حرب 2021  حكم الجغرافيا في حالة الكيان بمعنى أن كل شبر في المحتل هو تحت طائلة صواريخ المقاومة. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن جغرافيا غزة المحدودة جدا قد أثبتت أنها إيجابية لحرب أو مقاومة غِوار المدن، وهذا يعني تكامل حرب الغوار والصواريخ.

خلخلة السيادة:

معروف أن اية دولة تعتبر نفسها صاحبة السيادة التامة على كل جغرافيتها. لكن مشاركة فلسطينيي المحتل 1948 في الحرب الأخيرة قد أكدت أن سيادة الكيان على ما تسمِّة “دولة الكيان” هي هشة وغير مكتملة ومقبلة على خلخلة أوسع.

كما أن تجنُّب مسيرة الأعلام الاستيطانية الدخول في القدس القديمة أي مجازا الحي العربي قد ضرب السيادة المطلقة للكيان إلى حد يمكننا معه القول بأن مشروع انتزاع السيادة من الكيان في اي شبر هو آلية تحرير ، وهذا يمكن ان يقود إلى فرملة توسع الكيان استيطانيا في اي شبر من المحتل سواء 1948 او 1967. ولذا، فإنني أرى الدفاع عن أراضي قرية بيتا التي قدمت اربعة شهداء ومئات الجرحى تماما كالدفاع عن الأقصى والشيخ جراح . وفي حال تقوية هذا الفهم وتحويله إلى مشروع وتوسيعه فإنه قد يقود الكيان إلى قرارات حمقاء ونزقة ومدمرة عليه.

لم يكن فشل نتنياهو وصعود بينيت سوى تأكيدا لتقاسم أو تبادل أدوار العدو، لكن المتغير هذه المرة هو ذهاب  كل واحد منهما إلى توريط الآخر، وهذا لم نألفه سابقاً في تاريخ اغتصاب فلسطين فهو طعنة لما يسمى “الإجماع الصهيوني” بل هو مستوى ما من التخاوُن.

إن حرب وانتصار 2021 قد فتحت الصراع على كامل فلسطين مما يوجب العودة إلى كامل الجغرافيا الفلسطينية وهذا يفتح على رافضي الانتصار.

مستدخلو الهزيمة:

يزعم معسكر استدخال الهزيمة ، بل يقتنع بعمق، استحالة الانتصار على الكيان وبالطبع على الإمبريالية. ولأن في اوساط هذا المعسكر من يزعمون بأنهم “يسارا” فهم في الحقيقة اليسار المطلوب لدى الإمبريالية والصهيونية، اي يسار الاستسلام ورفض المقاومة. لذا يتمسك هؤلاء ب تبخيس المقاومة، وخاصة منها التي لها انتماء او ارتباط ديني او دين سياسي، إنهم يشعرون بالغيظ من المقاومة وهذا فظيع!.

لذا، حين يحلل هؤلاء الصورة يصلون أحيانا إلى عدم ذكر المقاومة ويذهبون إلى مدى “كوزموبوليتي  بدل الانطلاق من الواقع المحلي” فيتحدثون عن المتضامنين وعن المفاوضات حصراً.

ينسى هؤلاء ان التضامن لم ينشأ إلا لأن هناك مقاومة، فمن كان سيدري بنا لولا وجود مقاومة. ومعسكر او محور المقاومة لا يتجاهل التضامن الأممي قط، ولكن لا يعتبر النضال محصور اً في  العلاقة مع المتضامنين، فهل تحل بي.دي.أس محل حرب الغوار والصواريخ والعمليات الفردية الجريئة؟

يصل فريق استدخال الهزيمة إلى رفض وصف ما يحصل في فلسطين بأنه صراع بل مجرد تطهير عرقي وفصل عنصري.

 ومن هنا يهرب مِن ذكر المقاومة ويسقط في أحابيل دُعاة الدولة الواحدة والدولة مع المستوطنين التي يروج لها العميل د. يحيى غدار، والراحل سلامه كيله، وماجد كيالي وعزمي بشارة وكل من يتعاون معهم! وذلك بمعنى:

إذا توقف الكيان عن التمييز ضد شعبنا، اي لم يعد يقل مثلا (عربيم لخلاخ-العربي وسخ) وإذا اعتبر الفلسطيني “مواطناً كاليهودي الصهيوني” وإذا توقف عن التطهير العرقي، فإن هذا نهاية المطاف.

لكن مستدخل الهزيمة لم يقل لنا بأنه في حالة قيام الكيان بهذين المطلبين، وهو لن يفعل، ولكن لنقل جدلاً بأنه سيفعل:

·        هل سيخرج الصهيوني من بيت الفلسطيتي في يافا؟

·        هل سيعيد الأرض لأهلها؟

ترى، ألم يفهم هذا ما حصل في الشيخ جراح وفي سلوان وما يحصل في قرية بيتا!

يتفاخر رافضو الصراع بأن هناك مثقفين وأكاديميين وفنانين ومثليين من العالم يرفضون التمييز العنصري. نعم شكراً لهم جميعاً وليس شكراً لدونية مستدخل الهزيمة تجاههم. هم في بيوتهم وأرضهم مكاتبهم ووظائفهم ولكن شعبنا في الشتات! تضامن هؤلاء وغيره عظيم، لكنهم لا يحل المشكلة. نحن نحبهم ونحترمهم وعرفناهم قبلكم.

بصراحة: عجيب حرصكم على كرامة الكيان. حريصون على كرامة الكيان. لم نتخيل أن يتبرع بشر بكرامته حتى لصديقه فما بالك لعدوه!

وهنا يسمح المرء لنفسه بدرجة من النقد الذاتي، بمعنى أن تضحيات شعبنا على اهمتيها وعُلُّوها لم تصل بعد إلى ثورة بل هي في حالة المقاومة، ولذا، بالمناسبة، كانت هناك فرصة لاستثمار الانتفاضة الكبرى 1987 للحصول على حكم ذاتي. وهذ يعني أننا بحاجة لجهد أعلى ونضال مستدام، ومن ضمنه عزل مستدخلي الهزيمة مثبطي العزيمة.

وها هو الاستثمار بالمفاوضات يتكرر اليوم مع إدارة الرئيس الأمريكي بايدن، ليؤكد أننا لا زلنا في مرحلة أو درجة المقاومة .

نعم صار لا بد من تجاوز كافة الشعارات الاستدخالية من طراز” دولة واحدة ودولتين، واستعادة المحتل 1967، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه والتفكير الجديد… الخ  فطبيعة الصراع تؤكد أن الأمر هو التحرير. والتحرير لا ينحصر في تحرير الأقصى أو باب العامود، لا يعني المسجد بل الوطن. لا بل إن الكيان ليقبل أن يصلي في الأقصى اي عربي من الصومال وحتى نينوى، لكنه لا يقبل استعادة شبر في حيفا. وهذا كلام موجه للمثقف المنشبك بإيديولوجيا الدين السياسي الذي يحاول حشر الصراع في الدين لا الوطن.

لا يتردد المرء في تصنيف وتجليس فذلكة مستدخلي الهزيمة ضمن موجة الاستثمار التطبيعي للحرب الأخيرة فمختلف أنظمة التطبيع تسارع من أجل لملمة هزيمة العدو وتدعو للتفاوض وحل الدولتين…الخ.

وبالطبع من العار أن يكون عربي وسيط بين عربي وعدو العرب. وهنا، لا ننسى بأن المطبعين قد عوضوا ، إلى حد كبير، لعنة الجغرافيا على الكيان والتي اشرنا لها اعلاه. فتوقف  العدو عن احتلال أرض جديدة، يُعوضه التطبيع بتوسع اقتصادي سياسي ثقافي نفسي (وحتى جنسي وعسكري كما يفعل حاكم الإمارات).  وإذا كان لدور المطبعين من وصف فليس سوى أنهم جزء متقدم من معسكر الثورة المضادة ضد فلسطين والأمة العربية باسرها. إنهم يرقعون وضعهم، ولكنهم في الوقت نفسه يؤكدون وجود الحبل السُرِّي بين بقاء عروشهم وبقاء الكيان. نعم أب واحد، ولادة واحدة ومصير واحد.إنه التذكير بلعنة الدولة القطرية.

نقلت هذه الحرب الكثيرين منا إلى حالة أعلى من الثقة بالنفس، أقصد نحن كعرب، وهذا يعيد النقاش في مصير الكيان لديه ولدينا. فالكيان لن يقبل بنا ابداً حتى حطابين وسقائين. أما نحن وبالتحرير فسنقبل بمن يبقى وبكل سماحة ولكن لا في بيوتنا ولا على أرضنا. حينها قد يكون خيام تبديل كما ذكرت في الفيديو، ولم أكمل وأي قد يكون بناء مساكن، وقد تدفع الثورة المضادة تكاليف البناء والتشغيل ونأمل حينها أن تكون النفطيات قد نفقت.

ولنختم ، وخاصة ضد رافضي الصراع بالتذكير بأشرف الحراك أي مسيرة العشائر الأردنية في عشرين ألف سيارة إلى عمان توقاً للمشاركة في النضال الفلسطيني!

لقد علمتنا التجارب بأن من لا يفهم روح الشعب وكرامته ليس منه. 

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.