فلسطين: تضامن أممي استثنائي، د.رضا مقني

مقالي الصّادر اليوم 8 جوان في صحيفة”الشارع المغاربي”

كنت كتبت منذ ثلاث سنوات و تحديدا يوم 29 ماي 2018 مقالا “بالشارع المغاربي” تحت عنوان “خمسون سنة على انتفاضة ماي 1968 “.و قد أثرت في هذا المقال ملاحظتين تعلقت الأولى بالنّبش في البدايات الأولى لحركة الاحتجاجات الشّبابيّة في أمريكا و أوروبا التي ارتبطت بمناهضة العدوان الأمريكي على فيتنام.و تناولت الملاحظة الثانية التي جاءت في الخاتمة كاستنتاج استغرب من ضعف الدعم الأممي للنّضال الوطني الفلسطيني مقارنة بالمساندة الشعبية الواسعة للشّعب الفيتنامي في تحديه لآلة الحرب الأمريكيّة و اختتمت المقال قائلا ” قد نشهد ذات يوم شبيها لما حصل مع فيتنام فتتضامن الآلاف مع فلسطين وشهدائها الذين يسقطون كل يوم دفاعا عن القضية المركزية لكل الوطنيّين العرب “.

لم يتأخّر الرّدّ طويلا على ملاحظتي فقد اكتسحت المظاهرات الشّعبية شوارع أمريكا وأوروبا وآسيا و أستراليا تنديدا بالعدوان الصّهيوني على غزة و استنكارا للجرائم المرتكبة في حق أطفال و نساء القطاع و كل فلسطين طيلة عشرة أيام في الفترة الممتدّة من 6 ماي إلى 22 من نفس الشّهر.و قد فاجأت مظاهر المساندة و التّعبئة الاستثنائيّة، التي بلغت أوجها في الدول الغربية يوم السبت 15 ماي تزامنا مع ذكرى النّكبة، العدو الصّهيوني والامبرياليّة العالميّة التي عملت في بعض البلدان مثل فرنسا على منع هذه المسيرات في خطوة كشفت عن عمق النّفوذ الصّهيوني داخل جهاز دولة هذا البلد.

شملت المظاهرات أكثر من ثمانين مدينة موزّعة على أمريكا الشّمالية و الجنوبية و افريقيا و آسيا و أوروبا و آسيا و أستراليا.و اكتسح عشرات آلاف الغاضبين شوارع 32 مدينة في أوروبا و 27 مدينة في أمريكا الشّمالية رافعين العلم الفلسطيني و صور ضحايا العدوان الصهيوني. و رفع العلم الفلسطيني في الملاعب الرّياضية من قبل لاعبين عرب و من جنسيات مختلفة. و كانت أكثر الصّور تعبيرا ما حدث بعد انتهاء كأس الاتحاد الإنجليزي بين فريقي ليستر سيتي و تشيلسي إذ قام اللاعب حمزة تشوردي ،و هو أنجليزي مسلم من أصل بنغالي ،و الفرنسي من أصل افريقي ويسلي فوفانا برفع علم فلسطين أمام ملايين المشاهدين و حصل نفس المشهد خلال نهائي كأس السّويد.

و انخرط في حملة التّشهير بجرائم الصّهاينة فنّانون و شخصيات عالميّة و عارضات أزياء يعدّ المعجبون بهم بعشرات الملايين على أنستغرام و صفحات التواصل الاجتماعي الأخرى.فقد عبّرت الممثلة الاسبانية ألبا فلوريس عن دعمها لفلسطين و طالبت المغنية الأمريكية زندايا بالتبرع لغزة. و تعرضت عارضة الأزياء بالا حديد لحملة تشويه صهيونيّة و اتهمت بمعاداة السامية و قد تضامنت معها و مع غزة عارضة الأزياء الهندية صونيا سيد.و نذكر أيضا إلى جانب هذه الأسماء عدة ممثلين و مغنين أمريكيّين الذين أعلنوا صراحة انحيازهم إلى جانب الشّعب الفلسطيني مثل المخرج الأمريكي مارك روفالو والممثلة الأمريكية سوزان ساراندون و المغني جون لجند…

إنّ المساندة الأمميّة لفلسطين التي توسّعت لتشمل أهل الثقافة و النّجوم العالميين لم تكن منعدمة تماما في البلدان الغربيّة و في صفوف القوى اليسارية و التقدمية إذ تعددت المبادرات التي حاولت التأسيس لتيار جماهيري مناهض للقوى الصّهيونيّة و تنشيط مقاطعة بضائع العدوّ في عدة أسواق أوروبية لكنّها لم تتّخذ الحجم و الأبعاد التي عايشناها خلال المواجهات الأخيرة الفلسطينية – الصّهيونية .إنّ توسّع التّعاطف مع القضيّة الفلسطينيّة أو تراجعه يقترن بتصاعد النّضال الشّعبي و الوطني ضدّ الكيان المغتصب فالاستسلام والانخراط في التطبيع من قبل قوى سياسية و أنظمة عربية و محاصرة الخط الوطني ينشر الارتباك و الضّبابيّة في صفوف الأطراف المساندة لفلسطين و يوفّر للصّهاينة حججا على قبول العرب بالتّعايش معهم.

لقد تميّز نشاط اليسار الأوروبي و القوى المناصرة لفلسطين منذ نهاية ستينيات القرن الماضي إلى العشرية الأولى من الألفيّة الحاليّة بالتطوّر التّدريجي و الاستيعاب الحذر لجوهر الصّراع العربي – الصّهيوني و طبيعته.فبعد أن اصطفّت الأحزاب الشيوعيّة وراء الموقف السّوفياتي المناصر لقرار التّقسيم قطعت المنظمات و المجموعات التي تأثّرت بالحزب الشيوعي الصيني و زعيمه ماو تسي تونغ مع هذا الموقف و أسّست لحركة تضامن واسعة مع النّضال الوطني الفلسطيني.

و كان هذا التّحوّل في المواقف قد اقترن أيضا باندلاع الثورة المسلحة الفلسطينيّة و العمل الفدائي سنة 1965 ثمّ تلته هزيمة الجيوش العربية سنة 1967 و مزيد احتلال أراضي عربية تلته معركة الكرامة البطوليّة سنة 1968 التي تصدّت لهجوم صهيوني على قواعد الفدائيين في الأردن.فقد شهدت فرنسا مظاهرات حاشدة خلال حرب جوان 1967 دعا لها الشّيوعيّون الماويّون الذين روّجوا بداية من سنة 1970 جريدة “فدائيون” النّاطقة بالفرنسيّة.و انتقد اليسار الجديد في أمريكا بشدّة سياسة الولايات المتّحدة الأمريكيّة و الاتّحاد السّوفياتي وهاجموا المخططات التي تسمح بالهجرة اليهوديّة نحو فلسطين و اعتبروا في بيان تاريخي “أنّ الصّهيونية و الاستعمار العدوّان الرئيسيان للشّعب العربي”.و أسّس اليسار الثوري في أنجلترا بتعاون مع الطلبة العرب “جبهة مساندة فلسطين” و أطردت من الحزب العناصر التي تمسّكت بالمواقف السّابقة الداعمة للصّهاينة و لحقّهم في فلسطين.

و كان لظهور منظمات فلسطينيّة يساريّة مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين و الجبهة الشعبية – القيادة العامّة و يسار عربي جديد أثره العميق في تطوير دعم القوى التقدّميّة الأوروبيّة و الأمريكيّة للنّضال الوطني الفلسطيني. ففرضت المنظمات الجماهيريّة الطلابيّة العربية مواقف مناصرة لفلسطين في الاتحاد الطلابي العالمي و ساعدت الأعمال الثقافية، السينمائية و الأدبية و التراثيّة،على التّعريف بالهوية الفلسطينيّة و التصدي للأكاذيب الصّهيونيّة.

و كنّا عشنا أيضا خلال انتفاضة الحجارة سنة 1988 حركة تضامن واسعة مع القضيّة الفلسطينيّة إذ تأسّست عدّة جمعيّات مناصرة للثورة و مستنكرة لجرائم العدوّ.

ففي السويد مثلا ،نشأت “مجموعة أنصار فلسطين” التي انتشرت في أنحاء هذا البلد من خلال 21 فرعا و قد أسّسها عدد من اليساريّين و العاملين في المجال الطبّي و الصّحّي.كما تمّ تشكيل فرقة “الكوفيّة” التي تتولى تأليف الأغاني الوطنيّة باللغة السويدية و هي تحثّ على المقاومة و نهج الكفاح المسلّح.

و حين اشتدّ الحصار على غزة، نظّم السويديّون في شهر أكتوبر 2012 انطلاقا من ميناء نابولي رحلة على متن سفينة لكسر الحصار و كان سبقها عمل مماثل خلال شهر ماي سنة 2010 من قبل مجموعة سفن أطلق عليها تسمية “أسطول الحرية”.

لقد ضمّت مجموعة سفن “أسطول الحرية” 750 ناشطا حقوقيّا و سياسيّا و إعلاميّين و حملت السفن موادّ إغاثة و مساعدات إنسانيّة و شارك برلمانيّون من ايرلندا و ألمانيا و فنانون و كتاب من السويد و تعرّض الأسطول لهجوم كومندوس صهيوني و خلف الاعتداء قتلى و جرحى.

إنّ استعراضنا لمظاهر الدّعم الدّولي لفلسطين و تطوّره تاريخيّا و كسره للحصار السّياسي و الإعلامي الصّهيوني بصفة متدرّجة ليبلغ حالة المدّ و التّجذر و التّوسّع التي عشناها خلال شهر ماي الماضي يبعث في نفوس كل القوى الوطنيّة و التقدمية الفلسطينية و العربية الاعتزاز بهذا التّحوّل الملفت للانتباه الذي شمل عدة فئات اجتماعيّة و أوساط سياسيّة وثقافية و فكريّة مختلفة في الدّول الغربيّة.و يطرح على هذه القوى الوطنيّة العربيّة العمل على المحافظة على هذا الدّعم و توسيعه و استغلال كل أساليب الدّعاية الممكنة و أشكال التنظيم المختلفة لتركيز جبهة أمميّة عالميّة مناصرة للنّضال الوطني الفلسطيني و للمقاومة المسلحة ومعادية للصّهيونية و الامبرياليّة العالميّة مع تفعيل حركة مقاطعة البضائع والتّظاهرات الصّهيونيّة.

إنّ مثل هذا العمل يتطلب أيضا تجاوز انتهازيّة المشككين في المقاومة المسلحة و دعاة التّطبيع و الحل السّلمي و فضح هؤلاء الذين أطلوا علينا بطرح “دولة ثنائيّة القوميّة” أو الذين لا يزالون يراهنون على “يسار إسرائيلي” مزعوم هو في الواقع جزء من المستوطنين الصّهاينة الغرباء عن فلسطين و جزء من الكيان الصّهيوني.

:::::

*باحث في التّاريخ

من صفحة الكاتب على الفيس بوك

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.