التوجيهية: عشرة ايام من الإرهاب سنوياً: وأربعون عاماً من القتال ضد الأكاديميا، د. عادل سماره

بعد إثنتي عشر عاما من الحياة الطلابية والتربوية عاشها الطالب مديداً يفوق حياته مع اسرته يُنقل إلى عشرة ايام للجلد بسياط لا علاقة لها بماضيه التعليمي. لذا، ما أن يحل العام الثالث الثانوي حتى يعيش الطالب انتظار نتيجة هذا الرعب الأعمى حيث يمكن لأفضل العقول أن لا تتوفق. بعض الطلبة انتحر، وجميع اسر الطلبة الذين لم يُوفقوا تعيش يوم النتائج تحت تعذيب جيرانها الذين يحتفلون بالغناء والرصاص (طبعا الرصاص في وطن الأشلاء هو تمثُّل المهزوم بمن هزمه –فرانز فانون) بنجاة أبنهم إبنتهم من الإرهاب وكأن عالما قدسياً سيُفتح أمامه.

لم أحترم التوجيهية قطعاً، ولم أقرأ كثيراً. كنت في حركة القوميين العرب ولم أطلب إجازة من العمل الحزبي كما فعل غيري للإعداد للإمتحان البذيىء. ويوم صدور النتائج 1963 ذهب الأولاد من القرية إلى رام الله ليعرفوا نتيجتهم، نزلت أنا إلى كرم البرقوق خاصة ابي، أكلت وقطفت وبالصدفة وجدت حبة ضخمة من برقوق نوعه “المعطرة” تملأ كفة يدي. عدت للقرية فالتقاني في راس الطلوع (راس الجبل) شخص وقال لي أنت ناجح، فقلت له خذ لك هالبرقوقة.

كان معدلي 57.8، ولا شك أن خطي السيء له دور وليس فقط عدم اكتراثي حيث رسَّبني مدير المدرسة في الرابع الابتدائي لسوء خطي، لم يتحسن خطي حتى اليوم. فقمت بأول انشقاق في حياتي حيث ذهبت لمدير الدرسة المجاورة “الأستاذ أنيس/بعثي” ووجد علاماتي جيدة جدا فقبلني في الخامس، وفي اليوم التالي اقنعت كل ابناء البلد ان بيت عور التحتا احسن والأساتذة لا يضربون الطلاب (ويُداغو–يعطوا علامات زيادة)فذهب كل أولاد البلد معي في اليوم الثاني فهرع المدير إلى التربية وأُرغم الجميع على الرجوع، إلا أنا رفضت ودعمني الأستاذ أنيس.وبقيت اذهب مشيا في الشتاء لثلاثة اشهر إلى أن قال ابي “يابا بيوكلك الضبع” وعدت للمدرسة نفسها واصر المدير على رسوبي. طبعا أخذت الأولى فقال المدير”عدنان وهو إسمي قبل السجلات، مش ذكي إنتو أغبياء”.لاحقا بعد السجون…الخ صار يفتخر :هذا من طلابي!!!

بعد التوجيهية حصل لي أخي فريد على منحة في مصر حيث كان مفصولا من الجيش الأردني كضابط ناصري ومع الانقلابات، قلت له “أنا لا استفيد من نضال غيري” فقال “ليكون شايف حال احسن من عمر بن الخطاب أو عبد الناصر” قلت “لا لكن بيجوز أطلع أحسن” فقال ” لا يا خ….”.

كانت الجامعة اللبنانية/حكومية تقبل اي معدل لأن المهم كما قال لي استاذ هناك اسمه “محمد فرحات “إذا أنت رِجَّال إنت ومريجلك” طبعاً الطلاب قالوا لي هذه جامعة السؤال الواحد ولا ينجح فيها سوى واحد، قلت سأكون أنا.

طبعا حينها كنت متفرغا في تنظيم أبطال العودة وكانت الدراسة بالنسبة لي أمر شكلاني، أذكر انني في السنة الأولى ربما حضرت عشرة محاضرات. وكنت حامل الرسائل من قيادة الحركة من عمان لبيروت، تقريبا كل اسبوعين مشوار. لذلك حينما اعتقلنا اسماني محمد رسول مدير مخابرات الأردن “رسول الغرام” . المهم هذه الجامعة بها دورتين للإمتحان في حزيران ومن يرسب يُعيد في تشرين الثاني. وحينها ايضا سجلت أدب عربي في دمشق. في دورة حزيران كنت الخامس من 450 طالبا وطالبة وفوجىء الطلاب وين كاين هالفلسطيني. كانت الجامعة تمنح الخمسة الأوائل 500 ليرة لبنانية جائزة عدت للقرية واشتريت بالفلوس رشاش “كارلوستاف/بور سعيد” وطبعا نجح في الدورتين 35 طالبا. عدت لبيروت فإذا اخي محمود وكان المختار قد باع الرشاش واشترى بارودة صيد “مِجوز”. قبيل اعتقالات السنة الثانية سُجت و لم اكمل في دمشق حيث اعتقلت ولم أكمل في بيروت ايضا وخاصة انني بعد خروجي من السجن عدت لبيروت في 19 اكتوبر 1966وواصلت دوري بين القيادتين، وفي يوم 3 حزيران 1967 قرر ويع حداد أن أعود للضفة الغربية لأن الحرب قادمة ويجب ان يكون لنا دورا، فقطعت الدراسة وعدت. ووقعت الحرب وأنا في الضفة الغربية.

سافرت عام 1984 للدراسة في جامعة لندن التي قبلتني بناء على كتاباتي حيث نصحني بالدراسة السيد مازن مصطفى وزوجته هامه النحاس، وأكملت سنة تحضيرية لدخول الماجستير ثم الماجستير والدكتوراة وحصلت على توصية “من أفضل طلاب الشرق الأوسط”.

تقدمت للتدريس في كل جامعات جمهورية فلسطين الكبرى ورُفضت منها جميعاً في فترة الاحتلال وفترة السلطة. كان الاستثناء عام 2008 حيث كتب الراحل د. عبد الستار قاسم بحثا عن الأزمة الاقتصادية العالمية وطلب من ثلاثة (د) أن يناقشوها في جلسة أدارها د. سري نسيبة في جامعة القدس. بعد النقاش نهض عبد الستار وأتى عندي وقال “سري يقول لك الآن إختار اية دائرة” هههه قلت له طول عمرك مجنون، من هو الذي يحرمني ثم يعفو عني!!! وأنا ما في جيبي غير أجرة الطريق. قال راسك قاسي.

أهم وسبب كتابة كل ما ورد أعلاه وهو بكل الإختصار، أن جامعات بير زيت وبيت لحم ردتا بتبريرات تافهة” ما في شواغر، مؤهلات غير مطلوبة الان….” أما جامعة النجاح فلم ترد قطعا. التقاني د. عاطف علاونة في رام الله صدفة على ميدان الساعة وقال: “والله أنا دعمت طلبك” وذات يوم التقاني د. عمر عبد الرازق /الصديق الحمساوي، وقال يا زلمه كلهم رفضوك لدرجة أنني قلت: “اي هو يهودي” أما مبرر الرفض فقال “لأن معدلك في التوجيهي واطي”. تباً لك يا عاطف! طبعا، كانت جامعة النجاح قد أعادت طباعة كتابي “إقتصاديات الجوع في الضفة والقطاع” عام 1982 دون إذني وأقرته للطلبة وطلب الأستاذ اسماعيل أبو صفية أن اقوم انا بتدريس المادة فقالوا له ما في معو شهادة.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.