مؤسسة الدراسات الفلسطينبة خطوة الى الوراء لماذا؟ شحادة موسى

أودُّ في البداية أن أُشير الى أنَّ هذا المقال يأتي استطرادًا لمقال “فوضى المصطلحات والاعتراف الضمني بإسرائيل” (نشرة كنعان، 7 حزيران/ يونيو 2021).

ولقد تردَّدتُ كثيرًا وطويلًا في كتابة كلام يحمل انتقادًا لمؤسسة الدراسات الفلسطينية، لأن للمؤسسة ولشخص مؤسِّسِها مكانة عزيزة في النفس. ثم استحضرت المَثَل الذي يقول “العَتبُ على قدر المحبة”؛ فالدافع هو الغيرة على المؤسسة ومكانتها وسمعتها. المؤسسة هي الهيئة الوطنية الأقدم زمنيًا بين المؤسسات المتخصصة في الدراسات والتوثيق العلمي للقضية الفلسطينية والصراع العربي – الصهيوني؛ تأسست سنة 1963 وتبوأت بجدارة موقع الريادة والمكانة المعنوية والمرجعية الموثوقة للباحثين والدارسين في هذا المجال.يُضاف الى ذلك أنها ارتبطت منذ البداية باسم مؤسِّسها الأستاذ الجليل وليد الخالدي الذي له ما لا يُحصى من المآثر في خدمة القضية الفلسطينية والفلسطينيين.

وهناك واقعةً ذات صلة بالأستاذ الخالدي وبموضوعنا عن المصطلح والاعتراف الضمني “بإسرائيل” جديرة بأن تُروى، وأستميحه عُذرًا لأنني لم أسـتأذنه في ما أنسب إليه:

في سنة 1964 توجَّه نفرٌ من قيادة حركة القوميين العرب في زيارة الى وليد الخالدي في منزله في بيروت للاستئناس برأيه في أمر رأوه خطيرًا. كان هؤلاء جورج حبش، وديع حداد، أحمد اليماني، ومعهم عصام النقيب (متخصص في الفيزياء وقادم من الولايات المتحدة).

تحدث عصام النقيب عن أنَّ “إسرائيل” على وشك إنتاج قنبلة ذريَّة مستندًا الى تفاصيل فنيَّة عن قدرات مفاعل ديمونا وجاهزيَّتِه لإنتاج القنبلة ومن غير حاجة الى إجراء تجربة. وذكر أن (أوبنماير) ابو القنبلة الذرية الأميركية زار آنذاك مفاعل ديمونا في إشارة الى جِديِّة الموضوع.

قال الخالدي إنَّ هذا أمر خطير وإنتاج القنبلة يُحصِّن إسرائيل لأن المنطقة، حتى في حال امتلك العرب هذا السلاح، ستدخل في ما يُسمَّى توازن الرعب. والحلُّ الوحيد هو تدمير مفاعل ديمونا وذلك على غرار ما فعلت بريطانيا في الحرب العالمية الثانية. فقد علمت بريطانيا آنذاك أنَّ هتلر يُطوِّر سلاحًا في مصنع للصواريخ في مدينة (دوسلدورف)في ألمانيا وهذا السلاح في حال إنتاجه سيشكل خطرًا وجوديًا على بريطانيا، ولذلك قرَّرت  تدمير المصنع ووجَّهت طيرانَها كلَّه لهذه المهمة واضعة في الحسبان أن لا تعود أي من تلك الطائرات؛ وحققت ما أرادت.

ثم وجَّه حديثه الى جورج حبش قائلًا أنتم لديكم علاقات جيدة مع جمال عبد الناصر وأرى أنْ تذهبوا اليه وتضعوه في الصورة، وإذا كان يريد فعلًا القضاءَ على “إسرائيل” فيجب أنْ يقوم الآن بتوجيه ضربة لتدمير مفاعل ديمونا على غرار ما فعلت بريطانيا، ويتحمَّل تبعات ذلك.

عودة الى المؤسسة وموضوعنا، فهي كما تتحدث عن نفسها، أوَّلُ هيئة عربية علمية خاصة مستقلة أُنشِئت للعناية حصرًا بالقضية الفلسطينية والصراع العربي – الصهيوني، وتعمل على إظهار الحق العربي في فلسطين بانتهاج التوثيق المدقَّق والبحث الموضوعي الملتزم. وقامت على ستة مبادئ جوهرية، منها: القضية الفلسطينية قضية الوطن العربي بأسره، والصراع العربي – الصهيوني صراع مصيري، وحصر نشاط المؤسسة بالتوثيق والبحث العلمي.

وهكذا تكوَّنت صورة المؤسسة لدى الباحثين والمتابعين للقضية الفلسطينية على أنها مؤسسة وطنية فلسطينية تعمل على إنجاز الدراسات العلمية الموثوقة عن الصراع العربي – الصهيوني، وإظهار الحق الفلسطيني، ومعرفة العدوِّ الصهيوني الذي سلب هذا الحق واعتدى على أصحابه.

ولهذا كان من اللافت خروج المؤسسة عمَّا هو مألوف عنها والوقوع في منزلق المصطلحات والاعتراف الضمني “بإسرائيل”، وأن تبدو بذلك قريبة من رؤية “أوسلو” لإسرائيل والصراع معها، مع أنَّ أكثرية الشعب الفلسطيني ترفض أوسلو رؤيةً ومنهاجًا.

 وقد ظهر هذا الميْل في واقعتين بارزتين؛ الأولى قديمة نسبيًا جرت قبل بضع سنوات وتجسَّدت في ندوة نظَّمتها المؤسسة في قبرص بشأن السياسات الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية (2016). والثانية حديثة جرت في مجلة الدراسات الفلسطينية بأن فتحت المجلة صفحاتها لكتَّاب “إسرائيليين” (2020). وبيان ذلك فيما يلي:

  1. ندوة قبرص

عُقدت الندوة في قبرص في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 تحت عنوان “مراجعة للسياسات الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية”. وصدرت أعمال الندوة في كتاب حمل العنوان نفسه، واشتمل على الأوراق التي أعدَّها وقدَّمها وعقَّب عليها باحثون وأكاديميون، يصفهم محررو الكتاب، بأنهم متخصصون بإنتاج الدراسات العلمية عن إسرائيل وقضايا الصراع العربي – الإسرائيلي، ودرس معظمهم في مدارس إسرائيل وجامعاتها ويعيشون فيها.

ويُعدُّ الكتاب بحق مرجعًا شاملًاعن واقع “إسرائيل”، المجتمع والسلطة والسياسات، والموقف الإجمالي تجاه فلسطين أرضًا وشعبًا أو المسألة الفلسطينية كما يُسمِّيها الكتاب. فمن القضايا التي عرضها الكتاب على سبيل المثال، التباينات بين النُخَب السياسية الإسرائيلية تجاه المسالة الفلسطينية بين من يدعو الى صهيونية الدولة وإمكان تقسيم الأرض، ومن يدعو الى صهيونية الأرض وكونها القيمة التي يجب الحفاظ عليها. ومن هذه القضايا آليات السيطرة والتحكم بالفلسطينيين التي تلجأ اليها السلطات الإسرائيلية.

وعرض الكتاب كذلك تأثير اتفاق أوسلو في الفلسطينيين في الأراضي المحتلة سنة 1948؛ فبرز اتجاهان أحدهما يُعبِّر عن الرغبة في الاندماج في المجتمع الإسرائيلي، والآخر يعبِّر عن الاندفاع نحو تعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية. وهذا العرض يؤكد أيضًا أن الاتجاه الذي سارت فيه الأبحاث والمناقشات يميل الى رؤية أوسلو لإسرائيل والقضية الفلسطينية وخلاصتها: إنّ “إسرائيل” كيان شرعيٌّ، والقضية الفلسطينية هي التي سُمِّيت في اتفاق أوسلو قضايا الوضع النهائي، وإن الصراع مع “إسرائيل” هو على هذه القضايا وليس صراع وجود.

وإذا كان الكتاب يُقرأ من عنوانه فإن عنوان الندوة والكتاب الذي صدر عنها يُشير بوضوح الى “إسرائيل” دولةً عادية يمكن دراسة علاقتها بفلسطين مثل أي دولة أخرى؛ ولذلك يَفصِلُ الكتاب بين إسرائيل والقضية الفلسطينية بحيث إنه لو وُضع اسم أي دولة مكان اسم إسرائيل لما تغيَّر شيئ في دلالة العنوان ويصبح الموضوع دراسة سياسات هذه الدولة أو تلك تجاه القضية الفلسطينية، وهذا هو الاعتراف الضمني بإسرائيل دولةً شرعية.

وفَصْلُ”إسرائيل” عن القضية الفلسطينية على هذا النحو خطأٌ منهجيٌّ وتاريخي. فمن تعريفات القضية الفلسطينية في المراجع العلمية إنَّها”الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي”. ويصعب وجود تعريف لهذه القضية لا يربطها بوجود “إسرائيل”. وذلك لأنَّ أيَّ بحث في جوهر القضية الفلسطينية لا بدَّ أن يبدأ بقضية اللاجئين كي يتصف بالعلميِّة والشمول؛ فاللاجئون يُجسِّدون قضية الأرض والشعب وأصلَ الحكاية وفصلَها، ولا معنى للقضية الفلسطينية بدونها.

ولا يجوز التغاضي عن خُلُوِّالكتاب من تعريف محدَّد للقضية الفلسطينية التي يبحث فيها، ويترك للقارئ أن يستخلص تعريفًا من قراءة الأوراق وما تحويه من عبارات ذات صلة، وهو في كل الأحوال، لا يخرجعمَّا أسماه اتفاق أوسلو قضايا الوضع النهائي ويختصرها الكتاب بعبارة قضايا التسوية والاستيطان.

وفي الكتاب عبارات كثيرة تؤكد محمول العنوان المشار إليه، مثل: ” وبحكم الأمر الواقع تسيطر إسرائيل على كلٍّ من إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة لكنها تعامل اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين بشكل مختلف” (ص 336). وفي التعريف بالكتاب نقرأ عبارة ” موقف الأقلية العربية في مناطق 1948″؛ والمقصود هم الفلسطينيون في الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1948؛ إلَّا أنَّ التوجُّهَ المُضمَر هو الذي يحكم اللغة. وفي الفصل الأخير الذي يتحدث عن احتمالات المستقبل تبدو الأمور واضحة تمامًا؛ فهو يُعدِّد ثلاثة سيناريوهات: الضمُّ الفعليُّ بدون ضمٍّ قانوني والإبقاء على السلطة ضعيفة، وضمٌّ جزئيٌ لمناطق”ج”، وضمٌّ كامل لأراضي الضفة. من الواضح أنَّ الموضوع يتعلق بالضفة الغربية حصرًا.

وعلى أي حال فالقضايا التي تناولتها الندوة هي في الحقيقة السياسات والإجراءات الإسرائيلية من أجل استكمال المشروع الصهيوني. ولذا يمكن النظر الى ما أنجزته الندوة على أنه معرفة وافية بالأبعاد الإيديولوجية والإستراتيجية للأهداف الصهيونية في الوقت الحاضر. ولو أنَّ الندوة انعقدت على هذا الأساس لكان الموجِّه الفكري لدى المشاركين أخذ هذا المنحى واختلفت اللغة والمصطلحات وعظمت الفائدة وظهر الكتاب بعنوان مختلف.

  • مجلة الدراسات الفلسطينية

المجلة دورية فصلية تصدرها مؤسسة الدراسات الفلسطينية وتمثل رابطًا فكريًا بين الكُتَّاب الفلسطينيين والدارسين والباحثين داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها. وهي، بحسب الموسوعة الفلسطينية، تُعنى بتطوُّر القضية الفلسطينية والصراع العربي – الصهيوني وبأوضاع الشعب الفلسطيني ونضاله في سبيل التحرر واستعادة الأرض. وتتضمن أبواب المجلة محورًا خاصًا بالسياسات الإسرائيلية وشؤونها الداخلية يستقي مادته من المصادر العبرية.

من  المعروف أنَّ صُحفًا عربية عدَّة تُخصِّص بابًا في صفحاتها تحت مُسمَّى الصحافة الإسرائيلية أو العبرية أو العدوُّ، تنقل عنها ما تراه يخدم القضية الفلسطينية ومعرفة العدوِّ.

غير أنَّ مجلة الدراسات الفلسطينية خرجت عمَّا هو مألوف في هذا المجال ونشرت في العدد (121 شتاء 2020) مقالًا عن الانتخابات الإسرائيلية لكاتب إسرائيلي هو (جدعون ليفي) المعلِّق في جريدة هآرتس الإسرائيلية. وعرَّفت المجلة المقال وكاتبه بما يلي: مقالة كتبت بالعبرية خاصة ب مجلة الدراسات الفلسطينية، ترجمة رندة حيدر، السيرة الشخصية: جدعون ليفي معلق في جريدة “هآرتس”.

من المعروف عن (ليفي) أنه مناهض للصهيونية ومناصر للحق الفلسطيني ومحسوب على “اليسار الإسرائيلي”؛ وهذا ليس موضوعنا. الموضوع أن المجلة لم تنقل عن ليفي أو عن جريدة هآرتس؛ وإنما ظهر اسم ليفي الى جانب أسماء كتَّاب كتبوا مقالات للمجلة عن الانتخابات الإسرائيلية. وهذا يعني أن المجلة اتصلت بالكاتب واستكتبته وهو استجاب وكتب المقالة خصِّيصًا للمجلة، ويعني أيضا أن المجلة تفتح صفحاتها لكتَّاب إسرائيليين؛ فما ينطبق على ليفي ينطبق على آخرين مثله. وبذلك انفردت مجلة الدراسات الفلسطينية بهذا الإجراء والاتصال المباشر بشخصيات إسرائيلية، وهو ما يدعو الى التعجُّب والاستغراب.

من الصعب الوقوف على تفسير لهذا الإجراء الانفرادي من غير ربطه بموقف رئيس تحرير المجلة إلياس خوري من التطبيع ومقاطعة المطبِّعين مع العدوِّ الإسرائيلي. فهو قد صرَّح وكتب عن معارضته للمقاطعة الثقافية، وأنه لا يقاطع الأفراد والصحف الإسرائيلية.

وعندما أصدرت “حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان” بيانًا أدانت فيه الكاتب اللبناني/ الفرنسي أمين معلوف لإجرائه مقابلة مع قناة تلفزيونية إسرائيلية ( 2 – 6 – 2016) كتب إلياس خوري في جريدة “القدس العربي” معترضًا على تعريف “الحملة” للتطبيع، واصفًا إيَّاه بالتعريف الخطير للمقاطعة والتطبيع الثقافيين “لأنه يطلب منا قراءة الأدب الإسرائيلي من باب “اعرف عدوك” ويدين ترجمة أدبنا الى العبرية” (27- 6 – 2016).

(فيما يلي تعريف مختصر للتطبيع كما ورد في “وثيقة الحملة، 2015 “: المشاركة  في أي نشاط يجمع بين عرب وإسرائيليين ما دامت “إسرائيل” قائمة، وينطبق هذا على كل أشكال التعاون العلمي أو الفني … وعلى وسائل إعلام العدو… وعلى دور النشر. ولا يُستثنى أي فرد إسرائيلي ما لم يتخلَّ عن جنسيته الإسرائيلية ويُعلن رفضه لشرعية دولة “إسرائيل”. ويُستثنى من ذلك فلسطينيو مناطق العام 1948 مالم يروِّج بعضهم للتطبيع مع العدوّ ).

ومع أنَّ الموضوع يتعلق بالعَلاقة لا بالقراءَة، ربَّما يجدر التذكير بقولٍ لغسان كنفاني ذي صلة بالأدب واعرف عدوَّك ورد في مقدمة كتابه “في الأدب الصهيوني”: “قاتلَتْ الحركة الصهيونية بسلاح الأدب قتالًا لا يوازيه إلَّا قتالها بالسلاح السياسي… وما تطمح اليه هذه الدراسة أن تُلقي ضوءًا على الشعار الصعب اعرف عدوك”.

ولقد تعرَّض إلياس خوري بسبب مواقفه هذه الى انتقادات وإدانة من كتَّاب و صحافيِّين في لبنان وخارجه، ولكن هذا شأنه. ما يعنينا هنا هو استخدامه مجلة الدراسات الفلسطينية لتأكيد موقفه من التطبيع والمقاطعة. ويبدو أنه في مشكلة مع التطبيع حتى الكلمة بحدِّ ذاتها. فقد كتب، وهذه المرَّة في المجلة، مقالًا عن “التطبيع والتتبيع” (العدد 126 ربيع 2021) تحدث فيه عن اتفاقيات السلام التي عُقدت بين بعض الدول العربية وإسرائيل في العام الماضي. وأسهب في الحديث عن الاستبداد في البلدان العربية وقال إن كلمة التطبيع يجب أن تستخدم مقرونة بالاستبداد ومن الخطأ استخدامها في الحديث عن إقامة علاقات بين العرب وإسرائيل.

وقد بنى مقولته على المعنى القاموسي لكلمة تطبيع ومنه الترويض والتدجين للحيوانات وتعليمها الانقياد والطاعة، وخلص الى أن كلمة تطبيع يجب أنْ تُستخدم في هذا السياق فقط، أي الانقياد والطاعة.”فالمسألة تكمن في الاستبداد الذي يسعى لتطبيع العرب، اي تدجينهم وتحويلهم الى عبيد لمجموعة من المستبدين. ولذا يجب حذف كلمة تطبيع من القاموس واستخدام كلمة جديدة هي التتبيع والتبعية”.

من المعروف أنَّ الاستبداد في بلادنا قديم والحديث فيه ذو شجون. وكذلك الأمر فيما يتعلق بمسعى أميركا لإدخال المنطقة تحت الهيمنة الإسرائيلية منذ بدأ الحديث عن التحوُّل الإستراتيجي الأميركي باتجاه المحيط الهادي لمواجهة الصين. ويمكن الخوض في أي منهما من دون الاستغراق في الاستبداد والتطبيع للوصول الى اقتراح كلمة “تتبيع” بديلًا لها، ومن غير توضيح المعنى القاموسي لهذه الكلمة واشتقاقاتها التي تُجيز استخدامها على النحو المذكور. وعلى هذا المنوال لوحظ أنّ بعض الإعلاميِّين أخذ يستخدم كلمة تتبيع على علَّاتها.

وكنَّا بيَّنا في المقال السابق أنَّ اللفظ “تتبيع” لا يصحُّ استخدامه لُغويًا وسياسيًا للدلالة على التبعيَّة أو على إقامة علاقات مع العدوِّ.

أمَّا مصطلح التطبيع فهو صحيح لُغويًا وسياسيًا ويُستخدم منذ سنين لوصف إقامة علاقات مع العدوِّ، خصوصًا على المستوى الشعبي، تشمل إقامة علاقات ثقافية وإعلامية وفنية ومهنية وغيرها، مع كيانات “إسرائيلية”.

والمصطلح مأخوذ من المعنى القاموسي لكلمة تطبيع وأحد معانيها إقامة علاقات طبيعية بما في ذلك العلاقات بين الدول، وذلك بغض النظر عن المرادف الأجنبي للكلمة. وقد جرى استخدام المرادف normalization) )عند الحديث عن التطبيع بالإنجليزية أو الفرنسية، ولم يقل أحدٌ من المختصين باللغة او الترجمة بعدم صحته.

وبعد، فإن فتح صفحات مجلة الدراسات الفلسطينية لكتَّاب إسرائيليين، واستخدام المجلة منبرًا للدعوة الى سحب كلمة التطبيع من التداول بمُبرِّرات مفتعلة، مسؤولية مباشرة يتحمَّلها رئيس التحرير.وهذا لا يُعفي مؤسسة الدراسات الفلسطينية من المسؤوليَّة الأدبية والأخلاقية تجاه مُناهضي التطبيع في الساحتين الفلسطينية والعربية.

 وذلك على أي حال، ليس بعيدًا عن اقتراب المؤسسة من الرؤية الأوسلوية لفلسطين، و”إسرائيل”، والصراع العربي – الصهيوني؛ وتلك خطوة الى  الوراء.ويَحقُّ لمُحِبِّي المؤسسة أنْ يسائلوها لماذا؟ مع الأمل في أن تظلَّ مرجعًا علميًا وهاديًا وطنيًّا لما يتعلق بفلسطين بأكملها قضيةً وشعبًا كما كانت في البدء.

*    كاتب فلسطيني

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.