أبو مازن ارحل او لا ترحل … لقد حلّت النهاية، نادية عصام حرحش

تزداد حالة الاشتعال في الشارع الفلسطيني بين فعل وفعل مضاد، بين ردة فعل وردة فعل مضادة، بين خطاب وخطاب مضاد، بين تخوين وتخوين مضاد. حالة صعبة للغاية، ولكنها غير مفاجئة. منذ الانقسام ونحن نراوح هذا المكان من التضاد. ووصلنا الي مرحلة بديهية بأن حالة الاشتعال لم تعد بحاجة لمن يشعل فتيلها، لأننا أصلا نصلى في الجحيم.

بينما يبدو ان نهاية أبو مازن والسلطة كما عهدنا قد اقتربت بالفعل، والمشهد الأقرب لما سيحدث بتراوح بين نهاية لنظام مبارك او بن علي او القذافي- مع الأسف- يزداد القلق من الكثيرين حيث بدأ سؤال هل حلّ السلطة بالفعل اقل مأساوية من عودة الحكم العسكري الإسرائيلي؟

منذ أعوام وانا أفكر بهذا السؤال، وفي كل مرة كنت اردد انه بالمحصلة، هناك انجاز ما يترتب في كينونة بها مؤسسات ومنظومة مصالح مترابطة، يمكن العيش بها إذا ما كان هناك حكومة رشيدة، وسيادة للقانون، وفصل للتشريعات، وجسم قضائي يمكن الاحتكام له، ومجلس تشريعي يستطيع ان يقر ويغير ويحاسب ويسائل.

وها نحن وصلنا الى نقطة (.) نهاية الجملة. فكل ما كان بالعبارة السابقة غير موجود ويبدو انه غير قابل للتحقق في ظل الوضع الراهن. وما يجري من ممارسات مشابهة وعلى ما يبدو بتنسيق حقيقي مع الاحتلال جعل الانسان الفلسطيني لا يفرّق بالفعل بين قوات الاحتلال وقوات السلطة. بين همجيّة الاحتلال وهمجيّة السلطة، بين قمع وسطوة الاحتلال والسلطة. اللهم ان فساد السلطة لا يمكن ان يضاهيه فساد.

فلمَ نتمسّك بسلطة -كانت وما تزال- بينما كنا نحاول التبرير لها فاسدة فقط، والان هي سلطة قمعية بوليسية شمولية؟  تذكرني بما نسيناه من كتب التاريخ لحركات أيديولوجية استباحت البشر. واصحابها فنوا ولا يسع التاريخ لهم الا مزابله، مهما حاول المنقبون استصلاح بعض الأثر منهم والترويج لهم او التبرير او استخلاص العبر كل حين.

إذا ما كان السؤال اليوم هل الحل هو بالاحتلال، فالجواب سيكون أقرب الى النعم من قبل. في السابق كان يسبق الإجابة سؤال اخر: هل زال الاحتلال أصلا ليعود؟ في المقابل كنا نفكر اننا نريد الحفاظ على ما تم إنجازه من بناء مؤسسات. ولكن اين هي المؤسسات؟ نحن في حالة اختطاف تحت اسم المؤسسات. على الأقل، عندما نواجه الاحتلال نستطيع ان نحمّل العالم وزر خطيّتنا. كيف وصلنا الى هذه المرحلة التي نتمنى فيها لو يتدخل العالم ويخلّصنا من هؤلاء؟ هؤلاء ليسوا الاحتلال في هذه اللحظات، ولكن سلطة عثت فينا دمارا شاملا.

هل انهيار السلطة سيشكل انهيارا مجتمعيا؟ لقد انهار المجتمع بعد جريمة قتل نزار. او بالأحرى انهارت ركائز هذا المجتمع البنيوية التي كانت تشكل اعمدته السلطة. وهذا ما نعيشه اليوم. نحن تحت الركام بعد الانهيار الأخير. كان البنيان مصدع وحرية التعبير التي مثّلها نزار كانت القلعة الحامية الأخيرة. لم يفهم هؤلاء ان المعارضة في أي مجتمع هي ركيزة قوة لنظامه. نزار وكل صوت يقف في مواجهة الحكومة من اجل صون وكرامة حرية الانسان هو انعكاس إيجابي لأي نظام. لأنه لا يمكن ان ينظر أحد الى الاستبداد والقمع الا وسط دكتاتورية شمولية. تحول النظام الحاكم الفلسطيني الى دكتاتوري شمولي يمكن ان نصفه بالفاشي يؤكد على نهاية هذا النظام.

وعليه، هل يخيّر الانسان الفلسطيني بالعيش بنظام فاشي ام نظام عنصري؟ هذا هو حالنا نظام فلسطيني فاشي ونظام إسرائيلي عنصري. ولأننا لم نكن ابدا امام أي خيار، فنحن اليوم مسحوقين بين النظامين، والنظام العنصري قائم لا يُحَلُّ الا باشتباكنا الوجودي معه، بينما النظام الفاشي يتفشّى في ارجائنا كالسرطان فينهينا.

هذا ما تشبهه السلطة اليوم.

هذه هي أهمية أبو مازن ونظامه. فهل رحيله أفضل ام بقائه؟

ما يجري يؤكد ان النهاية اقتربت، فان لم تكن هذه الاحداث الدموية القمعية هي النهاية، فتكون احداث قادمة قريبة.

لقد قُرِع الخزان منذ جريمة مقتل باسل الاعرج ونيفين العواودة واسراء غريب وامتلأ بالضحايا. امتلأ بضحايا كان اولهم غسان كنفاني الذي يشكل باسل الاعرج إذا ما فهمنا ان تاريخ البسالة يعيد نفسه بخزان الظلم الفلسطيني، وفاض اليوم بنزار بنات إذا ما ذكرتنا جريمة قتل نزار باغتيال ناجي العلي. هذا التنسيق المريب بين الاحتلال والسلطة يعيد ليتصدر المشهد في كل من هذه الجرائم. فالقاتل كما رأينا بحالة نزار ليس من ارتكب الجريمة بيده فقط. هؤلاء ليسوا الا مأجورين. القاتل منظومة تنسق فيما بينها، السجان ومأجوريه!!!

 كل من يدق على خزان الحق في التعبير من اجل ان نحيا بكرامة يبقى صوته يدق في اذاننا بلا هوادة، كضحايا الخزان في مرثية غسان كنفاني.

 قبل سنة وقبل شهر كان رفع شعار ارحل يمكن استيعابه. فأبو مازن استنفذ كل ما يجعله حاكما لهذا الشعب. لم ار شعبا يتحمل رئيسه كما تحمل الشعب الفلسطيني أبو مازن واستوعبه. ولكن اليوم نقف امام ما هو اهم من أبو مازن. فالموضوع ليس شخص أبو مازن، نحن نتحمل الشخوص ونتقبلهم رؤساء.. لا يهم. الموضوع اليوم هو نظام أبو مازن. ما يمثله هذا النظام من قمع واستبداد وفساد في كل انحائه هو المصيبة. رحيل أبو مازن ليس الحل. رحيل هذا النظام هو الحل.

ومرة أخرى، الرحيل قادم لا محال، والحساب قادم لا محال.

يبقى الامر بيد هذا النظام مؤقتا ان يختار الرحيل بحفظ ما تبقى من ماء وجه، او باجتثاثه أكثر مع كل ظلم وقمع واستبداد يمارسه بحق هذا الشعب.

في كل يوم يخرج نزار جديد امامهم. فروح نزار لن تفارق بهذه السهولة هذا المكان. روح نزار التحمت مع روح غسان ونيفين وباسل واسراء وغيرهم في ذلك الخزان وحلقت فوقنا لتشكل سماءنا اليوم.

نحن ننظر الى اعلى فلا نرى الا وجه نزار حيا. لا نسمع الا صوت نزار يصدح كالسيف في ضمائرهم المستترة.

لم يعد هناك خزان…. فلقد أطلق نزار بموته الضحايا السابقين واللاحقين واحتلوا السماء.

فليخشى أولئك من تترقب ارواحهم في السماء.

على الأرض هناك هيثم وهند وديالا ومهند ونادية وفريد وميس وعمر وديما وابيّ وقائمة تطول لتطال الشعب الذي يمثله صاحب الخزان غسان، ومن قرعه وحطمه نزار.

للتاريخ ابطال سيحفظهم….

وللطغاة والظالمين والمستبدين حفر في قبور لن يلقي التحية عليها ولا يترحمها زائر.

لقد حلّت النهاية… ولا يهم ان حُلّت السلطة او انحلّت.

كاتبة فلسطينية

:::::

“رأي اليوم”

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.