شؤون عربية: من النتائج المُحتَمَلَة لتراجع القوة الأمريكية وصعود الصّين، الطاهر المعز

ورَدت في تقرير صندوق النّقد الدّولي بعنوان “الآفاق الإقتصادية لسنة 2035” بيانات وأرقام تُظْهر تراجع القوة الإقتصادية الأمريكية وتَصاعد القُوّة الصّينية.

يتوقّع تقرير صندوق النقد الدولي أن تصبح الصين القوة الاقتصادية العالمية الأولى بحلول عام 2035، وقد تصبي “الأضْرار الجانبية” لهذا التغيير، دُوَيْلات الخليج المُنتجة للنفط، بسبب ارتباط سعر النفط بالدّولار، وبسبب التّبَعِيّة المُفْرِطة لاقتصاد (ولسياسات) هذه المَشْيَخات بالإقتصاد الأمريكي، وبسبب تقويم سعر النفط بالدّولار (البترودولار) ما يضمن مكانة الدّولار الأمريكي كأول عملة احتياطية عالمية، فضلا عن إشراف خبراء المصارف الأوروبية والأمريكية على استثمار عائدات النفط في اقتصاد الولايات المتحدة والدّول الرأسمالية المتقدّمة (حوالي 2,5 تريليون دولارا، قبل انهيار الأسعار سنة 2014)، وتسبب هؤلاء الخُبراء في خسائر بلغت 1,5 تريليون دولارا، من عائدات النفط الخليجي، خلال أزمة 2008/2009، وبدأت هذه الدُّوَيْلات تقترض لتغطية النفقات الجارية، منذ انهيار أسعار النفط، منتصف سنة 2014، التي تسبّبت في انخفاض قيمة شركة “أرامكو” السعودية بنحو 15%، خلال خمس سنوات، وقد يُؤَدِّي تَوَرُّطُ آل سعود وأمثالهم في العديد من الحُرُوب العدوانية الأمريكية (ضد العرب والمسلمين، بدرجة أولى)، وزيادة الإنفاق على التّسلّح، حيث يتجاوز الإنفاق السعو​​دي على التّسلح الإنفاقَ الرّوسي، إلى إفلاس مَشْيَخاتهم، قبل سنة 2035، وتوقّع صندوق النقد الدّولي، في تقريرٍ بعنوان “مُستقبل النّفط والإستدامة المالية” (06 شباط/فبراير 2020) أن تلاقي هذه الدُّوَيْلات صعوبات كبيرة، تَبَعًا لتراجع النّفُوذ الأمريكي مُقابل نفوذ الصّين التي تُعْتَبَرُ أكبر مستورد عالمي بما يُعادل 14 مليون برميل يوميّا، ما جعل حكومتها تُنْشِئُ، منذ أيلول/سبتمبر 2019، سوقا في مدينة “شنغهاي” لتداول النفط بالعملة الصينية (اليُوان)، وبذلك تتمكّن الصين من الحصول على النفط الرخيص من البلدان التي تُحاصرها الولايات المتحدة (إيران وفنزويلا وروسيا…)، وتوسّع التعامل بالعُملة الصينية، أو بالمُقايضة، ليشمل بلدانًا أخرى، منها روسيا.

توفر الدول العربية المنتجة للنفط حوالي 20% من الإمدادات العالمية، لكن الشّعوب لا تتحكم في ثرواتها، أما الحُكّام فلا يستخدمون عائدات هذه الثروة (الرّيع المُتأتِّي من الثروات الطبيعية) من أجل تلبية احتياجات المواطنين ومن أجل تحقيق التنمية والسيادة…

أما صندوق النقد الدولي فإنه يمتنع في تقاريره عن تقديم أي مقترحات بناءة، مثل خفض الإنفاق على التسلح أو إنشاء صناعة عربية للأسلحة، أو الإنفاق على تطوير البحث العلمي والإبتكار، وتطوير الزراعة وصناعة المُعدّات، وغير ذلك، لأن الصندوق يُمثل مصالح الدّول الرأسمالية الإمبريالية التي أنْشَأَتْه (مع البنك العالمي) سنة 1944، لخدمة مصالحها، ولذلك فهو يقترح دائمًا، وعلى كافة الدّول، مهما كانت درجة تطور اقتصادها، “إصلاحات اقتصادية” تتمثل في خصخصة كافة القطاعات الإقتصادية والخدمات، وخفض الإنفاق الحُكُومي، وإلغاء دعْم السلع والخدمات الأساسية…

كيف يمكن لأنظمة الدّول النفطية العربية تلبية احتياجات المواطنين والمُحافظة على مستوى الخدمات الذي وَفَّرَهُ اقتصاد الرّيع، في ظل انخفاض أسعار المحروقات (النفط والغاز)، وخلق وظائف للمُعَطّلين عن العمل الذي يرتفع عددهم سنويًّا…

قَدْ يُؤَثِّرُ تراجع قُوّة الولايات المتحدة، مباشرة على الكيان الصهيوني، لكن طبيعة الأنظمة العربية وسلطة أوسلو، واكتشاف الغاز في سواحل فلسطين، وتسابق الأنظمة العربية نحو التطبيع المَجاني مع العدو الصهيوني، والعلاقات المتطورة بين الكيان الصهيوني والصين وروسيا (منافسي الولايات المتحدة)، هي عَوامل قد تُؤَجّل تراجع قُوّة كيان الإحتلال، إلاّ إذا تصاعدت النضالات الشعبية في البلدان العربية، وفي مقدّمتها فلسطين والبلدان المُجاورة، ليس فقط من أجل تحرير الأرض (الوطن) بل من أجل إرساء نظام اقتصادي واجتماعي بديل…

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.