حالة وصلت حدها…الحالة الفلسطينية، انتفاضة نزار (3)، عادل سمارة

تربينا في المدرسة والبيت اننا عرب والقضيةعربية وبدأ وعَينُا حينما كان تحرير فلسطين هدف  الأنظمة والأحزاب القومية. كان ذلك في مناخ تحرير الجزائر والعمل الفدائي من مصر عبر غزة ومن سوريا وعدوان 1956 الثلاثي وانتصار الثورة في العراق 1958  وانفصال الوحدة المصرية السورية ثم ثورات سوريا والعراق 1963 وثورة اليمن الشمالي على الإمامية ثم تحرر اليمن الجنوبي…الخ.
في هذا المناخ، كما جيلي، دخلت حركة القومين بعد مظاهرات 1963. وبعد ستة اشهر اكتشفت انها حزب، وكما كتبت سابقاً طلبت تحويلي للعمل اللفدائي في تنظيم ابطأل العودة.

قبل 1967 كان النضال عربياً فلسطينياً موحدا وكنت اعتقد بإمكانية النصر.

هزيمة 1967 كشفت ضعف الأنظمة القومية وخيانة وصهينة الأنظمة التابعة والنفطية والملكيات.

كان في الوطن منحيان:

·          القومي الإنتاجي

·         الريعي التابع

ولكن الهزيمة افهمتنا اننا نقاتل النظام الراسمالي العالمي وهذا يؤكد اهمية العمق العربي وليس الهروب منه إلى التحلق والتشرنق القُطري واخطره الفلسطيني . ولكنني لم أفقد أساسية العمق العروبي.

لذا واصلت مشاركتي في العمل الوطني بعد 1967 وأنا واثق ان هذه البنية  والحصرية الفلسطينية كارثية لا تُحرر إنما لا بد من القيام بالواجب تاسيسا لما سيأتي ولاسترداد العمق العربي لأن القضية المركزية لا تستعيدها سوى الدولة المركزية العروبية.

وحيث غرق الفلسطينيون في ذاتيتهم فقد أسعد هذا انظمة سايكس بيكو جميعا لترفع عنها عبىء التحرير وتتصدر دور التاسيس لتصفية القضية على أن يبدو ذلك بيد الفلسطينيين وترتب على ذلك:

·         ظهورها كانهأ مع فلسطين

·         كما أزاحت من الصورة حركة التحرر العربية (التي أصبحت بلا وزن)

·         وانغمست قيادة م.ت.ف مع الأنظمة مما أنتج لاحقاً موقفين خطيرين:

o        القرار الفلسطيني المستقل

o        ونقبل ما يقبل به الفلسطينيون (هل يقبلوا بموقف أيار 2021؟؟)

·         تم إغراق الفصائل بالمال من انظمة تابعة وهنا المفارقة: فهل يسمح الغرب لأنظمة صنعها أن تساهم في تحرير فلسطين!

·         أما الأنظمة قومية الاتجاه فكانت جوهريا قطرية الأداء ولم تكن مؤهلة لمشروع التحرير الأمر الذي يتطلب أنظمة تفك الارتباط وتقطع مع الإمبريالية وتمثل الطبقات الشعبية.

  خلق هذا المناخ فرصة تبلور راسمالية بيروقراطية فلسطينية بأموال الأنظمة جاهزة لسلطة لا لثورة

وما أن لاحت فرصة التسوية (لاحقاً مع اوسلو)  لتغتنمها وتتحول إلى سلطة حكم ذاتي كمبرادوري سياسيا واقتصاديا وأمنيا.

بعد أيلول 1970 مباشرة بدأت تظهر من قيادات في المقاومة مؤشرات قناعتها أنها أقل من قامة التحرير وذلك منذ 1971 إلى أن كان مشروع ما يسمى السلطة الوطنية على كل شبر يحرر.

كان واضحا أن هذه القوى لا يمكنها ان تُحرر، ولذا كان مشروع السلطة الوطنية عملية تطويع تطبيعي للعقل والنفس وصولا إلى الموقف وهو موقف مشترك من يسار ويمين معا

ولأن القدرة على التحرير غير متوفرة كما أن الجاهزية لنضال طويل الأمد غير متوفرة وخاصة ضمن علاقة بالأنظمة العربية التي تقبل وجود المقاومة ولكن بشروط الحفاظ على نظامها ذهبت قيادة المقاومة إلى التأسيس لحل مع الكيان والإمبريالية وليس مع الوضع العربي على هشاشته وبالطبع غادرت محطة التحرير  وذلك:

·         لأن وضع القوى القومية متهالك

·         ولأن قيادة المنظمة قُطرية الموقف مما يناقض الموقف القومي.

تكرس توجه قيادة المنظمة عبر كرايسكي والسرطاوي وإدوارد سعيد وسايروس فانس…

كان الرد على هذا التوجه وخاصة بعد حرب أكتوبر بإقامة جبهة الرفض التي كانت ستحدث متغيرا نوعيا بمعنى:

إعادة ربط المقاومة عربيا

بروز محور مقاومة ضد المساومة

لكن حل جبهة الرفض أكد ان جميع الفصائل الفلسطينية إقليمية التوجه وحتى الماركسية منها كانت مكسورة العمود الفقري أي:

·         وطنية فلسطينية

·         أممية التوجه

·         مع غياب البعد القومي

إن عدم تفهُّم المقاومة لوضع الأنظمة القومي الأضعف من التحرير دفعها في الاتجاه الآخر بدل أن تتبنى النفس الطويل لرفع السقف العربي ومن ثم الفلسطيني.

كل هذا أفضى إلى حقيقة سلبية فرضت نفسها وهي الاقتناع الباطني والعلني بأن يقبل فلسطينيو التسوية بما يمكن أن تقدمه الثورة المضادة بقيادة امريكا والكيان وتوابع عربا.

وعليه، صار الكفاح المسلح مجرد البقاء بحكم الاستمرار في الخارج مع تحوله التدريجي إلىى بيروقراطية  استدوالية بالمال والإعلام وليس السلاح رغم المحاولات المحلية الجذرية في الضفة والقطاع.

ورغم تراجع أداء الكفاح المسلح من الخارج وتوسع أجهزة الإعلام والبيروقراطية في لبنان بعد اقتلاع المقاومة من الأردن، فقد شهدت الفترة بعد 1973 إتساع شعبية المقاومة في الأرض المحتلة سواء باكتساح الانتخابات البلدية ورفض مشروع بيرس  وسيطرة م.ت. ف. على كثير من المؤسسات والنقابات كنقابة الصحفيين والكتاب واتحادات الطلبة والعمال والنساء…الخ.

لكن المخيف أن هذه المكاسب قررت قيادة م.ت.ف استثمارها  من أجل التسوية وليس مواصلة النضال وصولا إلى  التحرير

في هذه الفترة وصل الليكود للسلطة في الكيان حيث اتبع سياسة جر المقاومة إلى العلنية ولو تدريجيا.

إلى أن كان العدوان عام 1982 والذي كشف المستور ليحصل الفراق بين التحرير والاستدوال بالخروج إلى أبعد مسافة عن فلسطين. لتصبح مقاومة في المنفى. المقاتلون في اليمن والقيادات في تونس في أحضان  نظام مضاد حتى لشعبه.

بالمقابل، ثبت أن م.ت.ف في لبنان قد انتقلت من المقاومة إلى انسداد الوضع مما فتح الطريق للمقاومة اللبنانية والتي اثبتت أن التحرير ممكن وبأن البندقية وحرب الغوار لا تزال أداة للمقاومة وصولا إلى الصاروخ.

بين 1982 و 1987 كانت فترة:

·         اعتقد العدو أن الأمور انتهت (ربع الساعة الأخير) بنفنستي

·         وتجذَّر في المنظمة تيار الاستدوال وإعلان الاستقلال…الخ

إلى أن كانت انتفاضة 1987 حيث انقذت القيادة في تونس ولكنها وظفت الانتفاضة للاستدوال فكانت جولات مدريد ومفاوضات اوسلو بمباركة معظم الأنظمة العربية وصولا إلى اتفاقات أوسلو . حينها كتبت أن العدو لن يسمح بدولة عبر آلية المفاوضات.

تبع ذلك نقل القيادة للداخل تحت زعم “نقل النضال للداخل”! والدعوة لوقف الانتفاضة ووقف المقاطعة وقطع مشروع التنمية بالحماية الشعبية…الخ بزعم أن ما حل هو سلام الشجعان والذي كتبت بأنه سلام راس المال.

وبناء على هذا كانت اتفاقات أوسلو التي تنازلت عن المحتل 1948 وعن تحرير المحتل 1967 لصالح حكم إداري ذاتي. وبموجبها اصبح الفلسطيني هو فقط الموجود في 1967، ومع ذلك تواصل الاستيطان. مما جعل أوسلو مجرد مشروع مرحلي ريثما يتم ابتلاع كل الضفة  والقطاع.

على ارضية الاستدوال كان الصراع بين فتح وحماس! اي ان الانقسام هو من مترتبات أوسلو. ولأن الأمر استدوالي كان الاقتتال طبيعيا وضروريا

ما يخلص إليه المرء هو: إن المنظمة وُجدت مؤهلة للهزيمة

فهي لم تبدأ ولم تصل إلى بنية جبهة وطنية بل فصائل بعلاقات اشبه بعلاقات دول الجامعة العربية وهذا ساعدها على استخدام العمق العروبي على هواها كما ساعدها هذا العمق بضعفه وعدم وحدويته ولا جذريته.

ويمكن القول بأن من إشكاليات المقاومة تشابه قياداتها من حيث المنبت الطبقي وتشابه قواعدها من حيث المنبت الطبقي ايضا مما يؤكد أن عدم  تشكيل جبهة وطنية كان مُسقط من القيادات من أعلى ولم يكن نتيجة تناقض طبقي موضوعي لا على مستوى القيادات ولا القاعدة الشعبية. وقد ظهر هذا بفجاجة في اقتتال اليمين شبه العلماني مع اليمين الديني في غزة وهو اقتتال طبيعي طالما صار المشروع هو الاستدوال وليس التحرير حيث من الطبيعي في غياب مشروع التحرير أن يحاول كل حزب أخذ السلطة.

وحيث حصل الانقسام، فإن احتمال رتقه ليس وارداً حيث غدا كل طرف مرتاحاً في ما حصل عليه سواء من حيث مصدر الريع والإمساك بالسلطة والفساد والمحسوبيات …الخ. ولم تكن لعبة الانتخابات ، سواء السماح بها أو إلغائها، تحت الاحتلال سوى تجسيدا لمشروع الاستدوال الذي لن يحصل .

بقي أن نشير هنا إلى ما يلي:

·          ما وصل اليه الحال الفلسطيني ليس من طرف واحد ابداً  كما ليس من رجل واحد، وكل اللعنات على طرف أو رجل كما يحصل منذ فترة هو غض الطرف عن ان الجميع كان يدور عمليا في نفس الفلك وإن اعتور ذلك بعض الغضب والخروج ثم العودة إلى حاضنة م.ت.ف. ذلك لأن الموقف الجذري هو مغادرة مؤسسة لم تُعطي حتى منذ بداياتها فكيف في هرمها.

شاهد هذا المقال على يوتيوب:

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.