الفصحى والعامية والمسألة القومية (الجزء الأول)، الطاهر المعز

تقديم:

تهتم الشعوب والأمم بصيانة لغاتها، وتفرض العديد من الدّول استخدام لغتها، حصريًّا على أراضيها، لأن اللغة تعتبر ركيزة أساسية لهوية الأمم، وتتخوف بعض الشعوب من اندثار لغتها بسبب هيمنة اللغة الإنغليزية على عديد المجالات المالية والتجارية والتقنية، فيما تُواجه اللغة العربية خطرًا آخر يتمثل في انتشار استخدام اللهجات المحلية (المَحْكِيّة) في وسائل التواصل “الإجتماعي”.

لا تهدف هذه الورقة إذكاء حربٍ (لا لُزُومَ لها) بين الفُصْحى و”العامّيّة” (أُفضِّلُ عبارة “المَحْكِيّة” أو “الدّارِجة”)، فلكل منهما وظيفتُها ودورها وضروراتها، بل تنطلق هذه الفَقَرات من ضرورة تطوير القواسم المُشتركة بين مُواطني الوطن العربي، كخطوة ضرورية لِنَهْضَة الأمّة العربية بكافة مُكَوّناتها، وكخطوة نحو وحدة الشعوب العربية، كحلقة من برنامج تقدُّمِي اشتراكي، أُمَمِي، وسوف أُحاوِلُ التّرْكيز على الدّعوات لتدريس وكتابة اللّهجات المَحلِّيّة، بديلاً للُّغة العربية الفُصحى التي سمِحَتْ، حتى القرن التاسع عشر، بتطوير الفلسفة والرياضيات ورسم الخرائط والطب والصيدلة ومجمل العلوم…

كان الشاعر والأديب والإعلامي المَصْري “فاروق شوشة” (1936 – 2016) من الأدباء المصريين القلائل، في عصره، الذين تَخلّصُوا من المركزانية المشرقية، أو المَصْرِية، حيث اهتم بالشعر والأدب في المشرق كما في المغرب (كتاب “الشعر أولاً، الشعر أخيرًا” – 2002)، ونَشَرَ ما لا يقل عن عشرين كتابًا بين دواوين شعر ودراسات أدبية، وكان يُقدّم برنامج “لُغتُنا الجميلة” الإذاعي، من 1967 إلى 1977، واستضاف مشاهير الأُدباء، منهم “طه حسين”، وفي التلفزيون، استضاف في إحدى حلقات برنامج “أُمْسية جميلة” الشاعِرَيْن “عبد الرحمان الأبنودي” ( 1938 – 2015) الذي يكتُبُ الشعر بالعامِّيّة، و “أمل دنقل” الذي كتب بالفُصْحى (1940 – 1983)، قُبيْل وفاة أمل دنقل بداء السّرطان، حيث قال دنقل ما معناه أن “لكل من شعر الفصحى والعامية دَوْرٌ في المجتمع، وكلاهما يُعبّرُ عن تنوّع الفكر والهُموم والمشاعر، فيُساهم كل منهما في إثراء التّراث الأدبي المَحلِّي”، وأتّفق مع هذا الرّأي الذي يُنصِفُ كلا من الفصحى والعامّية، لكن اللغة العربية تضمن الإنتشار في مجال أرحب…

اشتهرت قصائد وحكايات وملاحم عديدة بالعامية، مثل قصائد عبد الرحمان الأبنودي وأحمد فؤاد نجم (مصر) كما اشتهرت القصيدة المأساوية “حيزِيّة” (1878) للشاعر الجزائري “محمد بن قيطون” ( 1843 – 1907 ) والتي أعاد الشاعر الفلسطيني “عز الدّين المناصرة” ( 1946 – 2021 ) التعريف بها، لتنتشر حكاية المأساة (وليس القصيدة بذاتها) بعد أكثر من قرن على تأليفها، كما اشتهرت قصائد مُظفر النواب (العراق)، باللهجة العراقية، إلى جانب قصائده باللغة الفُصْحى، وساهم بعض الشّعراء التونسيين في نشر الوعي الطّبقي والفكر التقدمي بقصائد أُلْقِيَتْ العامّية، مثل بلقاسم اليعقوبي ولزهر الضّاوي من المُعاصرين والعديد من الشعراء الذين كتبوا قصائد مناهضة للإستعمار، كما كُتبت ملاحم عن أبطال الكفاح المُسلّح (محمد الدّغباجي أو البشير بن سديرة…)، أو قصائد عن الوضع الإجتماعي وارتفاع الأسعار، أو قصائد الوَصْف والغزل لأحمد البرغوثي (العديد من براغيث تونس شُعراء كما براغيث فلسطين)، ناهيك عن النصوص التي كُتِبَت للمَسرح أو للسينما، فيما حفظ جميعنا أمثالاً وحِكَمًا وحكايات شعبية باللهجات المحلية، أصبحت تُشكّل جزءًا من تراثنا، بعضها تقدُّمي وبعضها رجعي، يدعو للخنُوع، ما يتطلب غربالاً للتُّراث، لِفَرْزِ الغث من السّمين.

الإستعمار وسياسة “فَرِّقْ تَسُدْ”:

ظهرت دعوات عديدة، في معظم البلدان العربية، للكتابة باللهجات المحلية (المَحْكِيّة أو العامِّيّة أو الدّارجة) بدل اللغة العربية، بالتّوازي مع الإدّعاء أن بلدًا صغيرًا مثل لبنان أو تونس يمثل أُمّة (أُمَيْمَة) بِحَدِّ ذاتها، وأن المصرين أو التونسيين أو اللبنانيين ليسوا عربًا، بل فراعنة أو قرطاجنيين أو بربر أو فنيقيين، كما بذل الإستعمار الفرنسي جهودًا للقضاء على تعليم العربية واستخدامها في المغرب العربي، وفي الجزائر بشكل خاص، مقابل تشجيع استخدام الدّراسة والكتابة باللغات البربرية، واللهجات المَحْكِيّة المحلية، ولم تنته هذه الدّعوات والجُهود الإستعمارية، بانتهاء الإستعمار العسكري المُباشر، بل تمكّنت فرنسا من فَرْض وزيرة للتعليم ( 2014 – 2019) تعمل في مركز وطني فرنسي للدراسات والبحوث، وحفيدة أحد مشاهير عملاء الإستعمار، ولا يُحَمِّلُها أحدٌ مسؤوليةَ خيانة جدّها، لو امتَنَعَتْ عن تَمْجِيد أقوالِهِ وأفعاله عَلنًا، وعبّرت كوزيرة تعليم، عن مُعادتها للغة (وللحضارة) العربية، باسم مناهضة الإخوان المسلمين، وتدعو للتدريس باللغة المَحْكِيّة وبالبربرية في المراحل الأولى، ثم بالفرنسية في المراحل اللاحقة، كما ظهرت خلال نفس الفترة دعوة مماثلة من وزير مغربي في حكومة الإخوان المسلمين، أما في تونس فقد كان “اليسار” (ولا يزال عدد هام من مناضليه) يكتب باللهجة المَحْكية…

ارتبَطَ تاريخ الدّعوات للكتابة بلغة المُسْتعمِر، كما باللغة المَحْكِيّة، بمخططات الإستعمار، للقضاء على مُقومات وحضارات وتاريخ الشُّعُوب الواقعة تحت الإستعمار، خصوصًا في الجزائر، حيث ترافق الغزو العسكري، مع غزو ثقافي، يقودُهُ عُلماء الآثار والأنثروبولوجيون والمُؤرخون وعلماء اللغة وباحثون من مختلف الإختصاصات، ادّعى بعضهم أنه أصبح مُسْلِمًا، وتعلّم بعضهم العربية (أو لُغَات الشُّعُوب المُسْتَعْمَرَة) بغرض خدمة الإستعمار وتقويض بُنْيَة المجتمعات الواقعة تحت الإستعمار، من داخلها.  

نُشرتْ سنة 1886 الطبعة الأولى من “قاموس عربي فرنسي بحسب اللهجة الجزائرية”، كتبه “بلقاسم بن سديرة” (1845 – 1901)، وهو معجم بعنوان فرنسي، يعتمد تبويبًا فرنسيا، ومؤلفه حاصل على “وسام الشرف” الفرنسي و”الميدالية الإستعمارية الفرنسية”، في الجزائر المُسْتَعْمَرَة، وتَجَنَّسَ بجنسية الدولة المُسْتَعْمِرَة عند بلوغه سن الرّشد (21 سنة آنذاك، أي سنة 1866)، وتزوج امرأة فرنسية وحَمَلَ أبناؤُهُ أسماء فرنسية، وأنفقت وزارة الحرب الفرنسية على تعليمه بفرنسا (بوساطة من أحد الأعيان العُملاء بمنطقة الشرق الجزائري)، ليوَظّفَهُ الجيش الفرنسي، عند عودته “لرعاية” الجنود الجزائريين بالجيش الفرنسي، “وإدماجهم في النّسيج الثقافي والحضاري الفرنسي”، واشتهر بدفاعه المُستَميت عن “الحضارة الفرنسية”، وهو ما عبّر عنه جدّنا عبد الرحمان بن خلدون (ثم فرانتز فانون من بعده) بتَشَبُّهِ المغلوب بالغالب، وافتتانه بثقافته وحضارته، ولذلك كلفته السلطات الإستعمارية (الحاكم العام بالجزائر) ب”مهمة خاصة في منطقة القبائل”، تتمثل بحسب بلقاسم بن سديرة في “دراسة اللهجات البربرية وإدماج الأهالي”، والإدماج يعني “الفَرْنَسَة”، في إطار الدراسات الأتثروبولوجية التي بدأت مُبَكِّرًا، “لِفِهْم الإنسان الجزائري” (أو أي إنسان واقع تحت الإستعمار”، مع الإشارة إلى محاربة الإستعمار الفرنسي اللغة العربية منذ البداية، مع حَظْرِ تعليمها، وتدمير آلاف المساجد والزوايا والمدارس، بالتوازي مع تشجيع دراسة الفرنسية واللهجات المحلية، منذ سنة 1835 (أي بعد خمس سنوات من بداية الإحتلال العسكري)، وأورد أحد التقارير الفرنسية الرسمية (سنة 1847) أن الإحتلال تمكّن من إغلاق جميع المدارس، مع ترك هامش صغير لتعليم القرآن فحسب، وخصّص الإستعمار ميزانية هامة لدراسة اللهجات والعادات والخُصُوصيات المحلية، وخصصت وزارة الحرب الفرنسية (وليس وزارة التعليم أو البحث العلمي والأكاديمي) جوائز هامة للباحثين في هذا المجال، ومنهم “بلقاسم بن سديرة”، إلى جانب العديد من ضُبّاط جيش الإحتلال الذين تعلّموا العربية،وألّف بعضهم “مَعاجِمَ” كُتبت بالفرنسية وباللهجات الدّارجة الجزائرية، لتوعية الضباط والمُستوطنين الفرنسيين وتعليمهم كيفية التخاطب والتّعامل مع الجزائريين، بهدف تخريب المجتمع الجزائري، كجزء من خطّة تقسيم الشعب وفك الرّوابط الوطنية التي تجعله مُوحّدًا ضد الإستعمار…

لم يخدم “بلقاسم بن سديرة” بلادَه الجزائر، بل كان خادِمًا شديد الإخلاص للإستعمار الإستيطاني الفرنسي، واستغلّه المُستشرقون الفرنسيون، فعيّنوه عضوًا في “الجمعية الآسيوية” (تأسست بباريس سنة 1822) وهي عبارة عن نادي ذي اتجاه ثقافي وإيديولوجي يجمع المستشرقين الإستعماريين الفرنسيين، واستفادت الجمعية (ومُستشرقيها) من إجادة بن سديرة اللُغَتَيْن الفرنسية والعربية، فضلا عن دراساته للهجات البربرية، وأدّى انبهارُهُ بحضارة المُسْتعمِر، إلى عدم التوجه إلى بني وطنه، وعدم نَشْر أي شيء باللغة العربية، بل كتب في مُقدّمة كتاب “دُروس تطبيقية في اللغة العربية الدّارجة”، وهو كتاب مكتوب بالفرنسية طبْعًا: “إن الفرنسية لُغتُنا الأُمّ التي تحدّثنا بها من يوم ولادتنا”.

رغم تضحيات الشعب الجزائري، يبقى استقلال الجزائر منقوصًا، لعدّة أسباب، أهمها، عدم تخصيص عائدات ريع المحروقات للإستثمار في التنمية وفي القطاعات المُنتِجَة، وكذلك، بسبب سيادة اللغة الفرنسية، ما يُعْتَبَرُ انتصارًا للإستعمار الفرنسي الذي يَسْتوْطِنُ العُقُول، ولا تزال فرنسا من أكبر الشركاء، في مجالات الإقتصاد والتجارة والثقافة، بعد قرابة ستة عُقُود من خروج الجيش الفرنسي، ولا يزال أنصار اللغة الفرنسية من الإئتلاف الطّبقي الحاكم، يتحكّمون بجهاز الدّولة ويحاربون تعميم اللغة العربية (رغم مُحاولات تعريب عناوين المحلات، أي تعريب الجُدْران، بدل تعريب العُقُول) في قطاعات التعليم وفي مؤسسات ودواليب الدولة، باختلاق مجابهة أحيانًا بين العربية والبربرية أو بين العربية واللهجات المحلّيّة، بلغت أَوْجها سنة 2015، وهو ما حصل أيضًا بالمغرب، سنة 2018، أما في تونس فقد تكفَّل مناضلو اليسار بإلغاء العربية من كتاباتهم لصالح اللهجات المَحلّيّة، سائرين على خُطى مجموعة “آفاق” ووَريثَتِها الشّرعيّة “العامل التونسي”، فإلى جانب هذا النّموذج الجزائري، من الدّعوة للكتابة بالفرنسية أو بالعامّيّة، أو اللّهجات المَحْكيّة، وُجِد نموذج آخر بتونس، يدّعي تَبَنِّي الإشتراكية.

تشكّلت حركة “آفاق” التّونسية من طلبة تونسيين درسوا بفرنسا، خلال منتصف القرن العشرين، وكان مُؤَسِّسُوها يتفقون مع رُؤْية بورقيبة للحداثة، ويشتركون معه في الهُيام بفرنسا وباللُّغة الفرنسية، وعلى سبيل المثال فإن أحد مؤسسيها الرّاحل “جِيلْبار نَقّاش” (1939 – 2020) يُصِرُّ على الحديث بالفرنسية، حتى عندما وقعت دعوته للحديث عن تجربة السّجن والتّعذيب (شريط “الحَنْظَل” من إخراج “محمود الجمني” 2012)، واختلفت مجموعة آفاق مع بورقيبة بخصوص مسألة الديمقراطية، ثم توسّعت المجموعة وأصبحت تضُمُّ قَوْمِيِّين (ناصريين وبعثيين)، فيما بقيت الفرنسية لُغة المنشورات، رغم وجود بعض المُتخرّجين من جامعة “الزيتونة” (المُعَرّبة) في الطاقم النّضالي، وعانى مناضلو “آفاق” من القمع والإعتقال والسّجن، فقد كانوا يعارضون الحرب الأمريكية ضد شعب فيتنام، فيما كان بورقيبة يدعم الإمبريالية الأمريكية عَلَنًا، ثم تظاهر بعض مناضليها (وليس كلهم) ضد العدوان الصهيوني على الشعوب العربية في الخامس من حزيران 1967، وتظاهروا ضد زيارة نائب الرئيس الأمريكي “هيوبرت همفري”، ووزير خارجية أمريكا “وليام روجرز”، وسلطت المحاكم الإستثنائية (أمن الدّولة) أحكامًا قاسية جدًّا (20 سنة أشغال شاقة لمحمد بن جَنّات، على سبيل المثال)، قبل إصدار بورقيبة عفوًا رئاسيًّا مشروطًا ضد معظمهم في العشرين من آذار/مارس (ذكرى اتفاقيات “الإستقلال”) سنة 1970…

انتقد الجيلُ اللاحقُ من المناضلين الكتابةَ والخطابَ السياسي باللغة الفرنسية، باعتبارها لغة الإستعمار، كما انتقدوا مفهوم الأُمّة لدى مجموعة “آفاق” وما انبثق عنها من مجموعات، مثل “تجَمّع الدراسات والعمل الإشتراكي”، الذي اشتهر (بالسّلْب، وليس بالإيجاب) بإصدار “الكُرّاس الأصفر” (نسبة إلى لَوْن الغلاف) الذي تَضَمَّن موقفًا يمينيا واستعماريا عن فلسطين، ضمن مجموعة كراسات وإصدارات أخرى، مكتوبة باللغة الفرنسية، وكذلك مفهوم الأُمّة لدى منظمة “العامل التّونسي” فيما بعد، على إسم الصحيفة التي انطلقت سنة 1969، بالعربية “التونسية” المَحْكِيّة، مع الإشارة إلى اختلاف العبارات وطريقة الكلام بين منطقة وأخرى، داخل تونس، كما داخل كل بلد، وحصل الإنفصال بين مجموعتَيْ “آفاق” و “العامل التونسي” سنة 1971، وبعد انتقادات عديدة من داخل المنظمة ومن خارجها، أصبحت الصحيفة مكتوبة بالعربية، سنة 1974، ولكن لم يَنْتَهِ النقاش حول المسألة الوطنية والقومية، بل تواصَل، داخل تيارات المنظّمة، حتى منتصف عقد الثمانينيات من القرن العشرين، لمّا توحدت معظم تيارات “العامل التونسي” لتُؤَسِّسَ حزب العُمّال الشيوعي، الذي أصبح يُسمّى حاليا “حزب العُمّال”…

ظهرت خلال عقد الثمانينيات من القرن العشرين، مع “برنامج الإصلاح الهيكلي” (المفروض من قِبَل صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي) ومع خصخصة القطاع العام، لوحات إشهارية ضخمة في شوارع تونس والمغرب ومصر وغيرها، وإعلانات تجارية مسموعة ومرئية، بلهجة مَحلِّية مُبتَذَلة، وركيكة، وبذيئة، بالتوازي مع انتشار أغاني هابطة، في وسائل الإعلام الحكومية والخاصة، كانت عنوانًا لفساد الذّوق، بالإضافة إلى طابعها الإيديولوجي، كنتيجة منطقية لبرامج “الإصلاح الهيكلي”، واليوم، وبعد أكثر من خمسة عُقُود على ظهور تيار “العامل التونسي” الإقليمي الضيّق، يعود بعض اليسار التونسي (من مختلف الإتجاهات) للكتابة باللهجة المَحكية في تونس وفي العديد من البلدان العربية الأخرى، مع الإشارة إلى تنَوُّع اللهجات المَحَلِّيّة بين البلدان العربية، وبين المناطق أو الأقاليم داخل كل بَلَد، وإلى استخدام لُغات أخرى (البربرية والنُّوبية والكُرْدِية…)، فشكّلت هذه الكتابات (باللهجات المَحْكِيّة) نَسْفًا للقاسم المُشترك، أي اللغة العربية التي شكّلت لغة التواصل، سواء بين مواطني البلاد الواحدة أو مواطني الوطن العربي، فضلاً عن الإرتباط الوثيق بين اللغة والمسألة القومية، خصوصا داخل أُمّةٍ واقعة تحت الإضطهاد، وتخضع أجْزاءُ منها للإحتلال المُباشر، من سبتة ومليلة بالمغرب إلى لواء الإسكندرون السّوري الذي تحتله تركيا، وعربستان ( الأهواز) العراقية التي تحتلها إيران.

اللغة العربية في وسائل الإتصال “الإجتماعي”:

ابتكر وصَمَّم وسائل التكنولوجية الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي، مُخترعون وباحثون أجانب، أو حتى عرب يعملون لدى شركات عابرة للقارات، ذات منشأ أمريكي، أو أوروبي، ولذلك فإنها مُصَمَّمَة بهدف تحقيق الرّبح المالي، وعلى قياس اللغة الإنغليزية وعلى مقاس ثقافة الدّول الإمبريالية المُهَيْمِنَة، ما أثَّرَ سلبًا على اللغة والثقافة العربيَّتَيْن، وانتشر استخدام العامية، وخليط من اللهجات المحلية واللغات الأجنبية، عبر وسائل الإتصال، بالهواتف المحمولة واللوحات والحواسيب، لدى شباب الوطن العربي، كما انتشرت ظاهرة كتابة الأصوات العربية بالحروف اللاتينية، وكتابة الأرقام بدل الحروف التي لا وجود لمقابل لها في الأبجدية اللاتينية (القاف والحاء والخاء والضاد والظاء وغيرها)، وأصبحت هذه الظاهرة مُقلقة، ويمكن أن تُشكّلَ خطرًا على الهوية الثقافية العربية، وعلى جمالية اللغة.

أصبح العديد من مُستخدمي وسائل التّواصُل، من النقابيين والمناضلين الذين ينتمون لمنظمات اشتراكية وشيوعية، يعزفون عن استخدام اللغة العربية، وعن احترام قواعد اللغة السّليمة، ويستخدمون، بدلاً من ذلك، اللهجات العامية أو الدّارجة، لنقل معلومة أو خبر أو رأي، في وسائل الإتصال، كما في شعارات الحملات الإحتجاجية واللافتات (اليافطات)، وحتى الحملات الإنتخابية، مع محتوى جمالي وسياسي باهت، أو رديء، لا يمكنه الإرتقاء بوعي الأفراد أو الجماعات (الفئات أو الطّبقات) ثقافيا أو مَعْرِفِيًّا أو سياسيا، بل أصبحت هذه الكتابات باللهجة المحكية أداة لطَمْس الهوية، ولفساد الذّوق ولِتَدَنِّي الوعي السياسي، فضلا عن تدنِّي المُستوى اللُّغوي، شفاهيا وكتابيا، وعدم احترام الحد الأدنى من القواعد، كرسْم الهمزة واحترام قواعد الإعراب، وغير ذلك.

يعكس تدني مستوى العربية في مواقع التواصل “الإجتماعي” ضُعْف مستوى التعليم، إذ لا يُحسن نحو نصف سُكّان الوطن العربي استخدام قواعد اللغة العربية البسيطة، فيما يمتلك الوطن العربي كَكُتلة إقليمية رقمًا قياسيا بعدد الأُمِّيِّين (وكذلك عدد الفُقراء والمُعَطَّلين عن العمل) والذين غادروا منظومة التعليم مُبكِّرًا، ويعكس أيضًا استخفاف الأنظمة العربية بالتّعليم وباللغة وبالثقافة وكل ما يرمز إلى الهوية العربية، لأن اللغة تعبير عن “خَزّان مُشترك، بين الأفراد، من القناعات والإعتقادات”، وتمكِّنُ اللغةُ هؤلاء الأفراد والمجموعات من توفير مساحة من الحركية، ومن النّقد أو التفاهم من أجل تنسيق المشاريع المُشتركة، بحسب الفيلسوف الألماني “يورغن هبرماس” (1929 -… ) في كتابه ( Theory of acting communication ) بحسب الترجمة الإنغليزية للعنوان الأصلي الألماني، أو ما يمكن ترجمته “نظرية الفِعْل التّواصُلِي”، ويكمن خطر استخدام هذه المواقع في حلول “الإفتراضي” محل الواقع، وميل مستخدمي هذه الشبكات إلى الإستغناء عن المكتبات وعن المصادر والمراجع، ونبذ التراث، قبل غَرْبَلَتِهِ، ودون تمحيص ودون استخدام مَلَكَة النّقد…

تكمن أهمية مواقع التواصل “الإجتماعي”، مثل “فيسبوك” و “تويتر”، في ارتفاع عدد مستخدميها، وبالتالي ارتفاع عدد الرسائل المُتبادلة والمعلومات والأخبار، كما في استغلال المؤسسات الرسمية والحكومية هذه المواقع لنشر دعايتها السياسية، ولم يكن استخدام اللغة العربية (ولغات أخرى ) مُتاحًا في البداية، قبل أن تتفطّن الشركات التي تمتلك هذه المواقع وتُشرف على إدارتها إلى ضرورة زيادة عدد المُشتركين والمُتابعين، عبر إتاحة الإستخدام بلغات أخرى عديدة (منها العربية)، لزيادة قيمة هذه الشركات في السوق، وزيادة أرباحها من الإشهار بمختلف اللُّغات، ورافق هذا التوسع، بالنسبة للُّغة العربية، استهتار بقواعد الرسم والنحو وغيرها، بما في ذلك مواقع الوزارات والهيئات الحكومية العربية. إن الدفاع عن اللغة العربية وحمايتها وترسيخ قواعدها السليمة، مسؤولية فردية وجماعية، ويُعدُّ فعلاً مُقاوِمًا، لحماية للأمن القومي العربي، وهي خطوة تقدّمية، لأن العربية لغة أمة واقعة تحت الإضطهاد، وتستوجب المقاومة الثقافية تنمية مهارات القراءة والكتابة بالعربية لدى الأطفال، منذ الصّغَر، باستخدام الوسائل البيداغوجية الحديثة، قبل تعلم اللغات الأجنبية المُهَيْمِنَة، وهي ضرورية، مثل الإنغليزية، لُغة الإمبريالية والشركات الأضخم، كما أن تعلّم اللغات الأجنبية يُشكّل انفتاحًا على ثقافات شعوب العالم…

انتشار اللغة العربية عبر التاريخ:

يُقدّر حجم الكلمات ذات الجذور العربية بنحو 25% من اللغة الإسبانية، وبنحو ثلاثة آلاف كلمة في اللغة البرتغالية، في القرن التاسع عشر، بحسب المستشرق الهولندي “رينهارت دوزي” ( 1820 – 1883)، كما ساهم الإسلام في نشر اللغة العربية، عبر القُرآن، لكن العرب وُجِدُوا قبل الإسلام، وكتبوا بلُغتهم العربية التي كانت موجودة ومُتداولَة قبل الإسلام، ولا تزال بعض القصائد المكتوبة قبل الإسلام مشهورة عند عرب اليوم، وكما ساهم العرب، بمختلف دياناتهم، في الدّفاع عن بلادهم ضد الغزاة، ومنهم “الفرنجة” الذي أطلقوا على عُدْوانهم “الحُرُوب الصليبية”، ساهم العرب، بمختلف أطيافهم ودياناتهم في صيانة مُقومات الحضارة والثقافة واللغة العربية…

كتب المستشرق “جورج سارتون”، وهو اختصاصي في تاريخ العلوم (1884 – 1956): “قاد العرب العالم طيلة أَلْفَيْ عام، قبل اليونانيين، ثم طيلة أربعة قرون خلال العصور الوسطى…. حيث كانت اللغة العربية أعظم اللغات خلال هذه العصور وكتبت بها المؤلفات القيمة، فكان على الباحثين، من غير العرب، الذين يريدون الإلمام  بخصائص تلك الفترة وتطور العلوم أن يتعلموا اللغة العربية، وهو ما فعله العديد من المؤرخين والباحثين الأوروبِّيِّين، فضلاً عن الدبلوماسيين والجواسيس…

تمكّن العرب من ترجمة العلوم من عدة لغات أجنبية، وألّفُوا كُتبًا هامة في مجالات الأدب والفلسفة والعلوم والرياضيات والطّب، كما بدأوا مُبكّرًا في إصدار المعاجم، منذ القرن الثامن للميلاد، منها معجم “العين” للخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي دَوّنَ كذلك أوزان الشعر العربي (قواعد العَرُوض)، ومعجم “لسان العرب” (ابن منظور) الذي لا يزال من المراجع الأساسية للغة العربية، ومعاجم القرن العاشر كمعجم الجوهري، أو القرن الثامن عشر لمرتضى الزّبَيْدي، إلى معاجم القرنَيْن التاسع عشر والعشرين، ومعظمها من تأليف أدباء عرب، غير مسلمين (فالمسيحيون سابقون للمسلمين في الوطن العربي، كما في العالم) ومن أهم العرب المسيحيين الذي صانوا اللغة العربية: ناصيف اليازجي (1800 – 1871) وابنه إبراهيم (1847 – 1906)، ورجل الدّين المسيحي “أنستاس الكرملي” (1866 – 1947) و”بطرس البستاني” (1819 – 1883) الذين كان لهم دور هام في الدّفاع عن اللغة العربية وصيانتها وتطويرها، خلال الفترة التي عرفت زيادة الأطماع الإستعمارية، إلى جانب “أحمد فارس الشدياق” (1804 – 1887)، وغيرهم ممن قاوموا الإحتلال العثماني والإستعمار الأوروبي بالبحث والنّشر وتطوير اللغة والثقافة العربيّتَيْن، لتكون اللغة والثقافة رافعةً لفكر ما سُمّيت “النهضة العربية الحديثة” التي شملت نَشْرَ الصّحف والكُتُب، وتأسيس النّوادي الفكرية والمدارس والجامعات، كشكل من أشكال مُقاومة الإحتلال العثماني، ثم الأوروبي، رغم نُخْبَوية وانتقائية هذه الأشكال من المقاومة…

كانت اللغة العربية لغة العلوم والحضارة والثقافة التي ساهمت في إنتاج المعارف العِلْمِيّة والفلسفية أو ترجمتها من اللُّغات اليونانية واتلفارسية والهندية وغيرها، لتتلقفها أوروبا في عصر النّهضة، أو مرحلة الإنتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية، كما كانت لغة التجارة والعُقُود التجارية، من سواحل الصين والهند إلى القرن الإفريقي، وبين ضفاف البحر الأبيض المتوسط، ولا تزال العربية، حاليا، إحدى اللغات الأكثر انتشارًا (رغم العراقيل العديدة)، ويستخدمها نحو أربعمائة مليون شخص في العالم، بحسب بيان منظمة اليونسكو، بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية، يوم 18 كانون الأول/ديسمبر 2020، وكانت الأمم المتحدة قد أقَرّت يوم 18/12 من كل عام، منذ 1973، يومًا للغة العربية، إحدى اللُّغات الرسمية السِّتّ المُستخدمة في الأمم المتحدة، وكان الرئيس الجزائري هواري بومدين (1932 – 1978) أول من ألقى خطابًا باللغة العربية في الجمعية العمومية الأمم المتحدة (نيسان/ابريل 1974)، مُطالبًا بنظام اقتصادي عالمي جديد، يُراعي مصالح البلدان حديثة الإستقلال السياسي، ليُضْفِيَ الرئيس الجزائري مضمونًا تقدُّمِيًّا عالميا على خطابه باللغة العربية.

أما اليوم فإن اللغة العربية تُواجه تحدّيات كبيرة، كانعكاس لوضع عام، تغَوّلت فيه الإمبريالية الأمريكية التي احتلت العراق وسوريا ولا تزال تُعربد، مباشرةً أو عبر الكيان الصهيوني، أو عبر حُلفائها من الأوروبيين أو من الحكام العرب، في ليبيا واليمن وبلدان أخرى، وتتمثل التحديات في الثقافة الرجعية التي تنشرها وسائل الإعلام، المتحررة من القيود ومن الحدود، وكذلك وسائل الإتصال “الإجتماعي”، كما تتمثل في لغة الخطاب الشفوي أو المكتوب، المُستخدَمة في وسائل الإعلام والإتصال، ما يُساهم في تراجع اللغة والثقافة، وكذلك في تدهور مستوى وعي الشباب العربي بتاريخه وثقافته، وما يُشكّل خَطَرًا على مستقبل البلاد العربية ومواطنيها وثرواتها.

اللغة العربية في منظومة التعليم ووسائل الإعلام والإتّصال:

يتأثر انتشار اللغة العربية بنشر التعليم والإعلام والفُنون باللغة العربية، فانتشرت، في حقبة انتشار وسيادة النيوليبرالية (مثلما كان الشأن في بدايات حقبة الإستعمار المباشر)، المدارس الأجنبية الخاصّة التي تُعمّق الشّرخ بين الأثرياء ومتوسطي الدّخل الذين يتقنون اللغات الأجنبية، من جهة، والفئات الشعبية التي يدرس أبناؤها في المدارس الحكومية التي تفتقر إلى المعدات والتجهيزات والوسائل البيداغوجية والمختبرات، وباللغة العربية أساسًا، وما انتشار المدارس الأجنبية سوى نتيجة منطقية لخصخصة منظومة التّعليم، وتصفية القطاع العام، ضمن برامج “الإصلاح الهَيْكَلِي” الذي يفْرضُهُ الدّائنون، منذ ثمانينيات القرن العشرين. أما في الإعلام المكتوب، وربما في دُور النّشر، فقد اندثرت وظيفة المُدقّق اللغوي.

إن استخدام النقابيين والمناضلين التقدّميين وعناصر “المجتمع المدني” للغة المَحْكِيّة (العامّيّة)، في الخطاب المَكْتُوب، لا يسهل التواصل ولا يسهل نَقْلَ المعلومة، بل ينسف القاسم المشترك بين العرب، وحتى بين مختلف أقاليم ومناطق البلد الواحد، لتتراجع اللغة العربية، تاركة فراغًا تملؤُهُ اللغات الأجنبية التي بقيت مُستخدمة لتدريس العُلُوم في معظم البلدان العربية، ما يُعَرّضُ لُغَتنا، كجزءٍ من ثقافتنا وهويتنا، لمخاطر التّلاشِي، مع انتشار الإعلام الإلكتروني الذي صَمّمَتهُ وأعدّته وتشرف عليه شركات عابرة للقارات، وعلى سبيل المثال فإنِّ “الروبوت”، المُدقّق الإلكتروني للحاسوب، يرفض أن نكتُبَ عبارة “مَسْؤُول” بالهمزة فوق الواو، رغم صحّتها، وبذلك تنشر شركات تكنولوجيا الإعلام والإتصالات أخطاء عديدة في رسم الكلمات وفي تصريف الأفعال ووظيفة الكلمات في الجُمْلَة، لتُصبح هذه الأخطاء مُتداولة، بل هي القاعدة (التي أَقَرّتها شركة عابرة للقارّات)، ما يُهَدّد سلامة اللغة العربية، ناهيك عن الطابع الإيديولوجي والسياسي للرقابة التي يُمارسها المُشرفون على هذه المواقع…

إن اللغة “كائن حي”، فهي تتأثّرُ بلغات أخرى، إما بالقُوّة، مثل لغة المحتل، أو بالإختلاط، مع سُكّان البلدان المُجاورة، أو مع السُّكان الأصليين للبلاد التي استوطنها العرب في مراحل تاريخهم المختلفة، ومع توالي الإحتلالات، على مر القُرُون، ابتعدت اللهجات المحكية المحلية عن اللغة العربية، وقد يجد العراقي صعوبة في فهم المغربي، كما قد يجد المصري الإسكندراني صعوبة في فهم المصري النُّوبي، بالإضافة إلى المجموعات التي تتحدّث لُغات أخرى كالبربرية أو الكُردية…

إن اللغة العربية قديمة، مُقارنة بلُغات من استعمروا الوطن العربي (خصوصا الفرنسية والإنغليزية)، وهي أكثر مُفردات من اللغات المَحْكِية، فضلا عن القواعد المضبوطة التي مَكّنت اللغة العربية، منذ قُرون، من المُحافظة على وجودها، لأن القواعد تُمكّنُ القارئ من فهم مضمون الخطاب الذي كُتِبَ قبل قُرُون، وتشكّلت العربية من اللغات القديمة لحضارات المشرق والمغرب، كاللغة الآرامية، واللغة الفارسية، ولهجات الجزيرة العربية، في المشرق، والبربرية في المغرب العربي، أما اللغة التركية فإنها حديثة نسبيا، وكانت تُكْتَبُ بحروف عربية إلى حد هزيمة الدّولة العثمانية، بنهاية الحرب العالمية الأولى، حيث فَرَضَ مصطفى كمال أتاتورك “تَغْرِيب” تركيا وفصلها عن محيطها، وما التّأثير اللغوي التركي في المشرق العربي سوى جزء من نتائج الإحتلال العثماني، تلاه الإحتلال الأوروبي الذي أثّرَ في لغة الخطاب بين العرب، وعلى سبيل المقارنة بخصوص قِدَم اللُّغات، بدأت جهود إرساء قواعد اللغة الفرنسية خلال القرن السابع عشر، ولم تتأسس اللغة الفرنسية الحالية سوى بداية من القرن الثامن عشر، أي قبل عشرة قُرون من إرساء قواعد اللغة العربية، نثرًا وشعرًا…

رغم هذه التّأثيرات الخارجية (وهو أمْر طبيعي) حافظت اللغة العربية على مكانتها المتميزة، لأنها بقيت لغة التعليم والإعلام والتّظاهرات الثقافية، ولغة النّشر وتدوين التاريخ والتّراث (الذّاكرة الجمْعِية) والأدب، ولأن قواعدها كانت مُدَوّنَة في معاجم ومراجع قَيِّمَة، ومن ميزات العربية إنها لغة اشتقاق، أي يمكن ابتكار (اشتقاق ) كلمة جديدة، انطلاقًا من جذر أو فعل ثُلاثِي.

توارثت الأجيال أشعارًا (أزْجالاً) وأغاني دُوّنت بعد إلقائها بالعاميات، كما استخدم العديد من الكُتّاب اللهجات المحلّية في لغة الحوار في المسرح والسينما وفي ببعض القصص والروايات، ما أضْفَى عليها مسحة من الواقعية، لكن تعدّد اللهجات يُشكل إحدى الصعوبات التي يُلاقيها الأجانب الذين يتعلمون العربية، لتطبيق ما تعلموه في الحياة اليومية. أما الدبلوماسيون والجواسيس والمُستشرقون فإنهم يتعلمون العربية الفصحى واللهجات المحلية أيضًا، لاستخدامها من أجل تخريب الوطن والأُمّة العربيّيْن…

 إن اللهجات المحكية أو الدارجة، هي لغة تفاصيلِ الحياة اليوميّة والتواصل اليومي، بين الناس، ولكنها ضيقة فقد تختلف اللهجة بين الشمال والجنوب أو بين الشرق والغرب، داخل العديد من البلدان العربية، فضلاً عن لغة الأقليات من غير العرب، أما اللغة العربية فهي لغة الأمة العربية التي دُوّنَ بها تاريخها وتراثها الحضاري والعلمي والأدبي، ويُعتَبَرُ الإدّعاء بأن الكتابة باللهجات المحلية “تجديد للغة العربية”، يُقَرّبُ المُثقّفين من الشعب، كلامًا مردودًا على أصحابه، إذ يُمكن لكل مُتعلم، في أي بلد عربي، فهم أي نص مكتوب بالعربية الفُصحى، أما غير المُتعلّم فلا يمكنه قراءة ما يُكتب، لا بالعامية ولا بالفُصْحى، ولا بأي لغة كانت.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.