الفصحى والعامية والمسألة القومية (الجزء الثاني والأخير)، الطاهر المعز

اللغة والمسألة القومية:

ملاحظة أولى للتوضيح: أيّدت الأحزاب الشيوعية العربية، عن قناعة أو عن انتهازية القيادات، أو عن هُزال فِكري وعقائدي، قرار الإتحاد السوفييتي الإعتراف بالكيان الصهيوني، ما خلق انقسامات داخل الحزب الشيوعي الفلسطيني، وما أدّى إلى استغلال هذا الموقف من قِبَل القوى المناهضة للإشتراكية وللشيوعية، لكن التيارات التي نشأت خارج هذه الأحزاب الشيوعية “التقليدية” أكّدت على عُرُوبة فلسطين وعلى وُجُوب تحريرها كاملة، وأكّدت على المسألة القومية، لكنها تختلف مع التيارات القومية العربية (البعثية والنّاصرية) بشأن العديد من المسائل، من بينها طُرُق إنجاز الوحدة العربية، فالقوميون لا يضيرهم تحقيق الوحدة بالقُوّة، أو عبر انقلابات عسكرية أو عبر قرارات فَوْقِية، فيما يعتبر الإشتراكيون والشيوعيون أنها وحدة شعوب، تُنجز من القاعدة، وليس من قِبَل سُلطة الدّولة وأجهزتها العسكرية والبيروقراطية، ونشرت معظم المنظمات الشيوعية العربية، من المغرب إلى المشرق، نصوصًا ودراسات بهذا الشأن، تربط المسألة القومية بالتحرر السياسي والإقتصادي من الرأسمالية ومن التّبَعِيّة، رغم تراجع بعض هذه المنظمات عن محتوى هذه النّصوص أو طَمْسِها ودفْنِها.

ملاحظة ثانية: للتوضيح أيضًا، لا ينطلق مفهوم القومية العربية، أو الأمة العربية، من منطق عرقي أو أثني، بل من تاريخ مشترك وثقافة مشتركة ووجدان أو طموحات مشتركة – ينقصها العامل الإقتصادي بسبب وجود حُكّام عُملاء- على رقعة جغرافية ممتدّة من البحر إلى البحر، منذ حوالي خمسة عشر قرنًا، وتشمل هذه الأُمّة كافة الشعوب والثقافات، وتُشكّل اللغة (كوعاء ثقافي وحضاري) عاملا هامًّا من عوامل التّواصل بين كافة الشعوب (عرب وغير عرب) التي تعيش على هذه الرقعة الجغرافية…

تلاشى أو أُهْمِلَ موضوع الأمة، والتأكيد على ضرورة الوحدة العربية، من النقاشات، منذ تسعينيات القرن العشرين، بالتزامن مع هيمنة النيوليبرالية والعدوان على العراق وتطبيع قيادات منظمة التحرير الفلسطينية مع من يحتل وطن الشعب الفلسطيني، فضلا عن انسحاب مصر (أكبر دولة عربية) من جبهة المقاومة والتحاقها بصف الإمبريالية الأمريكية، ومع هيمنة القُطب الإمبريالي الواحد، بزعامة الإمبريالية الأمريكية، ومن الضّروري طرح هذا الموضوع (والمواضيع المتعلقة به) على جدول الأعمال، وخوض حوارات ونقاشات هادئة وبنّاءَة، بعيدًا عن التّشنّج وعن الشتائم والإتهامات…

إن اللغة العربية الفُصحى هي لغة اتصال مُشتركة، وليدة تمازج لهجات العرب، وشيئًا فشيئًا توحّدت التراكيب والصّيغ اللُّغَوية، قبل تدوين القواعد في المعاجم، ولئن ساهم الإسلام في نَشْرِها فإنها وُجدت قبل الإسلام، كما وُجد العرب المسيحيون والوَثَنِيُّون قبل الإسلام، ويَعُود أَقْدَم أثر وقع اكتشافُهُ للكاتبة باللغة العربية، إلى سنة 51 ميلادي، على باب معبد مسيحي، وتروي القصص العربية عن مآثر “حاتم الطّائي” (أكْرَم العرب) وهو مسيحي، وكذلك الشاعر الأمير، امرؤ القيس، صاحب المُعلّقة الشهيرة ومطلعها: “قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ * بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ”، وهو من قبيلة “كندة” بمنطقة حضرموت باليمن، عاش في القرن السادس ميلادي، وتُعتبر العربية من اللغات القليلة التي مَكّنتها صياغة القواعد اللغوية والنّحوية من الثبات طيلة القُرون الماضية، وتُمَكِّنُ هذه القواعد من اشتقاق وابتكار عبارات وألفاظ جديدة، بسهولة نسبية يَنْدُرُ وجودُها في اللغات الأُخرى، ولولا مُحافظة الأجيال العربية على لغتها لما وصَلَنا هذا التّراث الثّرِيّ، فاللغة ليست وسيلة تخاطب واتصال فحسب، بل جزء من الإرث الثقافي والحضاري، وأورَدَ موقع منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة (يونسكو) سنة 2018، أن اللغة العربية هي إحدى اللغات الرسمية الست في الأمم المتحدة، وهي لغة رسمية في ثمان وعشرين دولة، يتحدثها أكثر من أربعمائة وعشرين مليونا شخص، وهي في المرتبة الرابعة في الشبكة الإلكترونية، بعد الصينية والإسبانية، والإنغليزية، وهي اللغة التي نَقَلَتْ الإرث الثقافي والحضاري والعلمي والفلسفي اليوناني، والطب العربي والخوارزميات، ووظائف الْجَبْر إلى أوروبا.

أمّا اللهجات الدّارجة، فهي لهجات أقاليم أو مناطق محدودة وليست لغة وطنية أو قومية، ويُعْتَبَرُ استخدامها كتابَةً، خارج إطار الشّعر أو المسرح أو تدوين التراث الشعبي، موقفًا إيديولوجِيًّا إقليميًّا ضيّق الأُفق…

ليست اللغة العربية جامدة، بل هي كائن حي، وتطورت بفعل تفاعلها عبر الزمن مع لغات الأمم المجاورة ومع اللهجات المَحْكِيّة داخل الوطن العربي، وبفعل اعتمادها لغة رسمية في مناهجِ التعليم والإعلام والتّشريع في كافة بلدان الوطن العربي، وكانت لغة العُلُوم “الصحيحة” (الرياضيات والفيزياء والهندسة )، ولا تزال كذلك في بعض الدول العربية، ولكن لا تكفي اللغةَ وحدَها لتعريف أو تشكيل القومية، بل هي شرطٌ ضروري، لأن اللغة العربية تَجْمَعُ المواطنين العرب من خلال متابعة وسائل الإعلام ومطالعة الرواياتٍ والشعر والدراسات والبُحُوث، وما إلى ذلك، رغم تقهقر مستوى التعليم لدى الفئات الأكثر فقرًا وهشاشةً، ليترافق تعميق الفَجْوة الطبقية مع توسيع الشّرخ الثقافي واللغوي، بالإضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه من التحاق أبناء الأثرياء، وكذلك الفئات الوُسطى (بمن فيهم أبناء زُعماء أحزاب اليسار) بالمدارس الأجنبية الخاصّة، في بلاد العرب، قبل إرسالهم إلى الولايات المتحدة وأوروبا، والإستقرار بها في معظم الحالات، بدل إثراء مجتمعاتهم الأصلية بالترجمة وتعريب المعارف العلمية والتقنية، ومصطلحات الإبتكارات الجديدة، وذلك بسبب عدم اهتمام الأنظمة العربية القائمة بالعلوم والثقافة، ما جعل المصطلحات الأجنبية تكتسح مجالات العلوم والتكنولوجيا، رغم ما تُوَفِّرُهُ اللغة العربية من سهولة الإشتقاق التي مكّنت الأجيال السابقة من ابتكار أسماء لاختراعات أجنبية، مثل المذياع والهاتف والكهرباء والسيارة والحاسوب وغير ذلك، اقتداءً بالعرب الذين طوروا العربية لتصبح لُغَةَ الأدب والفلسفة والرياضيات وأدب الرحلات ورسم الخرائط، ولغة الطب والصيدلة ومجمل العلوم…

يلجأُ العديد من المُثقّفين، بمن فيهم المُثَقّفُون “الثّوْرِيُّون”، إلى ترجمة بعض المفاهيم من اللغات الأجنبية، مُهملين إمكانيات الإشتقاق التي تُوفِّرُها اللُّغة العربية، ومنها  (- country – homeland nation – nationalism ) رغم دقّة التعبير عنها بالعربية، بالإضافة إلى اختلاف معاني هذه المفاهيم لدينا كأمة مُضْطَهَدة، كما لدى باقي الأمم الأخرى الواقعة تحت الإضطهاد، ففي اللغة العربية، نُفرّق بين مفاهيم الوطن و البلد والمَوْطن و”القومية” و “الأمة” و”الدّولة”، وأميل شخصيا إلى اعتبار سوريا أو تونس، أو المغرب، وطنًا، رَسَمَ الإستعمار حُدودَهُ، لكن هذه الأوطان تنتمي إلى الأمة العربية التي تضُمُّ شُعوبًا (وليس شعبًا واحدًا) وقَوميات أو أقَلِّيّات، يمكن أن تمارس أشكالا من الحكم الذّاتي داخل البلد الواحد أو ضمن حدود الدّولة الواحدة، وعمل الإستعمار والإمبريالية والفئات الحاكمة على عَزْلِ هذه الأوطان والشعوب عن بعضها، وعرقلة تنقُّل الأفراد وتبادل الإنتاج المادّي والسّلع، والإنتاج الثقافي، بين شُعوبها، بينما ازداد التنسيق بين وزراء الدّاخلية العرب، لذلك يُعتبر النضال اليوم من أجل توحيد العرب، بدءًا بصيانة اللغة المُشتركة وتطويرها، عملاً تقدُّميًّا، بل ثوريا، ولئن كانت اللغة عاملأً مُهِمًّا، فهي غير كافية لتشكيل الأمة، ولا يمكن لهذه الوحدة، مهما كان شكلها، أن تتم ضد إرادة الشعوب، بل انطلاقًا من إرادتها وبمشاركتها جميعًا في رسم مُستقبلها، بشكل ديمقراطي، اختياري، وهي وحدة من أجل السيطرة على الثروات وإنتاجها وتقاسمها، وإنتاج الثقافة والفن، ومن أجل تحرير الأجزاء المُحتلّة، والدّفاع عن كل شبر من الوطن العربي ومواجهة أطماع الجيران، بمن فيهم الذين يدّعون “مُساعدتنا”، أو الإمبريالية وشركاتها العابرة للقارات، وثقافتها الرّجعية المُهيمِنَة حاليا.

يُرَوّجُ الإستعمار أن لا وجود لأمة عربية ويحاول مَحْوَ أي أثر للعروبة في تسمية منطقتنا (الوطن العربي) “منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”، كما يُسميها صندوق النقد الدّولي، وينْسخ العديد من الأفراد ومن المنظمات والأحزاب هذه التّسمية المَسْمُومَة، عن وعي أو عن غير وعْي، لا فَرْقَ.

المسألة القومية في عصر الإمبريالية:

يعتبر العديد من العرب التّقدّميين الإتحاد الأوروبي نموذجًا يُحْتَذَى، لأن الدول الأوروبية تمكّنت من تأسيس إطار يجمعها، رغم اختلاف اللغات والعادات والتاريخ (كان بعضها في حالة حرب بينها لعُقُود عديدة)، والواقع أنه اتحاد غير ديمقراطي، للرأسماليين ضد الكادحين وصغار المزارعين والفُقراء، فالمؤسسات النافذة في الإتحاد الأوروبي لا تُمثل سوى مصالح المصارف والشركات العابرة للقارات، وهي غير ديمقراطية بالمرة، فالمُفَوِّضِية التي تُمثل توازن القوى بين الحكومات غير مُلْزَمة باستشارة البرلمان الأوروبي، الذي لا يمتلك الإستقلالية أو النُّفُوذ ليعترض على قرارات المفوضية، وسبق أن نَشَرْتُ مقالات عن طريقة عمل الإتحاد الأوروبي وعلاقاته الفوقية مع الشعوب والكادحين…

انتشرت في الوطن العربي “مُوضة” تُرَوّجُها مجموعات رجعية، ومجموعات “يسارية”، منذ انهيار الإتحاد السوفييتي، الذي تزامن مع هيمنة النيوليبرالية، ومع العدوان على العراق ومع اتفاقيات أوسلو، وبالأخص منذ بداية القرن الواحد والعشرين، واحتلال العراق الذي أيّدته بعض القوى “اليسارية”، أي “موضة” التّبَعِية باسم اليسار الذي التحق بصفوف “الطابور الخامس”، وشكل الإحتلال فُرصةً لتأييد قرار الإمبريالية حلَّ أجهزة الدّولة العراقية (وليس فقط حل حزب البعث الحاكم)، وشكّل موقع “الحوار المتمدّن” إحدى الساحات لترويج هذه “الموضة”، باسم اليسار والعلمانية، بذريعة التّخلّص من القمع ودكتاتورية حزب البعث، وتطوّرَ هذا الموقف ليُعبّر عن مُعاداة كل ما يمُتُّ بصلة إلى العُرُوبة، وأصبح هذا الموقع (ذي الإمكانيات المادّية الهائلة) رمز إنكار وجود الأمة العربية، ورمْز تغييب المسألة القومية العربية، وتأييد استحوذ أحزاب ومليشيات العشائر الكُردية على المال العام العراقي لتمويل الإنفصال الفعلي (حظر رَفْع العلم العراقي )، وأصبح موقع “الحوار المتمدّن رمز العداء للعروبة ومعاداة مجرّد ذِكْر الأمة العربية أو الوطن العربي، أو الحديث عن ضرورة الوحدة العربية، وكل ذلك باسم “التقدّمية” و”اليسار” و “العلمانية”، وكأننا تجاوزنا مرحلة الإمبريالية، ولم تعد المسألة القومية (العربية) مطروحة، ولا النضال من أجل تحرير فلسطين والأراضي العربية المحتلة، مقابل تأييد انفصال الأكراد أو البربر…

يتمثل جزء من هذه “المُوضة” في المُزايدة بضرورة الإهتمام بالصّراع الطبقي، بدل التّركيز على الإمبريالية، معتمدين على المناقشة أو الخلاف بين روزا لكسمبورغ وفلاديمير لينين بهذا الخصوص، وتعتبر هذه “الموضة” أن حركات التحرر الوطني والقَوْمي “برجوازية بطبيعتها”، بما فيها المُقاومة الفلسطينية، والمقاومة العراقية ضد الإحتلال الأمريكي، مُتناسين أن الإمبريالية هي مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية، تَمْزج الإضطهاد القومي بالإستغلال الطبقي، فالإمبريالية تُتَرْجمُ رغبة رأس المال في التّوسُّع إلى الأسواق الخارجية، بعد السّيْطَرة على السُّوق الدّاخلية، ولهذا الغرض، تستعمر الأوطان، وتضطهد الأمم وتستغل ثروات هذه البلدان والأمم باستخدام العُنف العسكري بالتوازي مع الإستغلال الطبقي، ما يجعل من النضال من أجل التحرر الوطني والقومي صراعًا طبقيّا أيضًا ضد “المركز الرأسمالي” الذي يعمل على “عَوْلَمَة” الأسواق، منذ القرن التاسع عشر، ويعود الفضل لفلاديمير لينين وللثورة الصينية وكذلك “مدرسة التّبعية” (سمير أمين وغوندر فرنك وكاروزو وفورتادو، على سبيل الذّكر…)، ومفكرين عرب مثل حسن حمدان (مهدي عامل) وحسين مروّة، منذ النّصف الثاني من القرن العشرين، وكذلك “علي القادري” وأمثاله لاحقًا، للتأكيد على اعتبار الصراع القومي هو صراع طبقي في جوهره، على أن الصراع يبقى قائمًا داخل حركات التحرر لقيادتها وتوجيهها لإدماج عملية التحرر من الإضطهاد بالتحرر من الإستغلال الطبقي والإجتماعي، كما من أجل المُساواة الكاملة بين المواطنين…

هناك اختلاف جوهري بين القوى القومية التقليدية والقوى التحررية الإشتراكية، لأن الإشتراكيين يربطون عملية النضال من أجل الوحدة العربية بالديمقراطية وبإنجازها قاعِدِيًّا (أُفُقيّا) وليس عاموديا وفَوْقِيًّا، وهم يربطون النضال من أجل الوحدة العربية بالنضال من أجل تغيير علاقات الإنتاج، وتأميم الثروات العربية، بدل استغلالها من قِبَل الشركات الأجنبية، وتوزيع الثروات بشكل عادل، لتلبية احتياجات المواطنين، بدل خدمة المصالح الإمبريالية أو استيراد الغذاء والأدوية والسّلاح من الدول الإمبريالية…

تنطلق بعض التنظيرات التي تُنكر وجود الأمة العربية من غياب الإقتصاد العربي المشترك، متناسين أن التقسيم والتفتيت كان من نتائج الإحتلال العثماني، ثم الإحتلال الإستعماري الأُورُوبِّي، وهيمنة الإمبريالية، التي تدعم القوى الحاكمة التي نصّبتها لتخدم مصالحها ومصالح شركاتها العابرة للقارات، فالعامل الإقتصادي غير متوفر بالفعل في الوطن العربي، بسبب التجزئة، الناتجة بدورها عن الهيمنة الإمبريالية، وتعمل الطبقات الحاكمة على استدامتها وتأبيدها، باستثناء المسائل الأمنية، إذ تُنسِّقُ شرطة واستخبارات الأنظمة العربية فيما بينها، بإشراف الإستخبارات الأمريكية أو الأوروبية.

تستفيد الإمبريالية والكيان الصهيوني من تأبيدُ التجزئةِ، بينما يُساهم التقارب والتنسيق، باستخدامُ القواعد المُشتركة، منها اللغة والثقافة، في تقريب الشّعُوب، وفي تخطِّي الهويّات الضّيِّقَة المُصْطَنَعة التي استغلّتها الرّجعيات العربية (البرجوازية الكُمْبْرادُورِيّة) لتخريب وتدمير بلدان عربية أخرى (العراق وسوريا واليمن وليبيا…)، والتّخلّي عن فلسطين لصالح الصهاينة، بل والتّحالف مع الكيان الصهيوني ضد “الإخوة” في الدّين وفي العُرُوبة.

خاتمة:

تُشكل القراءة وسيلة هامة للتّمكّن من قواعد اللغة لإتقان العربية وترسيخ القواعد في ذهن الإنسان، ما يستوجب تشجيع البحث العلمي وحركة النّشر، ودعم المطبوعات والمنشورات باللغة العربية، ليتمكن المواطن والطالب والشاب من اقتنائها بأسعار معقولة، أو الإطلاع عليها مجانًا في المكتبات العمومية، لأن أهمية اللغة تكمن كذلك في إتاحتها نشر البحوث العلمية والدّراسات، ومواكبة التقنية ومجالات الإقتصاد والمال والأعمال، وكذلك في الحصول على وظائف تُناسب مُؤهلات وخبرات المحتاجين للتوظيف.

تُعتَبَرُ مصر أكبر دولة عربية، وكان تأثيرها الثقافي عظيمًا، خصوصًا في المرحلة “النّاصِريّة” التي دافعت عن مشروع سياسي وثقافي عربي، ودعمت التعليم والثقافة الفن، واشتهرت مصر بغزارة الإنتاج الثقافي والأدبي والفَنِّي، ما جعل أغاني أم كلثوم تشتهر في كافة أرجاء الوطن العربي، بما فيها المكتوبة بالعربية الفُصحى (الأطلال أو رباعيات الخيام…)، ولذلك انتشرت الأفلام والقصائد المصرية المكتوبة أو المُلقاة أو المُغنّاة باللهجة المصرية، رغم التّأثير الواضح للإحتلال العثماني، على الأسماء التي تنتهي بتاء مفتوحة مثلاً (عِصْمَت، مِدْحَتْ أو حِكْمَتْ…) كما على اللغة اليومية المحْكِيّة، حيث غابت من اللهجة المصرية حُروف أساسية للأبجدية العربية ( ق – ج – ظ – ذ…) ووقع استبدالها بحروف أو أصْوات أخرى، فيما بقيت لهجات الخليج (رغم التّبعية السياسية والإقتصادية) ولهجات بعض المناطق في الشّام واليمن وليبيا وجنوب تونس والجزائر، أكثَرَ التصاقًا باللغة العربية الأُم…

إن الكتابة بالعامّية (خارج نطاق الشعر والمسرح والفن الشعبي) لا تُعبِّرُ بالضرورة عن الإلتحام بالطبقة العاملة وبالكادحين والفُقراء، فاللّغة بحدّ ذاتها أداة تخاطب، لكنها بالخُصُوص وعاء ثقافي وحضاري وأحد مُقومات أي أُمّة، إلى جانب مقومات أخرى، ولذلك حارب الإستعمار الإستيطاني الفرنسي والإحتلال الصهيوني اللغة والثقافة العربية التي تجمع مواطني الرقعة الجغرافية المُمتدّة من المحيط الأطلسي إلى بحر العرب، والتي تعيش شُعوبها تاريخًا مُشتركًا منذ خمسة عشر قَرْنًا…

إن دفاعي عن الثقافة العربية واللغة العربية لا يعني عداءً أو ازدراء للهجات المحلية، بل هما مُكمّلان، فالفن الجميل (موسيقى أو رسم…) يُثير مشاعر المُستمع أو المُشاهد أو القارئ، مهما كانت لُغتُهُ، وأعتَبِرُ أن دفاعي عن اللغة العربية، كتقدُّمِي، اشتراكي، عربي، يندرج ضمن مشروع أرْحَبَ، يجعل من وحدة الأمة العربية (وهي أُمّة مُضْطَهَدَة، وبعض أجزائها مُسْتعمَرة عسكريا) والوطن العربي، خطوة نحو الأُمَمِيّة، أما الكتابة بالعامّية أو المَحْكِيّة أو الدّارجة، فهي – إضافة إلى الطابع الإيديولوجي المُتماهي مع الإستعمار- دعوة للإنعزال وتضْيِيق الآفاق، حتى داخل البلد الواحد…

نَشَر مجمع اللغة العربية بدمشق، مُنتَصَفَ سنة 2010، ردًّا على الدّعوات التي انتشرت، لاستبدال اللغة العربية بالدارجة المحكية، واعتماد العامية لغة لها قواعد تكتب ويمكن تدريسها، يمكن تلخيصه كالتالي: إن مجابهة مثل هذه الدّعوات تتم بتعزيز اللغة العربية الفصيحة‏ في مواجهة تحويل اللهجات العامية من المستوى الشفهي إلى مستوى الكتابة وترسيخ العامية التي تُكرّس الإنقسام العربي وسلخ الإنسان العربي عن هويته وتراثه، ولذا وجب تمكين اللغة العربية الفصيحة، وإفساح المجال لها في الفضاء التعليمي والإعلامي والإداري والتّشريعي وما إلى ذلك…

من جهة أخرى، يمكن تلخيص الوضع العربي الحالي كالتالي:

طُرِحت المسألة القومية في أوروبا، خلال القرن التاسع عشر، حين كان الوطن العربي محكومًا من قِبَل الدّولة العثمانية المُحْتَضِرَة، قبل أن تستعمر الإمبريالية البريطانية والفرنسية، بشكل أساسي، معظم أجزاء الوطن العربي.

لا يزال الوطن العربي خاضعًا للإستعمار المباشر في بعض أجزائه وللإستعمار السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي في مجمله، ما يعني أن التناقض مع الإمبريالية لا يزال قائمًا، وكرست الدولة العثمانية ثم الإستعمار الأوروبي واقع التقسيم والتجزئة الذي لا يزال متواصلاً بواسطة الأنظمة الرجعية الكُمبرادورية السّاهِرَة على رعاية مصالح الامبريالية وشركاتها العابرة للقارات التي تنهب الثروات، فيما تسلّحت الأنظمة الحاكمة بترسانة القمع لوأدِ كافة أشكال المعارضة.

في المشرق العربي، شكّلت وحدة اللغة، ووحدة المصير، عوامل ساعدت، منذ قُرُون، على مُقاومة امبراطورية فارس من جهة وبيزنطة، من جهة أخرى، رغم التحالفات المؤقتة بين المناذرة وفارس، وبين الغساسنة وبيزنطة…

تُعتبر اللغة العربية من أهم أدوات التواصل بين العرب، وهي أقدَم من كل اللغات الأوروبية، وتمكّنت من البقاء، ومن استقطاب علماء مَرْمُوقين، من أُصُول غير عربية، كتبوا بالعربية، في كافة المجالات، بفضل القوة المادّية (الدّولة العربية الإسلامية) وبفضل متانة قواعد النحو والصرف، وتدوين هذه القواعد، وبفضل الفعاليات والمباريات الثقافية، وتدوين الشعر والوقائع التاريخية…

يؤدّي التحرر الوطني إلى وضع حدّ للإستعمار المباشر أو غير المباشر، ووضع حدّ لِحثكْم وكلائه المحليين، ولكن لا يُؤَدِّي حتمًا إلى التحرر الإقتصادي، كما لا تُؤَدِّي الوحدة العربية بالضرورة إلى التحرر الوطني الديمقراطي، فقد تكون الوحدة على الطريقة الناصرية أو البَعثية، وحدةً فَوْقِيّة، لا تطرح مسألة الإستغلال الطبقي، ولا اضطهاد فئات أو أقليات أخرى.

يتميز الوطن العربي بتواصل المساحة والإمتداد الجغرافي، من المحيط الأطلسي إلى الخليج وبحر العرب، أي بوحدة الأرض، وبوحدة التاريخ واستمرار العلاقات والعيش المشترك، منذ قُرُون عديدة، منذ انتشار الإسلام في المغرب العربي، ووحدة الثقافة واللغة والطموحات، ما يُيَسِّرُ عملية التوحيد وبناء وطن عربي كبير، بمختلف مكوناته الدّينية والأثنية والثقافية، التي تتلاشى في حالات المَدّ الثوري، أو خلال فعاليات الدفاع عن فلسطين، لكن إدماج هذه الأقليات في النضال القومي (المُناهض للإمبريالية وللفئات المحلية التي تخدم مصالحها) يتطلب وضوح الهدف المتمثل في القضاء على الاستغلال وعلى الإضطهاد، وبناء اقتصاد عربي مُتكامل ومُشتَرَك، في ظل نظام عربي ديمقراطي، يحقق المساواة الكاملة بين الجميع، وهو ما لا تُحققه الأنظمة القائمة، بحكم تبعيتها للإمبريالية التي تُقسّم الشعوب والأمم، لتُيسِّرَ عملية الهيمنة، بل إن إنجاز هذه الخطوات مَنُوط بالأجيال القادمة، وبالقوى الإشتراكية والتّقدّمية.

يروج البعض أن “الأمة العربية” ليست قائمة الذات بل هي أمة في طور التشكل بسبب غياب العامل الإقتصادي أو “وحدة السّوق” (وحدة السوق = تعبير رأسمالي بحت)، بحسب تعريف جوزيف ستالين، وبحسب ما عبّر عنه “موريس توريس”، أمين عام الحزب الشيوعي الفرنسي الذي كان يعترض على استقلال الجزائر، فاعتبرها “أُمّة بصدد التّشكيل”، أما الكيان الصهيوني الذي اعترف به الإتحاد السوفييتي والأحزاب الشيوعية التي كانت تدور في فَلَكِهِ، فهو في نظرهم أمّة “كاملة الأوصاف”، و”مسمارًا في نعش الإقطاع العربي المتخلف”، وليتشرّد الشعب الفلسطيني في المخيمات!!!

تُشكّل اللغة العربية إحدى ركائز مقومات الأمة العربية، وهي اللغة المُشتركة في كافة البلدان العربية، كما في شمال مالي وتشاد والعديد من المناطق الأخرى، في آسيا وإفريقيا، ولابد من الإشارة هنا إلى دور الإستعمار في تغذية بعض النزعات العرقية التي تعتبر أن العرب دخلاء، استعمَرُوا إقليم المغرب العربي، فلا يصح بالتالي الحديث عن وطن عربي وعن أمة عربية، ووجب التّأكيد، في مواجهة هذه النزعات وأمثالها في المشرق والمغرب العربِيَّيْن، على وجود شعب عربي أغلبي يعيش على مساحة جغرافية تمتد من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، وتربط بين أفراده وحدة الأرض واللغة والعوامل النفسية التي تجسدها الثقافة المشتركة، وتعيش داخل هذه الرقعة الجغرافية أقليات قومية لها حقوق وواجبات، وعلينا أن نعمل على تحقيق مطالبها في العدالة والمُساواة، دون تدخّل امبريالي، باسم “حقوق الإنسان”…

بعض مُصطلحات اللغة العربية

الصّرف: علم لُغة، ينبني على وِحْدَة تُسَمّى “الجِذْر”، وهو يختص بصيغ المفردات اللغوية، وبما يمكنه إحداث تغيير في المعنى الأصلي للمفردة، عند تغيير الصيغة الصّرْفِيّة.

النّحو: يختص بالإعراب والبناء للمُفْردات والجُمَل

علم اللغة: دراسة نشأة اللغة وقوانينها وأساليبها وخصائصها وتطوراتها، ودلالة الألفاظ وبُنْيَتها من خلال الإعراب والإشتقاق، وكذلك دراسة النظام الصوتي، ويُعتبر علم اللغة أداةً لدراسة تطورات الحضارة والأدب.

علم الدّلالة، أو علم المَعْنَى: دراسة الشروط التي يجب أن تتوفر في “الرّمز” أو الكلمة أو اللّفظ اللُّغَوِي، ليكون “للرّمز” معنى،  كما يهتم علم الدّلالة بالنظام التركيبي اللغوي سواء للمفردة أو للسِّيَاق

من الشخصيات المُؤثِّرة في تاريخ اللغة العربية

عَمْرُو بن عثمان بن قنبر الحارثي (المُلَقّب ب”سيبويه” (760 – 796)

 فارِسيُّ الأصل، عربي اللسان، من تلاميذ مدرستَيْ البصرة وبغداد، ودرَس علوم اللغة بإشراف عدد من الجهابذة، منهم “الخليل بن أحمد الفراهيدي”… أوّل من دوّن قواعد النّحو، مع محاولة تبسيطها، وتطويرها.

الخليل بن أحمد الفراهيدي (718 – 786)

شاعر ونَحْوِي من البصرة، ابتكَرَ “العروض”، وهي أوزان الشعر العربي، انطلاقًا من ضَبْط الإيقاع الموسيقي للقصيدة الشّعرية. من تلاميذه (إضافة إلى سيبويه) الكناني والأصمعي والكسائي وهارون بن موسى، المُكَنَّى ب”النّحْوِي”.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.