ألمانيا، من النّازية إلى الصهيونية، الطاهر المعز

 اتّفق زُعماء أمريكا (دونالد ترامب وجوزيف بايدن) وأوروبا، كرئيس فرنسا ورئيس الوزراء البريطاني ، ومستشار النمسا ومستشارة ألمانيا ورئيس حكومة هولندا وغيرهم أن الكياني الصهيوني “يُمارس حقه الطبيعي في الدّفاع عن النّفس، ضد الإرهاب الفلسطيني الذي يستهدف المَدَنِيِّين…”، وحظَرت حكومة فرنسا المظاهرات المنددة بالعدوان الصهيوني، في الذكرى الثالثة والسبعين للنّكبة (أيار/مايو 2021)، واعتبرت حكومة ألمانيا المُتظاهرين مُعادِين للسّامية… ​​

أوردت وكالة الصحافة الفرنسية، يوم 23 حزيران/يونيو 2021، أن “ماتياس دوبفنر”، المدير التنفيذي لشركة الإعلام “أكْسِلْ سبْرِنْغر”، وهي أكبر دار نشر رقمية أوروبية، تُوظِّف 16 ألف شخصًا، أصرّ على رفع علم الكيان الصهيوني على مبنى الشركة بِبرْلِين، خلال العدوان الجوي الصهيوني الذي دام 12 يومًا، خلال شهر أيار/مايو 2021، ولمّا احتج العديد من الموظفين الذين أشاروا إلى فظاعة أعمال القتل وتدمير المباني وتشريد الفلسطينيين، اتّهمهم مُدير الشركة (كما اتهم المتظاهرين ضد العدوان) بمعاداة السامية ودعاهم إلى البحث عن وظيفة جديدة، في إشارة إلى اعتزامه تسريحهم من وظائفهم، لأسباب سياسية وعقائدية، وليست مهنية…

تأسست شركة الإعلام والنشر “أكسل سبرينغر”، بإشرف الإحتلال الأمريكي لألمانيا، سنة 1946، وتمتلك العديد من العلامات التجارية والصحف، منها الصحيفة الصهيونية “جيروزاليم بوست”، و”بيلد” و”دي فيلت” و “بيزنس إنسايدر” و “بوليتيكو يوروب”، والصحيفة الصهيونية “جيروزاليم بوست” وموقع “ياد2” الصهيوني للإعلانات…

يُعتَبَر الكاتب “فابيان وولف” من المثقفين الألمانيين القلائل الذي انتقدوا وسائل الإعلام في البلاد بسبب تحيزها العلني للكيان الصهيوني.

لم يُعلّق أي مسؤول حُكومي أو برلماني ألماني عن تقرير أصدره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في العاشر من تموز/يوليو 2021، ورَد ضمنه أن سلطات الإحتلال هدمت 421 منزلا فلسطينيا، بالإضافة إلى مباني أخرى يمولها الإتحاد الأوروبي (مدارس ومحلات علاج أو عمل) خلال النصف الأول من سنة 2021، وتهجير 592، بينهم 320 طفلاً فلسطينيا.

أعلن الرئيس الالماني يوم 01 يوليو/تموز 2021 فرانك فالتر شتاينماير في تصريحات للصحيفة الصهيونية “هآرتس” بأن المحكمة الجنائية الدولية ليس لها اختصاص للتحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية، أن المحكمة الجنائية الدولية ليس لها اختصاص للتحقيق مع إسرائيل، لأنه لا توجد “دولة فلسطينية”. وهو ليس المسؤول الألماني (أو الأوروبي أو الأمريكي) الأول أو الوحيد الذي يمنح الكيان الصهيوني حصانة من المحاسبة والعقاب ، واعتباره دولة فوق القانون”، والواقع أن مسألة إعلان تحقيق المحكمة الجنائية الدولية (آذار/مارس 2021)  في جرائم الحرب الصهيونية تقتصر على الأراضي المحتلة سنة 1967، منذ 13 تموز/يوليو 2014…

زار وفد برلماني ألماني فلسطين المحتلة والتقى الوفد وسفيرة ألمانيا بتل أبيب مع نائب وزير الخارجية الصهيونية، يوم الاثنين 05 تموز/يوليو 2021، الذي شكر الزائرين الألمان على الدعم الألماني الهام للكيان الصهيوني خلال العدوان ( من 10 إلى 21 أيار/مايو 2021) على الشعب الفلسطيني، هذا “الدعم والتعاون غير المحدود للدولة الألمانية الصّديقة التي لها مكانة خاصة لدينا، بسبب تأثيرها على موقف بقية أعضاء الاتحاد الأوروبي…”، ونُشير أن ألمانيا ثاني مُصدّر للسلاح نحو الكيان الصهيوني (بعد الولايات المتحدة) وتدعم سعره على حساب الشعب الألماني، خاصة بعد عدوان 2008، وتتجاهل “القانون الدولي وحقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية والمعتقدات الليبرالية”، التي يخرقها الكيان الصهيوني، بل تدعمه بلا قَيْد أو شَرْطٍ، حتى عندما تُخلِّفُ العَرْبَدَة الصّهيونية الآلاف من الضحايا (قَتْلى) والمُشَرّدين والمُعتَقَلِين، وتدّعي حكومات ألمانيا (أو غيرها) دَعْمَ “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” ضدّ الشّعب الواقع تحت الإحتلال والحصار، ففي الثاني عشر من أيار/مايو 2021، رفضت الحُكومة الألمانية، على لسان المتحدّث باسمها “ستيفن زايبرت” إدانة عملية قَتْل جيش الطيران الصهيوني الأطفالَ الفلسطينيين، وهدم البيوت، باسم “حق إسرائيل في الدّفاع عن نفسها، في مواجهة الإرهاب الفلسطيني”. أمّا “كريستوفر برغر”، نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية، فقد أنْكَرَ على الشّعب الفلسطيني الحق في الدّفاع عن النفس، ضد الإحتلال والقتل والتّدمير والتّهجير (ندوة صحفية يوم 12 أيار/مايو 2021)، وأصَرّ “هايكو ماس”، وزير خارجية ألمانيا، بعد قتل 266 فلسطيني، خلال عشرة أيام، منهم 16 من المُسنّين و أربعين امرأة و66 طفلا، على “وقوف حكومة ألمانيا إلى جانب إسرائيل وحقها في الدفاع عن النّفس”، وقام بزيارة زُملائه في حكومة الإحتلال، ” لإظهار التضامن الفعلي مع إسرائيل، ولأُثبِتَ أن دعم ألمانيا لا يقتصر على الكلمات… جئتُ إلى إسرائيل لإظهار التضامن والدعم لأمن إسرائيل وأمن السكان اليهود ولأؤَكِّدَ أن أمن إسرائيل غير قابل للتفاوض”. (عن وكالة د.ب.ا 21 أيار/مايو 2021).

في التاسع عشر من أيار/مايو 2021، اتصلت المُستشارة الألمانية “أنغيلا ميركل” برئيس حكومة العدو، للتعبير عن “تضامن الحكومة الألمانية، ولإدانة الهجمات الصاروخية المستمرة من غزة على إسرائيل… (وأبْدَتْ) اهتماما كبيرا بأمن إسرائيل وسلامة شعبها…”.

أما داخل ألمانيا، فإن الحكومة، ومعها وسائل الإعلام، تدّعِي “إن الاحتجاجات (السلمية ) التي رُفِعَتْ خلالها الأعلام الفلسطينية، ورُدِّدَت الشعارات المناهضة لإسرائيل معادية للسامية…” ووصف بلاغ حُكومي أي دعوة لمحاسبة الكيان الصهيوني بأنها “خطاب كراهية”، وأعلن المتحدّث باسم الحكومة الألمانية، في مناسبات عديدة، “إن هذه المَسيرات مُعادية للسامية، وهي تعبير عن كراهية اليهود وعن سوء استخدام الحق في التعبير والإحتجاج، لذ لن تتسامَحَ حكومتنا معها…”، وأعلن وزير الخارجية “هايكو ماس”، خلال جلسة برلمانية، أثناء العدوان الصهيوني “إدانة المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين، التي وجب قمعها بالعنف”.

كتب موقع “أُوبن ديمُكراسي” (الديمقراطية المفتوحة) “إن وسائل الإعلام الألمانية الرئيسية تتجاهل الوحشية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، وإذا ما اضطرت إلى الكتابة عن الفلسطينيين لا تشرح للقراء ما هي النكبة ولا تُبيّنُ استمرارها في شكل تطهير عرقي وإنكار حق الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم” ، وتعليقًا على تصريح وزير داخلية ألمانيا “هورست زيهوفر”، عندما أحرَقَ المتظاهرون علم الكيان الصهيوني: “إن  هذا العمل معاد للسامية، وستقمع ألمانيا بشدة أي شخص ينشر كراهية معادية للسامية، ولن نتسامح مع حرق الأعلام الإسرائيلية على التراب الألماني “، فالأعلام الصهيونية، في نَظَر الحكومة الألمانية، أهم من حياة الفلسطينيين، وأهم من مباني ومنازل ومزارع ومستشفيات وطرقات فلسطين…

من جهة أخرى أفردت وسائل الإعلام الألمانية والأوروبية (وغيرها) حيزًا هامًّا لمهرجان “كان” السينمائي، وأطنبت في مديح الشريط “الإسرائيلي” ( Let there be morning )، واتفقت معظم (إن لم يكن مُجْمل) هذه المواقع ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة على عدم الإشارة (مجرد الإشارة) إلى مقاطعة طاقم الشريط لحفل الإفتتاح، بسبب تقديم الشريط على إنه “إسرائيلي”، وانفردت حركات مقاطعة الكيان الصهيوني بنشر الخبر، يومي 09 و 10 تموز/يوليو 2021، وذكرت أن المُمَثِّلِين من فلسطينيي الإحتلال الأول (1948) أصدروا بيانًا جماعيا، ذكروا أن موقفهم سياسي، احتجاجًا على مساهمة إدارة مهرجان “كان” في طَمْس أو مَحْوِ الإحتلال الصهيوني لتاريخ الشعب الفلسطيني ولِلُغته وهويّته وثقافته، بالتوازي مع استمرار “الحملة الاستعمارية والتطهير العرقي والطرد والفصل العنصري ضدنا – نحن الشعب الفلسطيني- منذ عُقُود”، بحسب البيان الذي ذَكَّرَ بأن الجنسية “الإسرائيلية” مَفْرُوضة على الفلسطينيين، ولا يعني ذلك قُبُولهم الأمر الواقع، والعنف والسلب الذي تتغاضى عن ذكرة وسائل الإعلام الإستعمارية… أما عن الشريط، الذي يتطرق إلى الإعتقال التعسفي والإداري (لفترة غير محدودة، دون توجيه تهمة ودون الحق في الإطلاع على الملف وتعيين مُحامي) لكافة الفلسطينيين، بمن فيهم فلسطينيي الدّاخل، فقد اعتبره بيان المُمثلين الفلسطينيين “ثمرة عملنا الجماعي الإبداعي، بشأن حالة الحصار الدّائم، التي تتجلى في الجدران ونقاط التفتيش والحواجز المادية والنفسية، والتبعية وانتهاك الهوية والثقافة، وحقوق الإنسان الأساسية، منها حرية التنقل… إن الفنانين الفلسطينيين يقاومون كل أشكال القمع الاستعماري الإسرائيلي ضد حق الشعب الفلسطيني في العيش والإبداع”.

بعد الحرب العالمية الثانية، احتل الجيش الأمريكي الجزء الغربي (الجزء الأكبر) من ألمانيا، وركّزَ بها قواعد عسكرية ضخمة، وفَرضت الولايات المتحدة على الدّول الأوروبية التنازل عن الدّيون التي يتوجّب على ألمانيا تسديدها (مع رفض إلغاء ديون اليونان) وخلال فترة الإحتلال الأمريكي، وقع إقرار تسديد تعويضات للكيان الصهيوني، بدل تعويض أُسَر ضحايا النّازية من اليهود، وهم مواطنون ألمانيون وأوروبيون وقع سجنهم وقتلهم قبل تأسيس دولة الإحتلال الصهيوني (دون تعويض أُسَر الشيوعيين أو الغجر وغيرهم)، وبذلك تم تنصيب الكيان الصهيوني، سنة 1953، وَصِيًّا على يهود أوروبا والعالم، وناطقًا باسمهم، لتفوق قيمة التعويضات الألمانية تكلفة جميع الحُرُوب الصّهيونية ضد العرب…

هذا وجه من وُجوه ألمانيا التي أثْنَى عليها الكثير عند “استقبال” مئات الآلاف من اللاجئين، وخصوصًا من السُّوريين والفلسطينيين، رغم تورّط الجيش والمخابرات الألمانية في كافة الحُروب العدوانية الأمريكية، من أفغانستان إلى غرب إفريقيا، وتلعب دورًا تخريبيًّا هامًّا في سوريا…

كانت ألمانيا، خلال الغزو الصهيوني لِلُبنان، بهدف القضاء على المُقاومة الفلسطينية، الوجهة التي اختارتها الإمبريالية الأمريكية والأوروبية، لاستقبال الشبان الفلسطينيين، إلى جانب دُوَيلات شمال أوروبا السكندينافية، فالإقتصاد الألماني (الصناعة بشكل خاص) بحاجة إلى سواعد شابّة تُعَوِّضُ نُقص السّكّان القادرين على العمل، فضلاً عن هدف إبعاد هؤلاء الشّبّان عن فلسطين وعن مناخ المقاومة…

بعد تدفّق اللاجئين من سوريا والعراق وأفغانستان وغيرها، على أوروبا، انطلاقًا من أراضي تركيا، التي يبتَزُّ نظامها الإتحاد الأوروبي، ويستخدم اللاجئين كورقة ضغط، أعلن رئيس منظمة أرباب العمل الألمانية أن الإقتصاد الألماني بحاجة عاجلة إلى ما لا يقل عن 1,8 مليون من القادرين على العمل في جميع الإختصاصات، من الهندسة والطّب، إلى الإنشاء وعُمّال المصانع، وكانت الشركات الألمانية تختار العاملين-اللاجئين في مخيمات اللجوء، قبل دخول الأراضي الألمانية، ولا يزال الإقتصاد الألماني بحاجة إلى حوالي مليونَيْ مهندس وطبيب وتقني وعامل مُؤَهّل ومُختص…

هذا أحد أسباب “استقبال” ألمانيا للاجئين من البلاد الأجنبية، يُساهم الجيش الألماني في تخريب بعضها…

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.