عودة إلى معايير مساندة أو معارضة التغييرات الحاصلة في تونس، الطاهر المعز

سبق أن كتبْتُ ثلاثة مقالات قصيرة تعليقا عَمّا حصل بتونس من إزاحة الإخوان المسلمين (مؤقّتًا؟) الذين كانوا مُطْبِقين الخناق على البرلمان والحكومة وكل مفاصل الدّولة، وكان آخرها بعنوان: “ما معايير الدّعم أو الشّجب لما حصل بتونس؟”، ونُشِرَتْ بتاريخ 28 تموز/يوليو 2021، واستخدَمْتُ عبارة “انقلاب دستوري”، لتوصيف ما حَدَثَ (لم أجد غيرها، لأني لا أعتبرها “تصحيحًا”، بل صراعًا مُؤسّساتِيًّا بين أجنحة النّظام)، ما أثار حفيظة البعض، وتُعتبر الفقرات الموالية توضيحًا أو تتِمّة لتلك المقالة التي أثارت بعض رُدُود الفعل، وهذا طبيعي لأن الأفكار المنشورة للعموم، تصبح مشاعًا، تحت تصرّف ِمن يطّلع عليها، وهو شيء إيجابي بحدّ ذاته، لأن من يُعلّق أو يناقش يُبْدِي اهتمامه بالموضوع، ويعلن استعداده للنقاش وتبادل الرأي، وقد تكون القراءة مُتأنية أو سريعة، وقد يمون النقاش هادئًا أو حادًّا، فذلك شأنٌ آخر، ومن المُلاحظ أن من كتبوا رُدُودًا يقفون في صف التقدّميين عمومًا، رغم بعض الحِدّة والتّسرّع، وبدَل الرّدّ الشّخصي، حاولتُ جَمْع بعض المُلاحظات (الإيجابية والسّلبية، لا فَرْق) لدراسة الموضوع بمزيد من التّمعّن وتوضيح بعض الأفكار، لِيَتَوَسَّعَ إطار النقاش، ويخرجَ عن النقاش الثنائي…  

ليست هذه الفقرات ردًّا، بل جزءًا من النقاش أو التقويم لحدثٍ حَصلَ بتونس (ما وَصَفْتُهُ سابقًا انقلابًا دستوريًّا”)، قد نختلف في توصيفه، أو في أبعادِهِ، لكن من الضّروري مُحاوَلَةُ قراءته من منظور طبقي، أي انطلاقًا من وضع الفُقراء الذين أشعلوا انتفاضة 2010/2011، أو بطرح أسئلة عن دوافع إبعاد الإخوان المسلمين وعن آفاق الوضع الإقتصادي والإجتماعي، وعن مدى استفادة الأُجَراء والفُقراء والمُنْتِجين من عملية “التّصحيح الثوري”، كما سمّاها صاحبها، مع التّذكير بأن من يتحكم بعملية “التغيير” هو الذي يقودها حيث يُريد، إلا إذا كانت الحركة الثورية قوية ومتماسكة قادرة على الوقوف في وجه من يُحاول الإلتفاف على نضالات ومطالب الكادحين والفُقراء، ورَدْعِه عن استغلالها لمصلحة القوى المُعادية للثورة… 

الظرف:  

في ذكرى “إعلان الجمهورية” يومَ 25/07/1957، وهي ذكرى اغتيال الشهيد محمد البراهمي 25/07/2013 ، تظاهر المواطنون بالعاصمة، وتجمعوا أمام مقر البرلمان، كما تظاهر الآلاف في عدد من مُدُن البلاد، رغم الإعتقالات والتّعذيب حَدّ القتل، والقمع والغاز المسيل للدموع، وشكّلت مُعارضة سُلطة الإخوان المسلمين النّهضة) وحل الحكومة والبرلمان، ومكافحة الفساد، قاسمًا مشتركًا بين المتظاهرين الذين أحرقوا بعض مقرات الحزب الحاكم، رَمْز السّلطة التي سَطَتْ على انتفاضة 2010/2011، بدعم مباشر من الإمبريالية الأمريكية والأوروبية، وقادت البلاد إلى الإفلاس، خلال عشر سنوات، باسم الثورة وباسم “الإنتقال السّلس من الدكتاتورية إلى الدّيمقراطية”.  

أصدر حزب الإخوان المسلمين (النهضة) بيانًا يندّد ب”الفوضى والتخريب” الذي ترتكبه “عصابات إجرامية تُحرّكها أيادي أجنبية”، ما يُذَكِّرُنا بلغة وعبارات واتهامات نظام حُكْم حزب الدّساترة، من 1956 إلى 2010، لكل تحرك شعبي أو إضراب، أو احتجاج.  

في مساء نفس اليوم، أعلن رئيس الجمهورية تجميد أعمال البرلمان، والحكومة، “لإنقاذ البلاد من الفساد” الذي سوف يُحاسَبُ المسؤولون عنه، وفقًا للفصل ال80 من دستور سنة 2014، وأثار هذا الإعلان فرحًا شعبيًّا فَوْرِيًّا وعفويا (لا “تُحرّكه أية أياد أجنبية”)، وعلنيًّا وجماعيا، في الأحياء الشعبية وفي ساحات وشوارع المُدُن، ووَجَبَ التّريّث والحذر من ردود الفعل العَفْوية هذه، إذ حصلت رُدُود فعل وفرحة شعبية مماثلة، بعد انقلاب بن علي على مُعلِّمِهِ بورقيبة يوم السابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1987 (المُقارنة لا تتجاوز التعبير التّلْقائي عن الفرحة )، وسبقَ أن كتَبْتُ: “من الخطأ الغوص في جدل فُقْهِي قانوني، لا يفضي سوى إلى إهمال الإهتمام بالمشاغل الأساسية لأغلبية المواطنين، عن وعي أو عن غير وعي”، كما لا يجب الإكتفاء بالقول: “نحن مع أي قوة تُخلّصنا من حُكم الإخوان المسلمين”، وإنما وجب النّظر إلى البديل الذي يقترحه الرئيس “قيس سعَيّد”، وما يقترحه من حلول لمشاعل أغلبية المواطنين، من ارتفاع الأسعار وخصخصة القطاعات والخدمات الأساسية ومن ارتفاع البطالة والفقر والدّيون الخارجية، أو ما هو برنامجه الإقتصادي والإجتماعي (فضلا عن الجانب السياسي/المُؤَسّساتي) لإنجاز تنمية تشمل كافة مناطق البلاد، وتعتمد على القطاعات المُنْتِجَة، وللحد من التفاوت الطبقي (ولا نتحدث عن إلغاء الفوارق الطبقية، لأنه لا يدّعي الإشتراكية)، وما هي مصادر تمويل هذه البرامج (التي لم تُطْرَحْ أصْلاً)… إن إنهاء حُكْم الإخوان المسلمين أو أي قوة رجعية أمرٌ إيجابي، شرط قيام سلطة تقدّمية تهتم بمصالح أغلبية المواطنين، فالإخوان المسلمون أصبحوا رَمْزًا للفساد والعمالة والتّطبيع، ولم تختلف سياستهم الطّبقية، والمُوالية للإمبريالية، في جوهرها، عن سياسات من سبقهم. 

قد تعيق بعض النّقاشات، أو طريقة طرح بعض المسائل، التّطَرُّقَ إلى بعض القضايا الأساسية التي تعني الفئات الشعبية، والمواطن العادي (الكادح والفقير)، في حياته اليومية، وحياة الأجيال اللاحقة، وقد تُعيق أيضًا بلورة برامج بديلة للليبرالية الإقتصادية والتّداين من الخارج وخصخصة القطاع العام، وإلغاء دعم السّلع والخدمات الأساسية، كما قَدْ تُعيق توعيةَ وتكوينَ مناضلين من الشغيلة ومن فقراء الأحياء والمناطق الشعبية لاستبدال الغضب وردّ الفعل، بالعمل الجماعي المنظَّم ومُمارسته من أجل مطالب آنية مثل إسقاط الحكومة ومحاسبة اللصوص والفاسدين الذين يستهترون بصحّة المواطنين، ومطالب أخرى كتغيير منظومة الحكم، وليس من أجل استبدال “زَيْد” ب”عَمْرو”، بل من أجل العدالة الإجتماعية والقضاء على الفقر والبطالة، عبر تنمية المناطق المحرومة، وتشغيل المُعَطّلين عن العمل، ومن أجل إلغاء الدّيون الخارجية التي لم يقع إنفاقها في مشاريع منتجة، ومُصادرة المبالغ التي سُرِقَت من قوت وصحّة الشعب، ووقع تهريبها إلى الخارج، منها موارد بعض الصادرات او إيرادات السياحة التي تبقى بالخارج… 

مَطِيّة الحُرّيات والديمقراطية: 

تعلّلت بيانات بعض القوى، المَحَلِّيّة والأجنبية (دون ذِكْر أسماء، فالموقف أو الفِعْلُ هو المُستهدَف وليس الشّخص أو الحزب أو المُنَظّمة)، بضرورة “احترام الديمقراطية” و “رَفْض الشّعْبَوية” ورفض العودة إلى “الإستبداد”، وهي كلمات حقٌّ أُريدَ بها باطلٌ، لأنها تُجسِّدُ إعلاناً مباشرًا أو غير مباشر لدعم الإخوان المسلمين، باسم “احترام الشرعية”، والشرعية لا تعني في قاموس هؤلاء، الديمقراطية الأفقية، والمشاركة في إقرار خيارات وبرامج تهدف تنمية البلاد، وحفظ كرامة المواطنين، بل تقتصر في نظرهم على الدّعاية الإنتخابية التي وقع تمويلها بالمال الفاسد، وعلى شراء أصوات النّاخبين الفُقراء والمُحتاجين، والوُعُود الكاذبة، واستغلال أبناء الفُقراء وإرسالهم لتعزيز صفوف الإرهابيين، والمُشاركة في العدوان على سوريا وليبيا والعراق وغيرها، ضمن حُرُوب تُشعلها الإمبريالية، وتدعمها أنظمة الإستبداد والقمع والتّبعية التي أغرقت بلداننا بالدّيون (مثل نظام تونس) ليكون الفُقراء وقُودًا لها… 

لم تختلف مواقف بعض القوى المحسوبة على اليسار عن مواقف الإعلام “الغربي” والمنظمات “غير الحكومية” التي عبرت عن تخوفاتها من “إجهاض المسار الديمقراطي”، وهي مواقف لا تختلف أحيانًا عن موقف “النهضة”، لكن قادة الإخوان المسلمين أبدوا استعدادهم للتّكيُّف مع المرحلة الجديدة للخروج بأخف الأضرار، فيما أهملت معظم البيانات جُذور انتفاضة 2010/2011، ومطالب المنتفضين بالشغل والحرية والكرامة، وهي الإنتفاضة التي وقع الإلتفاف عليها “ديمقراطيا”، أي عبر عملية انتخابية مَوَّلَها وأشرف على تنفيذها الإتحاد الأوروبي، وفازت بها القوة الأحسن تنظيمًا وانضباطًا وتمويلاً…  

على المستوى الإقتصادي والإجتماعي، أفضت المشاورات بين أطراف “وفاق 2013” (نقابات الأُجراء وأرباب العمل والمنظمات الحقوقية) إلى “وفاق طبقي”، حيث تَكَرّم رأس المال وتطوعه “لتحسين معيشة المواطنين”، من خلال تخفيضات رمزية لأسعار بعض المواد الأساسية، لفترة محدودة، ما يُلْغِي (أو يُؤجّل) مطلب محاسبة أقلية الأثرياء التي نهبت عرق وثروة أغلبية الفُقراء والأُجَراء، أي أن الديمقراطية الإقتصادية لا تندرج ضمن برامج هذه الفئة من عِلْيَة القوم التي توصّلت إلى “وفاق طبقي” مؤقت، كما توصّلت أغلبية “نواب الشعب”، أي نواب الإخوان ودساترة الباجي قائد السبسي آنذاك، إلى إقرار “مُصالحة اقتصادية”، تشمل إعفاء اللصوص والفاسدين من المحاسبة أمام القضاء…      

إن الدّيمقراطية لا تقتصر على الإنتخابات الدّورية التي يمكن للأثرياء الفوز بها بسهولة، ويمكن لحركة النهضة تمويلها من قِبَل “قَطَر”، أي من أطراف خارجية، مع الإدّعاء أن جميع المواطنين مُتَسَاوُون في الحقوق والواجبات (وغير متساوين أمام فيروس “كوفيد 19”)، بل وجب أن تشمل قضايا الإقتصاد والحياة اليومية لعموم المواطنين، وسيطرة المنتجين على وسائل الإنتاج وتسييرها، وفق مُخطّط وطني، وليس بغرض إثراء أصحاب الأسْهُم… 

زئْبَقِيّة مواقف الإخوان المسلمين: 

بعد انقلاب السابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1987، وبعد الإفراج عن قيادات الإخوان المسلمين، صرّح “راشد الغنّوشي” علَنًا: “…ثقتي في اللّة وفي بن علي كبيرة…”، وبعد فترة قصيرة، حاول قادة “النّهضة”، عبر الإندساس في الجيش وقوى الأمن الدّاخلي، استعراض قُوّتهم والإنقلاب على سُلْطة بن علي، فقمعتهم السّلطة بشدّة، وفرّ القادة إلى أوروبا، وأصدر راشد الغنوشي توصية داخلية، وردت بها “النّصيحة” التالية: “إحْنِ ظَهْرَكَ إلى أنْ تَمُرَّ العاصفةُ”، واعتقدت أجهزة النّظام، وكذلك بعض مُعارضي الإخوان المُسلمين أن “النّهضة” انتهى أمرها، بينما كان عناصرها يواصلون العمل في المساجد والأحياء الشعبية، بدعم مالي وإعلامي وحُقُوقي من قَطَر (بداية من 1996) وبعض أثرياء الخليج، وأوروبا التي منحت قيادات الإخوان المسلمين إقامات ولجوءًا سياسيّا، ونجحت قيادات الإخوان المسلمين (بدعم أمريكي مباشر، وعَلَنِي) في تجنيد قوى اليسار العربي (حزب العُمّال بتونس ومنظمة الإشتراكيين الثوريين بمصر وحزب العمل الشيوعي بسوريا…) للدّفاع عنهم كقوة ديمقراطية، بشهادة الإمبريالية الأمريكية التي تعتبرهم قوى الدّين السّياسي “المُعتدل”، مقارنة ب”القاعدة” أو “طالبان”، ولم يُعْرَف عن أي تيار ديني إسلامي، بدون استثناء، تضامنه مع أي منظمة أُخرى أو أي حزب آخر…  

بعدَ إعلان “قيس سعيد” تجميد عمل البرلمان والحكومة، صَرّح قادة “النهضة” بعدم اعترافهم بهذه القرارات، ودعوا أنصارهم إلى دعم راشد الغنوشي الذي يعتصم مع بعض النواب الآخرين أمام البرلمان، ولكن راشد الغنوشي نَسِي “نصيحته” قبل ثلاثة عقود (احْنِ ظَهْرَكَ إلى أن تَمُرّ العاصفة) ولكن هذه “النّصيحة” ترسّخت في عُقُول الجيل الجديد الذي ورث الجُبْن والخِداع عن جيل الغنوشي، فكان عدد أنصاره قليلاً أمام البرلمان وفي شوارع مختلف مُدُن البلاد، مقابل ارتفاع عدد المُتظاهرين الذين ندّدوا بالإخوان المسلمين واقتحموا مقرات الحزب الحاكم، ما أجبر الغنوشي على الإنسحاب من أمام البرلمان، بعد بضع ساعات من بدء اعتصامه، وشكّل إعلان مُحاسبة الأحزاب التي تلقّت تمويلات خارجية إبّان الحملات الإنتخابية، ومُحاسبة اللُّصوص والفاسدين من رجال الأعمال والنّواب وقيادات الأحزاب، ضربة قاصمة لحركة النّهضة التي انفضّ عقد تحالفها مع حزب رجال الأعمال الفاسدين (حزب “قلب تونس”) وحزب اليمين الإسلامي المتطرف (ائتلاف “الكرامة”)، وصرّح رئيس الحكومة المُقال والمدعوم من النهضة (هشام المشيشي) إذعانَه لقرارات الرئيس وتخلّيه عن منصب رئاسة الحكومة، فأصبح الغنوشي وصحْبُهُ يبحثون عن وساطة، لإطلاق حوار مع الرّئيس قيس سعيد، “حرْصًا على مصلحة البلاد”، حسب زعْمِهِ، والواقع أن قادة “النّهضة” أدْرَكوا مَيْلَ ميزان القوى نحو الرئيس، ليس كشخص وإنما كرمز للقوى المُعارضة لائتلافهم البرلماني والحكومي، فلم يُصدر أي حزب تونسي دعمًا صريحًا ل”النهضة”، وفي الخارج، لم تعتبر أي دولة في أوروبا أو أمريكا أو إفريقيا أو آسيا، ما حصل “انقلابًا”، باستثناء قطر تركيا، بشكل غير مباشر، بواسطة “اتحاد علماء المسلمين” (تمويل قَطَرِي). 

من دواعي الغضب الشّعبي: 

أغرقت “النّهضة” البلاد بالدّيون، وارتفعت نِسب البطالة والفقر وزادت عدد مُرشّحي الهجرة غير النظامية، وزاد حجم الإقتصاد المُوازي، وظهرت حقيقة التركيبة الطّبقية لقيادات حزب الإخوان المسلمين، من رجال الأعمال والتّجار والمُضاربين الذين لا يضيرهم السّهر على مصالح الشركات والدول الأجنبية (نموذج قطاع الطاقة)، كما لا يضيرهم ارتفاع الدّيون وفوائدها، وخفض قيمة الدّينار، وتطبيق شُرُوط الدّائنين من إلغاء دعم السّلع والخدمات الأساسية وخصخصة قطاعات حيوية مثل الطاقة والصحة والتعليم، أما سياسيا وإيديولوجيا فهو حزبٌ يُضاهي أو يَفُوق في رجعيته حزب الدستور، ويستخدم الرشوة وشراء الذّمم والقمع والأساليب التي استخدمها نظام بن علي أو حسني مبارك…      

تمكّنت “النّهضة”، منذ 2011، من الإلتفاف على انتفاضة الفُقراء والكادحين والمُعَطّلين عن العمل، فيما غاب اليسار عن المشهد السياسي، خصوصًا بعد تفتت ائتلاف “الجبهة الشعبية”، فملأ الرئيس “قيس سعيد” الفراغ، وعمومًا عجزت قوى المعارضة عن مُقارعَة الإئتلاف الحاكم، لا في البرلمان (ما يُسمى الشرعية الديمقراطية أو الإنتخابية) ولا في مواقع العمل أو في الساحات والشوارع والفضاء العام، أو ما يُسمى “الشرعية الثورية”، وكانت تيارات اليسار أضعف حَلَقَة في المُعارضة، رغم حِدّة الصراع الطّبقي وارتفاع وتيرة الإحتجاجات الشعبية وتوسّعها إلى فئات الإعلاميين والأطباء والحُقُوقِيّين، ما جعل الحركة الشعبية وحركة المُعطّلين عن العمل وصغار المزارعين والنقابيين التقدّميين، بدون سند تقدّمي أو ثوري، بالتوازي مع تقدّم شق من البرجوازية الكمبرادورية الدّاعمة للنظام السابق (حزب الدّستور) لاكتساح الساحة واستقطاب جزء من جمهور اليسار، ولمّا أعلن قيس سعيد قراراته لاقى دعما شعبيا هائلا، ما زاد من تهميش مواقف قوى اليسار التي تمكّن قيس سعيد (موظف عمومي من الشرائح الوُسطى) من سحب البساط من تحت أقدامها بدفاعه عن القطاع العام، مع تنديده بالفاسدين واللصوص… 

عِبَر وآفاق: 

أنا لسْتُ مَعنِيًّا بنقد اليمين (“العلماني” أو الدّيني)، بل معنِيٌّ بمعارضته ومقاومته، ولكني مَعْنِيٌّ بحال اليسار، وخاصة المنظمات والأحزاب التي تتبنّى الإشتراكية والشيوعية، وبعض الأحزاب القومية العربية، لذلك أُرَكِّزُ نقدي على تيارات اليسار، بشكل عام، وبدون تخصيص.   

لم يُقَوِّم اليسار التونسي (عبارة “اليسار” فضفاضة، واخترتُ استخدامها عَمْدًا) تجاربه العديدة، منذ خمسة عقود، فقد كان اليسار مُشاركًا في الإحتجاج على سياسات النظام “البورقيبي” منذ عدوان 1967، والحرب الإمبريالية الأمريكية على فيتنام، وكان اليسار النقابي حاضرًا بقوة في الإضراب العام في السادس والعشرين من كانون الثاني/يناير سنة 1978، وفي انتفاضة نهاية 1983 وبداية 1984، ضد شروط صندوق النقد الدّولي، وكذلك في انتفاضة 2010/2011، لكن خذلت قيادات اليسار مناضليها وجمهور المنتفضين والمُحتَجّين، في عدة مناسبات، منها قُبُول الدّخول في ما سُمِّي “لجنة عياض بن عاشور”، خلال الإنتفاضة، وحل لجان حماية الثورة، والمُساهمة إلى جانب قيادة الإتحاد العام التونسي للشغل، في فض اعتصامَيْ ساحة القصبة، والإهتمام بالتغيير بواسطة الإنتخابات، بدل الإعتماد على  جمهور العاملين والمُعطّلين والفُقراء من الشباب والنّساء والرجال، من مختلف مناطق البلاد، والإهتمام بمشاغلهم وحقوقهم في الغذاء والتعليم والصحة والسّكن والنقل والعمل…  

لقد بلغ احتقار الشعب من قِبَلِ بعض مناضلي اليسار حد التّشفِّي لأن “الشعب الجاهل” انتخب ممثلي الإخوان المسلمين، بدل انتخاب ممثلي الجبهة الشعبية، وبمناسبة الحجر الصحي والحبس المنزلي، تهكّم بعض مناضلي اليسار (على صفحات التواصل “الإجتماعي”) من هؤلاء الفُقراء “الجَهَلة” الذين يخرجون إلى الشارع، رغم الحجر الصحي، بحثًا عن القوت اليومي، فهم لا يمتلكون مُدّخرات، ولم تتكفل الدولة بمنحهم أقنعة وغذاء وبمساعدتهم على تسديد إيجار المَسْكن وما إلى ذلك من المصاريف القارّة، والطّارئة، ويحق التّساؤل: هل كانت منظمات اليسار تمتلك برنامجًا، أو هل كانت لها استراتيجية وتكتيكات للوصول إلى السلطة؟    

أن الأزمة الحالية ليست قانونية، بل سياسيةٌ واقتصادية وصحّية، في بلد يقوده ائتلاف تستّر على الإجرام واغتيال المُعارضين، وهو نظام فاسد سمح بإدماج السياسيين واللصوص في أجهزة الدّولة، ورَهَنَ البلاد للدّائنين، ويمكن تسميته بالنظام الكُمْبرادُوري، أي مُمثّل مصالح الشركات والقوى الإمبريالية في البلاد، عجز عن مُعالجة الأزمات السياسية والصّحّية والإقتصادية والمالية، إضافة إلى تحويل البرلمان (برئاسة كبيرهم راشد الغنوشي) إلى سيرك، وحلبة صراع وشتائم وتشابك بالأيدي، ولا يهتم الإئتلاف الحاكم بالمشاغل اليومية للمواطنين ولا بمستقبل البلاد والعباد، بل بنهب موارد الدّولة وتوزيع الغنائم، ما أدّى إلى انهيار الإقتصاد وما أَوْصَل الدّولة إلى حالة العجز عن سداد الدّيون، وبلغت الوقاحة حد طلب قيادات “النهضة” من الولايات المتحدة تعليق إرسال المساعدات الطبية واللقاح ضد فيروس كورونا إلى تونس، إلى أن يتراجع قيس سعيد عن قراراته، وفي الأثناء فإن وفاة مائتَيْ تونسي يوميا بالفيروس التاجي (كورونا) لا تزعج قيادات الإخوان المسلمين، ما جعل القوى المُعارضة للنهضة (مثل حركة الشعب) تتهمها، على حق، بالإستقواء بالخارج، في شأن داخلي… لكن يبدو أن الإمبريالية الأمريكية لم تعد تدعم الإخوان المسلمين والتيارات التي كانت تُصنّفها في خانة “الإسلام السياسي المعتدل”، فقد كان وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، أحد أوّل المُتّصلين بالرئيس قيس سعيّد، معلناً دعمه للديموقراطية، وصرحت الناطقة باسم البيت الأبيض الأمريكي، إنه “لا يمكن وصْف ما جرى بالانقلاب”، ودعا مساعد وزير الخزانة الأمريكي، لمّا التقى محافظ المصرف المركزي التونسي (بتونس)، إلى “التعجيل باستكمال المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، لتفادي تفاقم الأزمة الاقتصادية”، وأعلن “استعداد الحكومة الأمريكية لدعم مساعي تونس لدى المؤسسات الدولية المالية”…  

أظْهرت التجارب في تونس، كما في بلدان أخرى، عدم التّعويل على الصّدفة أو على شخص استثنائي، لتغيير الوضع (في أي اتّجاه؟)، بل يقتضي المنطق والتحليل المادّي إعداد العُدّة (النّظرية والعَمَلية) والعَمل على إحداث التّغْيِير بشكل يجعل القوى الثورية فاعلة وقادرة على توجيهه لصالح العاملين والكادحين وأغلبية المواطنين، وهذا عمل لا يمكن لأفراد، ولو كانوا استثنائيين، إنجازه، بل يتطلّب ذلك بناء حزب صارم، يعتمد العمل الجماعي المُنظَّم، في مجالات الدّعاية والتنظيم والتّحريض، ويعمل على توسيع رُقعة الأصدقاء (أصدقاء الطبقة العاملة والكادحين)، وتضييق رُقعة الأعداء، عبر إنشاء جبهة تقدمية…    

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.